في لبنان.. الصيت تركي والنفوذ فرنسي!
Women from the Turkmen village of Kwashra in the northern Lebanese region of Akkar attend a public gathering with Lebanese Prime Minister Saad Hariri and his Turkish counterpart Recep Tayyip Erdogan (pictures on hat) on November 24, 2010. AFP PHOTO/STR (Photo credit should read -/AFP via Getty Images)

التنافس والتنافر الفرنسي ـ التركي ليس طارئًا أو حديثًا لكن تغلغل تركيا في أفريقيا الفرنكوفونية وبلوغه الذروة عام 2019 إضافة إلى إتفاق الترسيم البحري بين ليبيا وتركيا الذي سمح للأخيرة بالتنقيب في شرق المتوسط جعل الصراع يبلغ مستويات عالية التوتر. ماذا عن لبنان؟

في أول زيارة له إلى بيروت في 23 تموز/ يوليو 2020، عشية إنفجار مرفأ العاصمة اللبنانية، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عددًا من الناشطين إلى مائدة عشاء في دارة سفير فرنسا في قصر الصنوبر، وكان الطبق الرئيسي على المائدة، النفوذ التركي في لبنان عمومًا وشماله خصوصًا. إستغرب الحاضرون العنوان المطروح، لا سيما أن أغلبهم يلمّون بمعطيات الأرض والناس، ويعلمون أن النفوذ التركي في لبنان، إذا ما إنوجد، فإنه أقل بما لا يقاس من النفوذ الفرنسي المرتكز إلى شبكة مدارس ومعاهد وجامعات ومستشفيات وسياحة وتجارة وصناعة ومصالح كثيرة. ومع الوقت، صار الحديث الفرنسي يصبح أكثر إرتفاعًا عن ملف النفوذ التركي لبنانيًا.

في هذا السياق، يقول أحد كبار رجال الأمن ممن أثبتوا دهاء في المرحلة الماضية أن نفوذ أية دولة، يرتبط بالدرجة الأولى بحضور جهاز مخابراتها في السفارة، وبمن تستطيع تجنيدهم محليًا لجمع المعلومات ومسح المناطق. بهذا المعنى، يضيف الأمني نفسه، “الحضور الأمني في السفارة التركية متواضع إضافة إلى إفتقادها لجهاز بشري يتابع الصحافة المحلية والكتّاب ووسائل التواصل والمنصات في لبنان، ما يجعلنا – والقول أيضاً لرجل الأمن – نشكّك في رغبة تركيا في السعي للحصول على نفوذ في لبنان من دون إغفال رغبتها بالحصول على موطئ قدم”.

هذا الكلام يطابق ما يشرحه الديبلوماسيون الأتراك لضيوفهم اللبنانيين، فهم يؤكدون أنهم لا يطمحون بالدخول إلى لبنان إلا من باب العلاقة بين دولة ودولة أولًا والتجارة والمساعدات المنضبطة ثانيًا ومتابعة أوضاع اللبنانيين من أصول تركمانية أو من الذين منحوا الجنسية التركية نفسها، وهو ما بدأ الإهتمام به منذ زيارة رجب طيب اردوغان الى بيروت عام 2010 وتفقده قرية الكواشرة في عكار ثالثًا.

لا يخفي الأتراك إهتمامهم بالترسيم البحري للبنان مع كل من إسرائيل وقبرص وسوريا. يشرحون أهمية ووفر وسهولة إعتماد خطوط  نقل النفط والغاز برًا (وهم محقون جدًا بذلك) بدل الخط البحري العميق جدًا من جهة، والعالي الكلفة من جهة ثانية. وللأتراك مصلحة طبعًا بخط بري يعبر لبنان فسوريا وصولًا إلى تركيا التي تشكل عقدة الوصل لتصدير الغاز إلى كل أوروبا، بعكس مصر وقبرص وإسرائيل. ولا يخفي الأتراك إهتمامهم بمرفأ طرابلس إذا ما استطاع التخادم مع مرفأ مرسين لكن هذا الإهتمام يبقى سطحيًا وخجولًا بسبب عدم الإستقرار في لبنان وعدم وضوح الوظيفة الإقتصادية لطرابلس في لبنان الكبير.

جغرافيًا ليس هناك من تماس جغرافي بري بين تركيا ولبنان، لذلك، يعتقد الأتراك أن من يمتلك نفوذًا في سوريا يسهُل عليه إمتلاك النفوذ في لبنان. زدْ على ذلك أن الأتراك لا يرغبون بمنافسة الإيرانيين في لبنان. لديهم العديد من الملفات المتنازع عليها في المنطقة ولا يريدون أوجاع رأس إضافية

لم يعد السوق اللبناني يشكل عنصر إغراء وجذب كبيرين للتجار الأتراك في ضوء الأزمة الإقتصادية اللبنانية الخانقة. على العكس، بات لبنان يسعى خلف السلع التركية الرخيصة الثمن والتي لا يحتاج تسويقها إلى جهد مضاف من جانب التجار الأتراك. جغرافيًا ليس هناك من تماس جغرافي بري بين تركيا ولبنان، لذلك، يعتقد الأتراك أن من يمتلك نفوذًا وحضورًا في سوريا يسهل عليه إمتلاك النفوذ في لبنان. زدْ على ذلك أن الأتراك لا يرغبون بمنافسة الإيرانيين في لبنان. لديهم العديد من الملفات المتنازع عليها في المنطقة ولا يريدون أوجاع رأس إضافية.

