ربيع تونس العاشر: عن حاكمٍ كره الغرب سقوطه

ها هو "الربيع العربي" يطوي عيده العاشر. الشرارة بدأت من تونس. بلد البوعزيزي وبلد الحاكم الذي كره الغرب سقوطه.

تفيد إحدى “النكات” المنقولة عن مقربين من الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي أنه كان مرة يصطاد الطيور رفقة الرئيسين الفرنسي والأمريكي، وأن كلاً منهما أصاب طريدته بخلاف بن علي الذي أخطأ الهدف ومن ثم التفت ليرى رد فعل المحيطين به فإذا بأحد المنافقين يقول “شكراً سيدي لعفوك عن هذا الطائر المسكين، فقد علمت بقوة فراستك أنه أنثى ترعى صغارها وأبى حِسّكَ البيئي الرفيع أن تقتلها”.

وبعيداً عن روح الدعابة، فقد بادر مقربون من قصر قرطاج إلى تأليف كتب عن بن علي ذكروا فيها أوصافه “الأفلاطونية” و”الخلدونية” و”الكانطية”، ما يذكر بالمنهج الستاليني في عبادة الشخصية بيد أن هذه الأوصاف لم تزد بن علي مناعة في “وقت الحشرة” بل كانت من بين الأسلحة التي استخدمت لتهشيم صورته .

ومع ذلك، لم يكن النظام التونسي معرضاً للسقوط أكثر من غيره من أنظمة العالم العربي. فقد كان مضموناً من الدول الغربية ومحمياً من إنتقادات وسائل إعلامها “لأنه يشكّل جداراً عازلاً للأصوليين”، ولأنه حوّل بلاده إلى منتجع جذاب لغربيين يبحثون عن تمضية عطل نهاية الأسبوع، وتمكّن من جذب العديد من الشركات العالمية للعمل في بلاده بشروط ميسرة وأدت سياسته الاقتصادية إلى خلق طبقة وسطى مهمة وإلى انتشار واسع للتعليم وإلى مكاسب مهمة للمرأة فضلاً عن شراكته الواسعة في الحملة الدولية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب.. الخ.

وتفيد ردود الفعل الإسرائيلية الممتعضة لسقوط بن علي أنه كان من بين أفضل الأنظمة العربية تعاوناً مع الصهاينة خلف الستار، وهذا ما تعكسه أيضاً الأصوات اليهودية المحبطة داخل تونس وخارجها، ناهيك عن ردود الفعل السلبية غير المسبوقة التي صدرت في فرنسا والتي توحي وكأن سقوط بن علي هو ضربة موجهة لمحافظ “فرنسي” خلف البحار.

والراجح أن سياسة الحماية الغربية المطلقة للرئيس التونسي السابق، وبالتالي حجب الانتهاكات التي كانت تحدث في بلاده عن الأضواء، لم تساعد في تدعيم أركان حكمه، بل رُبما ألحقت ضرراً فادحاً به لم يتمكن من الوقوف على حجمه إلا بعد فوات الأوان.

عندما انقلب بن علي على بورقيبة، وعَدَ مواطنيه بما كانوا يفتقرون إليه في العهد السابق، أي الديموقراطية والبحبوحة الإقتصادية، فكان أن أهمل شرعية إنقلابه وإستمد حمايته من الغرب الذي ما عاد كلي القدرة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً

وهنا نشير إلى واحد من الأمثلة السيئة التي ساهمت إلى حد كبير في تعاظم الإحتقان الداخلي في هذا البلد الذي إرتكبت فيه العائلة الحاكمة إنتهاكات مروّعة من ضمنها قضية ثانوية “باستور” المعروفة باستقبال أبناء البرجوازية التونسية، والتي يديرها منذ أكثر من أربعين عاماً الزوجان بوعبداللي. وتفيد مرويات هذه القضية أنه في العام 2007، سقطت في إمتحان الثانوية إبنة محامٍ هو وكيل السيدة ليلى طرابلسي زوجة الرئيس بن علي، فاستدعي السيد محمد بوعبداللي إلى وزارة التربية، وطُلِبَ منه تسجيل الفتاة تحت طائلة إغلاق الثانوية، بيد أن الرجل المحترم في تونس بأسرها رفض الرضوخ لهذا الإبتزاز، فما كان من زوجة الرئيس إلا أن أقفلت الثانوية وإفتتحت هي نفسها ثانوية خاصة باسم ثانوية قرطاج. حاول السيد بوعبداللي الدفاع عن نفسه وإتصل بالسفارة الفرنسية لكن أحداً لم يصغ إليه وأُسدل الستار على ثانويته.

ما من شك أن هذا النوع من الإستبداد الذي يذكر بـ”العهد المملوكي” في عصر مختلف وظروف مختلفة وثقافة مختلفة كان موضع تداول يومي في الشارع التونسي، وبما أنه كان يشمل الطبقة البرجوازية، كما في مثال ثانوية باستور، والطبقة الوسطى في أمثلة أخرى، والفئات الدنيا من المجتمع، كما في حال البوعزيزي، وبما أن النظام قد خلّف خلال الأعوام العشرين الماضية كماً هائلاً من الضحايا المعارضين من كل التيارات السياسية، فقد استطاع هؤلاء مع أوساطهم في الداخل أن يراكموا الإحتقان والتعبئة الصامتة ضد النظام إلى أن طرأت الأزمة الإقتصادية العالمية التي أدت إلى تحطيم الواجهة الإقتصادية التونسية البلورية، وكشفت في زمن قصير عن حالة الإختناق الإقتصادي التي تعاني منها تونس، معطوفة على إختناق في مجال الحريات لشعب يضم من الجامعيين أكثر من المغرب والجزائر وموريتانيا معاً، ناهيك عن إنخفاض أسعار الفوسفات (تونس هي ثاني أكبر مصدر لهذه المادة). كل ذلك تم في وقت انعدمت فيه أدوار النظم العربية وطردت منه السيدة سهى ياسر عرفات وانتزعت منها الجنسية التونسية. في هذا الوقت، أحرق البوعزيزي نفسه، فكان بمثابة الصاعق الذي أطاح خلال أسابيع بنظام كان جميع حماته يعتقدون انه باقٍ إلى أجل غير مسمى.

كان الرئيس السابق الحبيب بورقيبة يروّج في سيرته الذاتية أساطير تقليدية تقول إحداها بالعامية التونسية “يخرج من المونستير (مسقط رأسه) دنفير الناس فيه تحير”، وكان الشعب يتفاعل مع هذا النوع من الأقوال المرتبطة بصورة “المجاهد الأكبر” الذي كان يتمتع بشرعية تاريخية ناجمة عن كونه بطل الإستقلال التونسي. وعندما انقلب بن علي على بورقيبة، وعَدَ مواطنيه بما كانوا يفتقرون إليه في العهد السابق، أي الديموقراطية والبحبوحة الإقتصادية، فكان أن أهمل شرعية إنقلابه وإستمد حمايته من الغرب الذي ما عاد كلي القدرة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وما عاد بوسعه أن يرمي طوق النجاة لحاكم يردد شعبه كل صباح “إذا الشعب يوماً أراد الحياة… فلا بد أن يستجيب القدر”.

إقرأ على موقع 180  تشاهد السقوط.. وتأكل "الفوشار"!

(*) كُتب هذا المقال عن بن علي في مثل هذا اليوم بعيد سقوطه

Print Friendly, PDF & Email
فيصل جلول

باحث وكاتب لبناني مقيم في فرنسا

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  لبنان.. في قبضة آل كابوني!