تقنيات لقاحات كورونا.. آمنة وفعّالة

تعبير اللقاح (vaccine) بالفرنسية والإنكليزية مشتق من الكلمة اللاتينية vacc ومعناها بقرة. يعود أصل التسمية إلى نهاية القرن الثامن عشر عندما إكتشف طبيب انكليزي لقاحاً لمرض الجدري المنتشر حينذاك وذلك بإستخدام صديد (قيح) من جدري البقر.

في العام 1796، لاحظ الطبيب والعالم الإنكليزي إدوارد جينر أن الفتيات اللواتي يحلبن  الأبقار المصابة بالجدري يصبن بنوع ضعيف من الجدري البقري يظهر على شكل بثور على الأيدي، وإستنتج أن صديد البثور (القيح) يحميهن بطريقة ما من الجدري البشري.

إتخذ جينر من الطفل جيمس فيبس فأرًا لتجربته. إستخرج صديدا من بثور على يد إحدى  الفتيات المصابات اللواتي يعملن بحلب البقر وحقن الطفل وأعاد تكرار هذه العملية لأيام عدة. أصيب الطفل بالإعياء، لكنه تعافى بعد أيام قليلة بالكامل ولم تظهر عليه أية أعراض، فكان هذا العلاج أول لقاح يسجل في التاريخ الحديث.

ومنذ ذلك التاريخ، وعلى مدى أكثر من مائتي سنة ونيف، كان التطور العلمي والتقني يدفع تدريجياً بإتجاه تطوير التلقيح وصولاً إلى تحوله إلى علم قائم بذاته، أمكن له مع علم المناعة، من كشف الكثير من الجراثيم والفيروسات وتركيبتها وشكلها وتأثيراتها المرضية وتفاعلها داخل الجسم، وصولاً إلى تشكيل اللقاحات صمام أمان علمي لحياة كل سكان الكرة الأرضية، ولدينا في ظاهرة كورونا وما أحدثته من خسائر بشرية ومادية ونفسية الكثير من العبر في أيامنا هذه.

وقد إحتاجت تقنية إختراع اللقاحات وإختبارها وإعتمادها إلى مسار علمي طويل ومعقد ومتعرج وإلى سنوات طويلة من التجارب وإختبار الفاعلية والآثار السلبية ليصبح اللقاح منتجاً صحياً وتجارياً متداولاً ومعتمداً للوقاية من مرض محدد وبشروط ومعايير محددة وفي أوقات وأعمار محددة.

فيروس sars cov 2 تسبّب بجائحة كونية لا مثيل لها منذ قرن تقريباً، لم تستثن بلداً أو مجتمعاً. زهقت أرواح حوالي المليونين ونصف المليون بشري. عشرات ملايين الإصابات. شلت حركة كوكب الأرض بمعظم نواحيها. ثمة تقديرات بأكثر من 30 تريليون دولار من الخسائر الإقتصادية في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء.

فشلت العلاجات وكان هاجس العالم بأسره منذ الأيام والأسابيع الأولى لإكتشاف الجائحة، هو التوصل إلى لقاح، يحصن من كوفيد19 ويمنعه من الإستمرار في الإنتشار وحصد الأرواح.

الإمبراطورية الآسيوية العملاقة خاضت غمار مقاومة الفيروس، وسهلت لجميع الدول والمؤسسات كل ما كانت تتوصل إليه على صعيد الأبحاث والدراسات عن الفيروس المستجد، وصولاً إلى كشف الجينوم المكون له وخصائصه الجينية

وبمعزل عن النقاش الذي راح يحمّل الصين أوزار نشر الوباء، فإن هذه الإمبراطورية الآسيوية العملاقة خاضت غمار مقاومة الفيروس، وسهّلت لجميع الدول والمؤسسات كل ما كانت تتوصل إليه على صعيد الأبحاث والدراسات عن الفيروس المستجد، وصولاً إلى كشف الجينوم المكون له وخصائصه الجينية وقدمت صورة واضحة عن شكله وطريقة عمله وآليات المناعة ضده. وهذه القاعدة البيانية المهمة (الداتا الصينية) عن الفيروس سمحت للكثير من الدول والشركات والجامعات والعلماء بإستثمار وتطوير هذه المعلومات والتسريع المطرد بإكتشاف لقاحات متعددة ووفق تقنيات مختلفة منها التقليدي أو المستجد تماماً أو المتطور عن سابقاته.

ومن الملاحظ ان معظم اللقاحات ارتكزت على المادة البروتينية للفيروس وتحديدا المجسات spike المتواجدة على سطح الفيروس وتعتبر مفتاحه لدخول خلايانا واصابتها. ويمكن تقسيم لقاحات كوفيد19 على الشكل الآتي:

‏أولاً، viral vector vaccines تستخدم تقنية الناقل الفيروسي التي يمكن عبرها نقل بروتين جيني خاص بالفيروس المراد التلقيح ضده من خلال وعاء فيروسي معطل ومعدل. ومن هذه اللقاحات:

‏1ـ لقاح سبوتنيك sputnik v الروسي: يستخدم نوعين من الفيروس الغداني البشري (adenovirus) مسببين لنزلات البرد وهذان النوعان معطلان ومعدلان جينياً وغير قادرين على التكاثر والتسبب بالمرض، ويستعملان كناقلين للمادة البروتينية  spike لفيروسsars cov2، يعطى أحدهما في الجرعة الأولى والآخر في الجرعة الثانية، بفاصل زمني مدته 21 يوماً، وذلك لضمان إستجابة مناعية أفضل من خلال تحفيز خلايا المناعة على إنتاج مضادات متخصصة وخلايا ذاكرة تتيح معرفة الفيروس الحقيقي فور دخوله الجسم والقضاء عليه. وقد أثبتت التجارب فاعلية تفوق 91%، حتى قيل إن سبوتنيك  vهو أهم منتج روسي منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي حتى يومنا هذا.