مما لا شك فيه، أن الساحة السنية اللبنانية يستهويها خطاب أردوغان. للرجل كاريزما شخصية مرتبطة بخطابه الإسلامي. غياب الحضور والدور العربيين عن لبنان يعطي فسحة شرعية للأتراك، غير أن تقديمات المؤسسات التركية مثل “تيكا” وسواها تبقى متواضعة (ترميم مدارس أو مساجد أو تأمين حصص غذائية إلخ..)، لكن “تيكا”، التي أنجزت نحو 80 مشروعاً تنموياً خلال عقد كامل، تبدأ من بناء مستشفى في صيدا وتنتهي بتأمين سيارات إسعاف وإطفاء في طرابلس وعكار مرورًا بترميم آثار عثمانية إلى جانب 20 مشروعاً قيد الإنجاز، “تيكا” هذه، تبقى الذراع الحصرية تقريبًا للمساعدات التركية للبنان.

هنالك أيضًا المنح التعليمية الجامعية التركية، ومهما بلغت، فإنها تبقى أقل بكثير من أعداد الطلاب الذين يكملون دراساتهم الجامعية المجانية تقريبًا في فرنسا (و بعضهم يحوز على منح للإقامة حتى) إضافة إلى وجود جمعيات لخريجي تركيا أو لذوي الجذور التركية لكنها لا تحظى بدعم إستثنائي من الأتراك، بعكس جمعيات خريجي مدن فرنسا التي يدعمها الفرنسيون منذ عشرات السنين. أما على مستوى التبادل التجاري، فقد إستورد لبنان بحدود المليار دولار من تركيا في العام 2018 وصدّر لتركيا أقل من 130 مليون دولار للعام نفسه، ما يعني وجود خلل كبير في الميزان التجاري بين البلدين.

فرنسا تتقدم على تركيا بالنقاط لبنانيًا وشماليًا. كما أن فرنسا تستطيع التحرك بسهولة وتطوير قاعدتها إذا رغبت بذلك شرط أن تحتاط من أفخاخ بعضها محلي وأغلبها إقليمي ودولي

غير أن إضاءة البعض، وبطريقة غير واقعية، على المساعدات التركية، تصبح مفهومة إذا كانت وظيفتها إستدراج أو إستدعاء دولة الإمارات والسعودية لتقديم مساعدات أو دعم لشخصيات أو جمعيات لبنانية، فضلًا عن رغبة أطراف محلية وإقليمية ودولية في شيطنة تركيا ومن خلفها شيطنة أطراف لبنانية و”تدعيشها” لأسباب تتعلق بكل طرف من هذه الأطراف على حدة.

إقرأ على موقع 180  الدولار مقابل الليرة اللبنانية.. تجريب المجرب لتخريب المخرب!

أما فرنسا، الراسخة في كل مفاصل الحياة الثقافية والتجارية والسياحية والأكاديمية في لبنان، فحضورها أوضح وأصرح وأعمق، حتى في طرابلس والشمال. لدى فرنسا في لبنان ست مدارس فرنسية هي البعثة العلمانية وسبعة مراكز ثقافية، وجالية فرنسية تناهز الثلاثة والعشرين ألفًا، إضافة إلى جالية لبنانية في فرنسا تبلغ 210 آلاف. كما تدعم فرنسا عشرات المدارس الفرنكوفونية ولها حضور طبي وجامعي وثقافي وتدعم عشرات المشاريع الأهلية في طول لبنان وعرضه. أما إقتصاديًا، فقد بلغت قيمة الصادرات الفرنسية إلى لبنان حوالي 748 مليون دولار عام 2018 واحتلت فرنسا الموقع السابع في مرتبة موردي لبنان بعد الصين واليونان وإيطاليا والولايات المتحدة والمانيا وتركيا، كما تقيم زهاء 100 منشأة فرنسية فروعًا لها في لبنان.

كما أن فرنسا، ومنذ نهاية إنتدابها للبنان، واكبت كل المحطات السياسية والأمنية والحوارات الوطنية التي جرت منذ إستقلال لبنان وهي من دعت لعقد مؤتمرات من أجل لبنان من “باريس واحد” وصولًا إلى” سيدر” وما بينهما؛ وكل رؤساء فرنسا ممن تعاقبوا على السلطة زاروا لبنان وتميّزت علاقاتهم بشمولها كل مكونات وأطياف النسيج اللبناني وقلما نجد فريقًا لبنانيًا، سياسيًا أم مدنيًا، ليست له علاقات ود مع فرنسا الرسمية.

لو وضعنا هذه الحصيلة في الميزان، نجد أن فرنسا تتقدم على تركيا بالنقاط لبنانيًا وشماليًا. كما أن فرنسا تستطيع التحرك بسهولة وتطوير قاعدتها إذا رغبت بذلك شرط أن تحتاط من أفخاخ بعضها محلي وأغلبها إقليمي ودولي له علاقة بالنفوذ والإقتصاد والحضور. لذا، وجب البحث عن أسباب غير لبنانية للتصادم الفرنسي ـ التركي في لبنان ولعل أحد أهم الأسباب وأخطرها دخول تركيا إلى أدغال فرنسا الأفريقية، وهو ما سيكون محور الحلقة التالية يوم الإثنين المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
خلدون الشريف

كاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "أحجية" المتوسط.. هل تعطّل اليونان طموحات أردوغان؟