نصرالله وديفيد هيل: الإستقرار، الحريري، الستاتيكو!

لا مبادرة فرنسية أو أميركية مكتملة في لبنان. ثمة عناوين طرحها الفرنسيون، غداة كارثة إنفجار مرفأ بيروت، أعطتها زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون زخماً حقيقياً. لاحقاً، وتحديداً بعد زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل إلى بيروت، تبين أن الأفكار الفرنسية تحتاج إلى المزيد من البلورة، داخلياً وخارجياً.

أبرز التهافت الإقليمي والدولي على لبنان، سياسياً وإنسانياً، وهو الأول من نوعه منذ عقد من الزمن تقريباً، أن الإنهيار اللبناني الكبير، بأبعاده الإقتصادية والمالية والسياسية والأمنية ليس مطروحاً على جدول أي كان من القوى الإقليمية والدولية الوازنة الحضور في الساحة اللبنانية.

بناء عليه، تراجع منسوب القلق عند أغلبية الفرقاء الداخليين، لكن ذلك لا يرقي إلى حدود الإطمئنان، لا سيما وأن بعض العواصم وتحديداً واشنطن لم تعدّل قواعد تعاملها مع الساحة اللبنانية. الدليل الأوضح على ذلك هو ما رافق وأعقب زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل إلى بيروت. لا تقاطعات فرنسية ـ أميركية في مقاربة الشأن السياسي اللبناني وتحديداً الحكومي منه. صحيح أن ماكرون لم يتحرك نحو لبنان إلا بموافقة الأميركيين لكن لا دول الإتحاد الأوروبي ولا واشنطن كانت قد وضعت تصوراً محدداً للتعامل مع الأزمة التي نشأت في أعقاب إنفجار بيروت.

ليس ذلك وحسب. بإستثناء القاهرة التي تبدي إهتماماً إستثنائياً بالوضع اللبناني في هذه المرحلة، لا حماسة سياسية عربية لمبادرة من اي نوع كانت. السعوديون الذين جرّبوا الدخول على خط “الأزمة الإنسانية”، حاذروا الإقتراب من الملف السياسي، وهم قالوها بالفم الملآن: طالما أن حزب الله هو الحاكم الفعلي للبنان، كل ما تقوم به واشنطن أو باريس أو سواهما هو مضيعة وقت. لن نتدخل ولن نغطي أحداً.. مهما كانت النتائج!

ما هي حصيلة زيارة ديفيد هيل إلى بيروت:

أولاً، شدد الدبلوماسي الأميركي على أن واشنطن تدعم حكومة لبنانية ذات تمثيل شعبي تستجيب للتغيير الحقيقي (الإصلاحات) وتعبر عن إرادة الناس. عبارات فضفاضة حمالة أوجه لا تلزم الأميركيين بشيء عملياً، وذلك بخلاف كل ما قيل عن تسميتهم نواف سلام لرئاسة الحكومة. مواصفات الحكومة المطلوبة أميركياً أسقطوها أيضاً على رئيسها الذي يجب أن يتمتع بتمثيل ويستجيب لمتطلبات التغيير. مقولة تنطبق على كثيرين، وأولهم سعد الحريري الذي فهم أن واشنطن لا تضع أي “فيتو” على إعادة تسميته رئيساً للحكومة، لكن بشرط عدم تجديد التجربتين الوزاريتين اللتين أعقبتا التسوية الرئاسية.

المفاجأة تمثلت بموقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي طالب بحكومة حيادية وبرئيس حكومة حيادي جديد (من خارج النادي التقليدي)، قبل أن يبادر إلى تسمية نواف سلام لهذا المنصب، قائلاً إنه لا يمكن أن يشارك بحكومة برئاسة الحريري

بإختصار، يريد الأميركيون توليفة حكومية شبيهة بتلك التي ينادي بها أيضاً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، أي سياسية ـ تكنوقراطية، لكن من وجهة نظر الأميركيين، يجب أن لا يتمثل فيها حزب الله نهائياً بشكل مباشر، ويسري ذلك على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أي ممنوع العودة إلى المعادلة الحكومية ـ الرئاسية السابقة التي كرّست إنتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية وعودة سعد الحريري رئيساً للحكومة.

ثانياً، إجتمع ديفيد هيل بمعظم القوى والمكونات اللبنانية بما في ذلك مجموعات كبيرة من الحراك. قرر أن يستثني جبران باسيل من برنامج إجتماعاته، وذلك على غير جاري عادة كل الموفدين الأميركيين الآتين إلى لبنان، منذ سنوات. كل محاولات عقد اللقاء باءت بالفشل، حتى أن الكلام السياسي الأميركي لم يصدر من بعبدا بعد إجتماع هيل بالرئيس اللبناني ميشال عون، بل من بكركي ومنابر مسيحية أخرى، وبالتالي، هذه أوضح رسالة أميركية إلى باسيل، تزامنت مع ما سربته “وول ستريت جورنال” عن لائحة عقوبات أميركية جديدة ستطال حلفاء مسيحيين لحزب الله. هذا المناخ جعل باسيل يوجه رسالة رئاسية بالغة الدلالة إلى حزب الله بقوله إنه مستعد لتحمل أي ثمن ومهما كانت الكلفة عالية مقابل عدم المس بوحدة لبنان وسلمه الأهلي ومقابل عدم الطعن بأي مكون لبناني.

