روسيا فجّرت ربيع مصر 2011 بالقمح.. هل ينفجر مجدداً؟

إنه موعد الذكرى السنوية العاشرة للربيع العربي. سلسلة من الثورات جعلت المنطقة أقل أماناً. الحروب في سوريا وليبيا واليمن. صعود "داعش". الهجرة. ذلك وغيره إرتبط بأحداث العام 2011. الآن هناك امكانية لتكرار ما حدث مجدداً، وهذا الأمر ليس مرتبطاً بمكائد وكالة الاستخبارات المركزية، وإنما بالقمح الروسي. كيف؟

الصورة الرومانسية للثورة التونسية – الأولى على قائمة الربيع العربي – قامت بشكل ثابت على قصة محمد البوعزيزي، بائع الخضار في مدينة سيدي بوزيد، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على الحكم التعسفي للسلطات. كان البوعزيزي يبيع الفاكهة من دون ترخيص، وتم تغريمه ومصادرة ميزانه الإلكتروني. أعقب ذلك شجار، انتهى بقلب عربته، وصفعة على خده من قبل شرطية، ومن ثم شكوى دون جواب إلى مكتب رئيس البلدية. أخيراً انتحر البوعزيزي وخرج الآلاف في مسيرات مؤيدة له. بعد أقل من شهر، فرّ الرئيس زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس بقبضة من حديد لما يقرب من ربع قرن، من البلاد.

يُعتقد أن نجاح التونسيين ألهم سكان حوالي عشرين دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا. في بعض البلدان، تم قمع الاحتجاجات، وفي بلدان أخرى، اشترت السلطات الثوار بالإصلاحات، وفي بعضها الآخر، أدت الاحتجاجات إلى سقوط النظام الحاكم و/ أو اندلاع الحرب. في ليبيا واليمن وسوريا، لا تزال الحروب مستمرة.

بطريقة أو بأخرى، أثّر “الربيع العربي” أيضاً على النظام العالمي. إرتبط به صعود “داعش”؛ أزمة الهجرة في أوروبا، وسلسلة كاملة من الهجمات الإرهابية الوحشية. لكن الرواد هم دوماً محظوظون – لقد أصبحت تونس الدولة الوحيدة التي جلبت فيها الإطاحة بالسلطات في العام 2011 إيجابيات أكثر من السلبيات: مات حوالي 200 شخص، ولكن بعيداً عن نموذج فساد بن علي، تحولت الدولة إلى الديمقراطية، من دون أحزان.

هذه الصورة المُبهجة بأكملها أفسدتها، ربما، حقيقة واحدة قلة من الناس في الغرب اهتمت بها في العام 2011، ويستحيل الآن عدم التنبه إليها، إذا كنت، بالطبع، تدعم ما يسمى بالموجة الثالثة من النسوية: الإهانة التي دفعت البوعزيزي إلى الانتحار لم تلحق به من قبل مسؤول فحسب، بل من قبل مسؤولة – وهو أمر فظيع بالنسبة لعربي متدين. بعبارة أخرى، لم يكن بائع الخضار قادراً على المطالبة بوضع “المحارب التقدمي” لأنه لا ينتسب الى عصر المساواة بين الجنسين.

لكن جذر المشكلة التي غمرت العالم العربي بالدماء، ثم تناثرت قليلاً، لا تُختزل بنزاع بين بائع خضار وشرطي. لم تكن المتطلبات الأساسية للثورات سعي الشعوب العربية للديمقراطية، كما تم تصوير الأمر في الغرب، وإنما الاكتظاظ السكاني والتوسع الحضري المتسارع والبطالة. وإذا كانت نواة الاحتجاجات في تونس ضد بن علي قد تشكلت من قبل شباب متعلم، لكن مهمش، ففي مصر، حيث حل الثوار في المرتبة الثانية للنجاح، كان التمرد على خلفية الفقر أكثر وضوحاً، لا سيما في بلد يعاني شعبه من نقص التغذية.

بطبيعة الحال انضمت السياسات الكبرى إلى العملية الثورية، وأصبح الرأي القائل بأن “الربيع العربي” بأكمله، إلى حد ما، مستوحى من وكالة الاستخبارات المركزية (الأميركية) من أجل تغيير سلطات أكثر ولاءً للولايات المتحدة، راسخاً في الدعاية الروسية. 

لا يمكن إنكار المشاركة النشطة للولايات المتحدة في أحداث أخرى (على سبيل المثال ليبيا وسوريا). لكن الحقيقة هي أن العديد من الحكام، سواء الناجين وغير الناجين من الاحتجاجات الربيعية، كانوا متموضعين بالفعل في واشنطن، وبينهم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

باعتبارها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان، والأكثر أهمية وتأثيراً في المنطقة  (ربما باستثناء السعودية)، حاولت مصر اتباع خطها الخاص، لكنها ظلت عموماً في الفلك الاميركي. 

من الواضح أن استبدال حسني مبارك برئيس من جماعة “الإخوان المسلمين” (محمد مرسي) لم يكن هو ما أرادوه في واشنطن، لذلك كان يُنظر إلى الثورة المضادة اللاحقة بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي في الولايات المتحدة برضى تام، على الرغم من أن النظام الحالي لا يشبه الديمقراطية بأي شكل من الأشكال، وهو بالنسبة للكثيرين، نسخة محدّثة من نظام مبارك.

