حكومة الكويت تستقيل.. وضغط المعارضة يتصاعد

بعد أقل من شهر على تأديتها القسم الدستوري أمام أمير الكويت، سقطت الحكومة الكويتية، في مؤشر جديد على عمق الأزمة السياسية التي تشهدها هذه الدولة الخليجية التي كانت تتباهى على جاراتها دول الخليج بإرثها الديموقراطي.

 أعلن الناطق باسم الحكومة الكويتية اليوم (الثلاثاء) أن الوزراء قدموا استقالاتهم لرئيس الحكومة الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، ووضعوها تحت تصرفه. وأوردت وكالة الأنباء الكويتية “كونا”، أن إستقالة الحكومة جاءت “في ضوء ما آلت إليه تطورات الأوضاع الراهنة، في العلاقة بين مجلس الأمة والحكومة، وما تقتضيه المصلحة الوطنية”. ومن المتوقع قبول الاستقالة، وتكليف الحكومة بتصريف العاجل من الأمور، إلى حين تشكيل حكومة جديدة.

في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أي بعد اجراء الانتخابات النيابية، أصدر أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، قراراً بإعادة تعيين الشيخ صباح الخالد الصباح رئيساً لمجلس الوزراء، لكن تطورات انتخابات رئاسة مجلس الامة واللجان النيابية دفعت بالمعارضة إلى تقديم استجواب لرئيس الحكومة متهمة إياه بـ”الاستخفاف بالإرادة الشعبية الراغبة بتغيير جذري في النهج، وفك التحالف بين الحكومة ورئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم، وعدم تعيين وزراء تتهمهم المعارضة بأنهم يؤزمون العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”.

وتؤكد المعارضة التي فازت في الانتخابات بأغلبية مقاعد مجلس الامة أن الحكومة “انحازت في رئاسة مجلس الأمة إلى مرزوق الغانم ضد بدر الحميدي مرشح الأغلبية البرلمانية اعتماداً على الدستور الذي يعتبر الوزراء نواباً يحق لهم التصويت في جلسة البرلمان، كما سعت الحكومة بقوة للسيطرة على اللجان البرلمانية الأساسية لقطع الطريق على ممثلي المعارضة، وابقاء مفاصل البرلمان بأيدي الموالين لها”. زاد الطين بلة أن الجلسة الأولى للبرلمان الجديد شهدت أحداث شغب اتهم بافتعالها سباً وقذفاً شقيق رئيس مجلس الأمة (خالد الغانم)، ما دفع بنواب المعارضة الى رفض اعتماد مضبطة (محضر) جلسة انتخاب الرئيس، وطلب لجنة تحقيق مع إحالة خالد الغانم الى النيابة العامة.

ما هي السيناريوهات المطروحة الآن؟

أولاً، إعادة تكليف الشيخ صباح الخالد برئاسة حكومة جديدة تخلو من وزراء تتهمهم المعارضة بالفساد وضرب الوحدة الوطنية مثل نائب رئيس الحكومة ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء أنس الصالح، ووزير العدل نواف الياسين، لعل ذلك يخفف من حدة الصدام الحاصل ويعطي المعارضة “نصراً ما”. لكن الأخيرة مصرة على عدم اعتماد مضبطة (محضر) انتخاب رئيس مجلس الأمة، وتطالب بانتخابات جديدة لرئاسة البرلمان، على أن تقف فيها الحكومة على الحياد. يذكر أن المعارضة رشحت بدر الحميدي الذي حصل على أصوات نيابية أكثر من مرزوق الغانم الذي فاز بأصوات أقلية من النواب ومعظم الوزراء، برئاسة مجلس الأمة.

ثانياً، تكليف شخص آخر من الأسرة الحاكمة برئاسة الحكومة الجديدة، ويرجح ان يكون النائب الحالي لرئيس الحكومة المستقيلة ووزير الدفاع الشيخ حمد جابر العلي الصباح، لعل هذا التعديل يرضي المعارضة، ويبقى بالتالي مرزوق الغانم رئيسا للبرلمان أو يعاد انتخابه مع اعلان اعطاء الوزراء حرية اختيار من يريدون سواء أكان الغانم أو من ترشحه المعارضة بوجهه.