ثالثاً، كان لافتاً للإنتباه أن ديفيد هيل لم يطرح أية اسماء بل حدد مواصفات لرئيس الحكومة تنطبق بمعظمها على الحريري، غير أن المفاجأة تمثلت بموقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي طالب بحكومة حيادية وبرئيس حكومة حيادي (من خارج النادي التقليدي)، قبل أن يبادر إلى تسمية نواف سلام لهذا المنصب، قائلاً إنه لا يمكن أن يشارك بحكومة برئاسة الحريري تعيد إستنتساخ تجربة الحكومات السابقة. يسري الأمر نفسه على رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي لم يبد حماسة أيضا لإعادة تكرار تجربة الحريري، وسائلاً في الوقت نفسه عن الموقف من تسمية نواف سلام، على حد تعبير بعض المتابعين.

رابعاً، يدرك الأميركيون أن معادلة “الكاظمي اللبناني” لا تنطبق على نواف سلام. لذلك، لن يذهبوا بعيداً في محاولة تسويق إسمه، خصوصاً وأنهم يدركون حساسية موقف حزب الله والإيرانيين من ترشيحه. فقد قال قيادي كبير في حزب الله إنه لو طبقت نظرية سايمور هيرش في تموز/ يوليو 2006، أي هزيمة الحزب ونقل مقاتليه وقيادته بالسفن إلى خارج لبنان (جنوب العراق مثلاً)، على شاكلة منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1982، “يمكن عندها أن يأتي نواف سلام رئيساً للحكومة”!

خامساً، مثلما كان الحريري مستمعاً لديفيد هيل، إلا أن الأمر المحسوم من جانبه أنه لن يزكي أو يغطي حالياً أي إسم لرئاسة الحكومة. أي أنه لن يكرر تجربة الخريف الماضي (تسمية محمد الصفدي، بهيج طبارة، سمير الخطيب وأخيراً حسان دياب). صحيح أن الحريري يتهيب العودة إلى رئاسة الحكومة ولكنه يتمناها لكن بشروط سياسية مريحة صار الجميع يعرفها. هو يفضل تغطية سعودية لعودته لكن إذا لم تتوفر ـ وهي لن تتوفر ـ فلتكن تغطية أميركية كاملة مع إلتزامات بدعم دولي واضح وببرنامج مساعدات مفتاحه صندوق النقد الدولي. أية عودة من دون الضمانة الأميركية وضمانة المساعدات ولو أنه مشروطة بالإصلاحات، تعتبر إنتحاراً سياسياً بالنسبة إلى سعد الحريري.

سادساً، المفارقة اللافتة للإنتباه أن رئيس الجمهورية وجبران باسيل هما الأكثر تحفظاً إزاء عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، ويردد باسيل أمام ضيوفه أنه لا يرغب هو شخصياً بالمشاركة في أية حكومة بل يريد أن يتفرغ كلياً لأمور التيار الحر، أما مشاركة التيار الحر، فستكون مشروطة بأمور عديدة، بينها الحقائب التي يريد الحفاظ عليها، وهي مسألة ستكون بالغة التعقيد، خصوصاً في ظل ما يردده الفرنسيون بأنهم سيشترطون تسمية أصحاب الكفاءات في وزارات محددة.

حزب الله لن يكون جزءاً من إشتباك سياسي بعنوان وجوب التمثيل بوجوه حزبية. ما كان ينطبق على حكومة حسان دياب يمكن أن يتكرر مع أية حكومة جديدة سواء أكانت برئاسة الحريري أو أية شخصية مقبولة من حزب الله والأميركيين

سابعاً، كانت “ملائكة حزب الله” موجودة في معظم لقاءات ديفيد هيل، وثمة نقاط تقاطع وإختلاف بين الجانبين يمكن إدراجها على الشكل الآتي:

1- يتفق حزب الله والأميركيون على حماية إستقرار لبنان، وهذه نقطة بالغة الإيجابية وتؤكد أن الطرفين ليسا مستعدين للتفريط بمظلة الإستقرار الحامية للبنان دولياً وإقليمياً ومحلياً. طبعاً، لكل منهما أسبابه، وليست بالضرورة محلية. فالحزب المنخرط في المشهد الإقليمي، ولا سيما من البوابة السورية، لا يريد ما يعكر صفو جبهته الداخلية. أما الأميركيون، فهم يجاهرون بحرصهم على إستقرار لبنان وأمنه، ولو أنهم يستبطنون موقف تل أبيب التي تريد مواصلة الضغط على حزب الله ولكن من دون أن ينفجر لبنان أو ينكسر، لأن تداعيات ذلك ستشكل خطراً على أمن إسرائيل.