الآن يمكننا أن نؤكد بثقة أن الثورة المصرية – الأكثر طموحاً وأهمية في إطار “الربيع العربي” – لم تكن بسبب أفعال أميركا، بل بسبب السياسة التجارية لروسيا. لقد ساهمنا في الأزمة الاجتماعية في وادي النيل ليس عن طريق الصدفة، بل أكثر من غير قصد، ولكن بسبب ظروف قاهرة.

اتضح أن صيف العام 2010 في روسيا الاتحادية كان صعباً – سجلات درجات الحرارة، حرائق الغابات، اختناق المدن بالضباب الدخاني، الجفاف، وفشل المحاصيل. 

لتجنب ارتفاع كبير في أسعار الخبز، فرضت الحكومة الروسية حظراً على صادرات القمح، ما وضع مصر في ظروف صعبة.

من الدروس المدرسية حول الحضارات القديمة، يعلم الجميع تقريباً أن وادي النيل قد أطعم المصريين منذ آلاف السنين، وقد وفر الطمي من النهر الفائض خصوبة الأرض. هكذا كانت الحال من قبل، ولكن مصر نمت سكانياً بشكل كبير لدرجة أنها اضطرت لشراء الحبوب من الخارج، وفي الغالب من روسيا. 

في العامين 2010-2011، حُرمت مصر من هذه الفرصة.

الارتفاع الحاد في سعر الخبز – أساس التغذية لملايين المصريين – لا يمكن إلا أن يتسبب في انفجار اجتماعي. 

تلك الازمة لا يزال الكوكب يعاني من عواقبها، وفي أفق التوقعات تلوح بالفعل أزمة جديدة، وأسبابها متشابهة، برغم اختلاف الظروف. كان حصاد العام 2020 في روسيا لائقاً تماماً، لكن ذلك لا ينطبق على بلدان أخرى مصدرة للقمح. نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الحبوب العالمية. من أجل التحوط من التصدير المفرط للقمح إلى الخارج وارتفاع الأسعار داخل البلاد، فرضت الحكومة الروسية رسوم تصدير قدرها 25 يورو للطن الواحد وتدرس الآن مضاعفتها.

بالأمس، وردت أنباء مفادها أن السلطات المصرية ألغت المناقصة الشهرية التالية لإمدادات الحبوب، فهي باهظة الثمن والوكالة الزراعية الحكومية ببساطة لا تملك مثل هذه الأموال الآن. إذا لم يتم العثور على حل، فإن الوضع قابل للتحول إلى أزمة، لأنه في عدد من المواقف، أصبحت مصر الآن أسوأ مما كانت عليه في عام 2011، ففي البلدان التي تعد فيها السياحة أحد القطاعات الرئيسية، فإن فيروس كورونا لا يرحم اطلاقاً.

إما أن يكون العالم قادراً على إطعام الشرق الأوسط المضطرب، وإما سيواجه ثورات جديدة ونزاعات مسلحة وأزمات هجرة وحروب إرهابية

حتى لو أمكن تفادي الانفجار الاجتماعي، فلن يتم إلغاؤه بل تأجيله. في غضون 20 عاماً فقط – بين العامين 2000 و2020 – زاد عدد سكان مصر بمقدار الثلث، وتجاوز 100 مليون شخص. يعتقد المتفائلون أن هذا الرقم سيتضاعف بحلول نهاية القرن، واما المتشائمون فيتوقعون الامر قبل ذلك.

المشكلة ذاتها، وإن كانت على نطاق أصغر، شائعة في العديد من البلدان العربية الأخرى. 

سيؤدي فشل المحاصيل إلى إجبار الناس على الانتقال إلى المدن، وستدفعهم البطالة إلى احتجاجات، بما في ذلك الأعمال العنيفة والدموية، حيث تظل أسعار الحبوب مسألة حياة أو موت.

ثمة محاولات لحل هذه المشكلة ليس في مصر فحسب، بل في العالم بأسره. تتم حالياً مناقشة موضوع الأمن الغذائي بنشاط في الأمم المتحدة وغيرها من المنصات الدولية (حتى في “الناتو”)، وفي كثير من الأحيان بناءً على اقتراح روسيا التي أصبحت من أهم اللاعبين الخارجيين في الوطن العربي.

ما يراه الشخص العادي مجرد إحصائيات مملة، تذكر بتقارير الحصاد السوفياتية، أصبح في الواقع حجر الزاوية للأمن الدولي. إما أن يكون العالم قادراً على إطعام الشرق الأوسط المضطرب، وإما سيواجه ثورات جديدة ونزاعات مسلحة وأزمات هجرة وحروب إرهابية،  وكل ذلك سيبدأ بارتفاع أسعار الخبز، كما حدث من قبل، بغض النظر عما يخبرونا به حول “إنجاز” بائع الخضار التونسي، الذي تلقى بعد وفاته جائزة البرلمان الأوروبي لـ”حرية الفكر” التي تحمل اسم أندريه ساخاروف.

(*) المقالة بالروسية للزميل دميتري بافيرين – “فزغلياد” (روسيا)

(**) عشر سنوات على ربيع تونس: ثورة مضادة على الأبواب
 

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  محمد علاوي العراقي ليس حسان دياب اللبناني!
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  غاز وعثمانيون وإغريق: صداقات.. وعداوات!