تبقى صورة تجربة الكويت الديموقراطية محل تندر خليجي خصوصاً وأنها تأتي في الترتيب الأخير على صعيد دول مجلس التعاون في مؤشرات التنمية والتعليم وتطور البنية التحتية، لا بل هي متأخرة في محاربة الفساد برغم وجود برلمان فيها

ثالثاً، اعتماد أي سيناريو حكومي آخر يرضي المعارضة مع اصرار فريق في الأسرة الحاكمة على بقاء مرزوق الغانم رئيساً لمجلس الأمة، لأنه يتلقى ضربات نيابة عن الأسرة، ويأخذ في صدره مواجهة المعارضة، كما فعل منذ 2013 حتى تاريخه، لكن بعص النواب الصقور كشفوا ذلك التكتيك، وباتوا يهددون باستجوابات متلاحقة تطال رئيس الحكومة وكل وزارة على رأسها شيخ من آل الصباح إمعاناً في إحراج السلطة غير الراغبة في فك التحالف مع الغانم ومن ورائه طبقة التجار النافذة في الكويت.

رابعاً، القبول بمطلب فك التحالف مع مرزوق الغانم، والدفع باتجاه إعادة جلسة انتخاب رئاسة البرلمان، لكن ذلك التحول النوعي يشكل إنكساراً لحلف تاريخي مع التجار الحضر ومنح القبائل والمعارضة الاسلامية والشعبية سلطات تقريرية تخيف السلطة والتجار معاً، وتقلب الكثير من التوازنات والمعادلات التاريخية التي حكمت الكويت منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا.

خامساً، عودة صباح الخالد رئيساً لمجلس الوزراء، والضغط للمصادقة على مضبطة انتخاب مرزوق الغانم، وعدم الانصياع لفتح تحقيق بالسب والشتم والشغب الذي قام به شقيق مرزوق خلال الجلسة الأولى، مع إدراك السلطة أن ذلك يمنح المعارضة فرصة التأزيم أكثر، وبالتالي الوصول إلى خيار حل البرلمان والدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة، في موازاة حملة يقودها مرزوق الغانم لوضع اللوم على المعارضة واتهامها “بوضع العصي في دواليب تقدم الكويت ودفع شريحة من الناخبين للكفر بالديموقراطية العبثية”، على حد تعبير رئيس تحرير صحيفة كويتية موالية للغانم.

إقرأ على موقع 180  كامالا هاريس.. الثالثة ثابتة!

ختاماً، لم تعد الكويت كما السابق في جزيرة خليجية شبه معزولة، تجري فيها انتخابات وتشكل برلمانات كر وفر مع السلطة وسط محيط خليجي لا انتخابات فيه ولا معارضة. فالضغوط تتصاعد حتى لا يحقق المعارضون لآل الصباح أي مكسب. خلاف ذلك، تبقى صورة تجربة الكويت الديموقراطية محل تندر خليجي خصوصاً وأنها تأتي في الترتيب الأخير على صعيد دول مجلس التعاون في مؤشرات التنمية والتعليم وتطور البنية التحتية، لا بل هي متأخرة في محاربة الفساد برغم وجود برلمان فيها. ففي التقرير الصادر عن منظمة الشفافية العالمية أتت الكويت في العام 2020 في المرتبة 85 دولياً وفي المرتبة الاخيرة خليجياً والتاسعة عربياً من حيث خطورة تفشي الفساد فيها، لكن ذلك الاتهام المبطن للتجربة الديموقراطية لا يثني المعارضة عن زيادة شراسة توجهاتها، لأنها تعتبر الفساد نتاج حلف سلطوي حكومي مع نافذين يتمسك به “التجار” على وجه التحديد لأنه يحقق لهم المكاسب على حساب بقية الشعب منذ تأسيس الكويت الى اليوم.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  نعم، نُهاجر ولا نلتفت إلى الوراء