‏2ـ لقاح أوكسفورد AstraZeneca البريطاني: يستخدم فيروس واحد غداني يصيب الشمبانزي بعدوى تنفسية، وهو ناقل معطل ويعمل بنفس الطريقة السابقة، بفارق أن الجرعتين الأولى والثانية متشابهتان بفاصل من أربعة أسابيع إلى إثني عشر أسبوعاً، وفاعليته حوالي 70%.

3ـ لقاح جونسون أند جونسون Johnson & Johnson: أنتجته شركة يانسن البلجيكية وسجل في الولايات المتحدة. يستخدم فيروس انفلونزا المعطل والمعدل جينياً ويعمل كناقل بنفس طريقة زملائه. يتمايز عنها بأنه يُعطى بجرعة واحدة واثبتت التجارب فعالية 72%.

ثانياً، إستخدام بروتين طبيعي أو بروتين مصنع معملياً ومرصع ببروتين spike ليشبه سطح الفيروس كلقاح النوفافكس novavax الذي سُجل في اميركا واجريت تجربة بشرية عليه في اميركا وبريطانيا وأثبت فعالية بنسبة 89.3% خاصة ضد السلالة البريطانية، ويعطى أيضا على جرعتين، بفاصل ثلاثة أسابيع.

ثالثاً، التقنية التقليدية في اللقاحات، وأبرزها اللقاح الصيني sinopharm سينوفارم، وهو لقاح تقليدي مصنع من جزيئات فيروسsars cov2 تكون ميتة بعد أن تم قتلها حرارياً أو كيميائياً وأُبقي بروتين السطح spike سليماً، ويحقن داخل الجسم ويحفز الجهاز المناعي لانتاج مناعة مناسبة ضد الفيروس وهو فعال بنسبة تصل إلى 86%.

رابعاً، التقنية الثورية المبتكرة التي تعتمد على تقنية mRNA المرسال (فايزر ـ بيونتك pfizer ومودرنا moderna)، ويجري توصيل الحمض الريبوزي المرسال الى داخل غشاء خلية الجسم، ويوصل رسالة (وظيفته الطبيعية اخذ رسالة من DNA الى خلايا الجسم لانتاج بروتينات) بصنع  بروتين الفيروس السطحي spike مما يحفز الجهاز المناعي وينتج لاستجابة المناعية المناسبة ضده، وأثبت فعالية بنسبة 95% ويؤخذ فايزر بفاصل زمني هو ثلاثة أسابيع بين الجرعتين، بينما يؤخذ مودرنا بفاصل زمني هو 28 يوماً بين الجرعتين.

التلقيح ضرورة أخلاقية وصحية ومجتمعية وليس مجرد خيار فردي أناني، وإن كان القانون يسمح بحرية الإختيار وترك المجال مفتوحاً أمام الناس لتقرير خياراتهم

المؤكد أن اللقاحات كلها آمنة وفعالة وتسهم في محاربة الفيروس والقضاء عليه وإنتاج مناعة فردية مكتسبة تتحول من خلال اوسع حملة تحصين شاملة الى مناعة مجتمعية قوية.

وتوفر اللقاحات المتاحة حماية جيدة للمتلقين ولا تظهر أعراض المرض عليهم سيما إذا تم الإلتزام بأخذ الجرعات في مواعيدها وإستمرار إجراءات الحماية والوقاية حتى بعد تلقي الجرعة الثانية لأن فاعلية اللقاح تتصاعد تدريجاً لتنتج الحماية الآمنة.

أما الآثار الجانبية، فتكون محدودة مثل ألم وتورم في مكان الحقن، وأحياناً التسبب بإرتفاح بسيط في حرارة الجسم وقشعريرة أو تعب وإعياء أو ألم عضلي، وفي بعض الحالات، نوع من التحسس خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم تاريخ تحسسي مرضي وتتم مراقبتهم مدة أطول أثناء وبعد التلقيح وإجراء اللازم لهم.

أما المناعة الطبيعية الناتجة عن إصابة الناس بالفيروس وتعافيهم فهي مناعة مؤلمة ومكلفة مادياً ومعنوياً وصحياً وبشرياً، وهي تمر عبر التعرض للفيروس والاصابة بالمرض وبالتالي التسبب بنقل العدوى، وإن كانت أحيانا كثيرة خفيفة ودون أية اعراض، لأشخاص آخرين حسب حجم الإختلاط، لتتسع دائرة المصابين يومياً ومعها حالات الاستشفاء الحرجة والمميتة ومن ينجو تبقى لديه آثار ومضاعفات مزمنة وهذا يكلف الكثير ويترك أضراراً ضخمة ويسبب عبئاً وضغطاً كبيرين على الجسم الطبي والقطاعين الصحي والإستشفائي وتزداد الخطورة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة في لبنان.

إن التلقيح ضرورة أخلاقية وصحية ومجتمعية وليس مجرد خيار فردي أناني، وإن كان القانون يسمح بحرية الإختيار وترك المجال مفتوحاً أمام الناس لتقرير خياراتهم.

Print Friendly, PDF & Email
حسن أيوب

طبيب، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course