2- منذ الآن وحتى موعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لا مصلحة لكل الأطراف الدولية والإقليمية، ومنها حزب الله، بإحداث تغيير دراماتيكي في المشهد الإقليمي. المطلوب الحفاظ على “الستاتيكو” اللبناني وتمرير الوقت حتى موعد الإنتخابات الأميركية. حزب الله أبلغ من يعنيهم الأمر أنه لا حكومة تكنوقراط أو محايدة ولا إنتخابات نيابية مبكرة ولا حكومة برئاسة نواف سلام. هل هذه اللاءات قابلة للتفاوض؟

3- يقود ذلك إلى إستنتاج مفاده أن حزب الله لن يكون جزءاً من إشتباك سياسي بعنوان وجوب التمثيل بوجوه حزبية. ما كان ينطبق على حكومة حسان دياب يمكن أن يتكرر مع أية حكومة جديدة سواء أكانت برئاسة الحريري أو أية شخصية مقبولة من حزب الله والأميركيين، وهذه النقطة تعامل معها ديفيد هيل كأنها بمثابة “تحصيل حاصل”، مع تسجيل حماسة دوائر أميركية لعودة الحريري لكن بشروط جديدة، أهمها الإلتزام بالإصلاحات.

4- إذا كان حزب الله يدرك أن لا تعديل في برنامج “الضغوط القصوى” ضده وضد سوريا وإيران من الآن وحتى موعد الإنتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وبالتالي سستستمر العقوبات الأميركية، وهذا الأمر شدد عليه هيل، فإن فريقاً أميركياً وإيرانياً وازناً يتحدث عن حتمية التوصل إلى تفاهم أميركي ـ إيراني جديد، سواء فاز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية أم فاز الديموقراطيون (جو بايدن). هذا المناخ عبّر عنه اليوم (الأحد) رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بدعوته جميع الأطراف إلى التعامل بجدية مع فرضية الإتفاق الحتمية بعد الإنتخابات الأميركية مباشرة.

في هذا السياق، يمكن القول أيضاً أن الإمارات، ومن بعدها السعودية، لم تكن لتقدم على توقيع إتفاق سلام مع إسرائيل إلا إستناداً على معطى من هذا النوع. لذلك، قررت ابو ظبي إمتلاك كل منظومات التفوق العسكري، وهذه كان شرطها الوحيد ممر التطبيع مع تل أبيب. لذلك، سنرى كيف ستتهافت صفقات السلاح على خط واشنطن ـ أبو ظبي في المرحلة المقبلة، بعنوان توفير مظلة الحماية الإستراتيجية.. في ضوء إرتفاع حظوظ التفاهم بين واشنطن وطهران.

5- قرر حزب الله تفويض رئيس مجلس النواب نبيه بري مقاربة ملف الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل. هذا التفويض، وعدا عن إستناده إلى ثقة متبادلة بين الجانبين، فإنه يضع حداً لأية محاولة من باسيل أو دوائر القصر الجمهوري لإعادة تموضعه في بعبدا سواء بعنوان صلاحيات رئيس الجمهورية أو إعادة الترسيم وفق قواعد وخرائط وإحداثيات جديدة أو جعله مادة رئاسية بيد جبران باسيل. لا خرق في موضوع الترسيم البحري. هذا الملف سيكون على طاولة البحث مع الدبلوماسي الأميركي ديفيد شينكر الآتي إلى لبنان في نهاية هذا الشهر. الخرق الوحيد الذي يمكن أن يتحقق يتعلق بآلية التفاوض اللبناني الأميركي الإسرائيلي، بإشراف الأمم المتحدة، وهذه المسألة سيكون التعامل اللبناني إيجابياً معها، وتحديداً من زاوية الرئيس نبيه بري.

هذا العرض البانورامي يقود إلى الإستنتاجات الآتية:

– لن يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون إلى تحديد موعد قريب للإستشارات النيابية الملزمة، طالما لم تتضح هوية رئيس الحكومة المكلف.

– للمرة الأولى منذ العام 2010، تصبح تسمية رئيس حكومة لبنان، مهمة دولية وإقليمية تتعدى الحدود اللبنانية، ولكنها ستكون محكومة في النهاية بالقدرة على تسويق الإسم لبنانياً. وحتى الآن، يبقى سعد الحريري هو الأوفر حظاً.

– من المتوقع أن تستمر حكومة حسان دياب بتصريف الأعمال من الآن وحتى ولادة الحكومة الجديدة، وهذا المسار قد يستمر، على الأقل، حتى موعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

– من الآن وحتى ولادة الحكومة الجديدة، ثمة إستحقاقات ستعطي مؤشرات حول إتجاهات محلية وإقليمية ودولية وأبرزها صدور الحكم النهائي في قضية إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الثلاثاء المقبل ومن بعدها إستحقاق التجديد لقوات الطوارىء الدولية (اليونيفيل) في 28 آب/أغسطس المقبل.

 

حسين أيوب

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course