“1+5+العقوبات”.. أول كلام بايدن مع إيران!

أما وقد إنقلبت المعادلة، وباتت إيران على مسافة أيام لا بل ساعات، من الخروج من الإتفاق النووي، سارعت إدارة جو بايدن إلى إطلاق دفعة من حسن النيات حيال طهران ولم تمانع بإحياء صيغة "1+5"، بينما بدت أوروبا أكثر تهيباً لفكرة استنفاد الزمن من دون تقديم الإسعافات الضرورية لإنقاذ الاتفاق من "موت معلن"، إذا ما مضت إيران في التحلل التدريجي من مندرجاته.  فمن يستطيع أن يتحمل نموذجاً كورياً شمالياً في قلب الشرق الاوسط؟

ضربة شبه قاضية، كانت تنتظر الإتفاق النووي في 23 شباط/ فبراير الحالي، وإن كان الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، يوحيان في مواقفهما بأن الخروج من البروتوكول الإضافي، لا يعني بصورة من الصور الخروج الكامل من خطة العمل المشتركة الشاملة أو القطع الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا كلام سياسي، مغاير لواقع تصبح فيه إيران غير معنية بالكثير من قيود الإتفاق.

 رسمت إيران الحد المقبول من جهتها. العودة إلى الإتفاق الأصلي أولاً قبل البحث في إتفاق جديد. لكل إتفاق ظروفه ومناخاته، أمّا أن تعطي إيران تعهدات وإلتزامات مسبقة، شرطاً لعودة واشنطن إلى الإتفاق، فلم تلقَ الفكرة الأميركية رواجاً في طهران.
صحيح أن إيران بتحديدها 23  شباط/فبراير مهلة للحد من حركة مفتشي الوكالة الدولية، كانت ترقص على حافة الهاوية. هي الحافة ذاتها التي ترقص عليها  منذ أطلق الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حملة “الضغوط القصوى” منذ عامين. لكن الإتفاق ترنح ولم يسقط، لأن إيران إستمرت بإلتزام كافة بنوده لمدة عام كامل قبل أن تبدأ بالخروج التكتيكي والمحسوب ضمن الهامش المعطى داخل الإتفاق. زيادة التخصيب التدريجي للأورانيوم حتى بلوغ نسبة العشرين في المئة، وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي كماً ونوعاً، كلها كانت تجري ضمن هوامش الإتفاق وبالعلم المسبق للوكالة الدولية وكذلك بالنسبة إلى كمية الأورانيوم المخزنة، إلى أن كانت الخطوة التي أثارت قلقاً أوروبياً وحتى روسياً وهي تعدين الأورانيوم. هذه إعتبرت إشارة تصعيد إيرانية جدية. ثم كان الإعلان عن العمل بتوصية مجلس الشورى (البرلمان الإيراني)، الخروج من البروتوكول الإضافي في 23 شباط/ فبراير الحالي.
هنا كانت نقطة التحول في المواقف الأوروبية التي إستعجلت بايدن، الإيماء لإيران ولو من بعيد، بأنه في طريقه لإعادة واشنطن إلى الإتفاق، وكان الإتصال الذي طال إنتظاره وطالت مدته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لا ريب في أن بايدن أبلغ نتنياهو، أن الوقت قد حان للإنعطافة الأميركية وأن رحلة العودة إلى الإتفاق قد بدأت.
كثيرون في الولايات المتحدة، مسؤولون حاليون وسابقون ومحللون ومراكز أبحاث، كانوا ينصحون بايدن بعدم الهرولة للعودة إلى الإتفاق النووي، قبل أن ترضخ إيران لمطالب واشنطن بالتفاوض على إتفاق جديد أكثر تشدداً في قيوده وأكثر شمولاً ليتعامل مع البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي.

 رسمت إيران الحد المقبول من جهتها. العودة إلى الإتفاق الأصلي أولاً قبل البحث في إتفاق جديد. لكل إتفاق ظروفه ومناخاته، أمّا أن تعطي إيران تعهدات وإلتزامات مسبقة، شرطاً لعودة واشنطن إلى الإتفاق، فلم تلقَ الفكرة الأميركية رواجاً في طهران.

وكانت النصيحة الأخرى المسداة لبايدن، هي ألا يتعجل العودة إلى الإتفاق، وأن يكمل من حيث إنتهى ترامب، وبأن يستخدم رافعة “الضغوط القصوى” لحمل إيران على تقديم التنازلات المطلوبة، أميركياً وإسرائيلياً وإقليمياً. وفعلاً، قال وزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن :”إننا على مسافة بعيدة” من العودة إلى التفاوض مع إيران. وعندما عيّن بايدن الديبلوماسي روبرت مالي مبعوثاً لشؤون إيران، ثارت عليه ثائرة المحافظين في أميركا وإسرائيل، خوفاً من أن يكون علامة إلى قرب العودة إلى الإتفاق.
ترف الوقت الذي حاول البعض إستخدامه، لجعل إيران التي لا شك في أن “الضغوط القصوى” قد أنهكتها اقتصادياً، دفع طهران إلى شن حملة معاكسة عنوانها التصعيد داخل الإتفاق حتى مرحلة الخروج منه (موعد 23 شباط/ فبراير نموذج لما هو قادم)، فضلاً عن تصعيد إقليمي، من اليمن إلى العراق إلى لبنان.
هذه المعادلة الجديدة التي عملت إيران على إرسائها وتثبيتها، مع كل المخاطر التي يمكن أن تنجم عنها، وفي مقدمها أن تعمد إسرائيل إلى توجيه ضربة للمنشآت الإيرانية، على غرار العراق عام 1981 وسوريا عام 2007، وتهديدات رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي، كانت توحي بأن ساعة الصفر قد حُدّدت لعمل عسكري ضد إيران.
وسعى المسؤولون الإسرائيليون إلى تسويق فكرة أن رد الفعل الإيراني على الضربة الإسرائيلية سيكون محدوداً، على غرار ما حصل بعد اغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري قاسم سليماني في مطلع 2020 واغتيال كبير العلماء النووين محسن فخري زاده في آخرها، وما بينهما من عمليات تخريب سيبراني لمنشآت إيرانية حيوية، بقيت كلها في دائرة الرد المحدود.
لكن حسابات اميركا وأوروبا غير حسابات إسرائيل. فالعمل العسكري ضد إيران سيعني عملياً قتل الإتفاق النووي، وما سيستتبعه من ذهاب إيران في برنامج سري لإنتاج السلاح النووي، على غرار الهند وباكستان وكوريا الشمالية. وهذه خطوة من شأنها إدخال الشرق الأوسط في سباق تسلح نووي لن تقتصر مفاعيله على المنطقة فحسب، وإنما ستكون لها إنعكاساتها على الجميع.
وقبل الوصول إلى نقطة العودة، وتحت ضغط ضيق الوقت، ثمة فرصة أخرى أمام الديبلوماسية، بعد سنوات التهديد والوعيد والتوتر. ومع ذلك، فإن أميركا العائدة إلى صيغة “1+5” برمزيتها، قد لا تشكل وحدها سبباً كافياً يحمل إيران على تقديم التنازلات. وطالما لم تبدأ إدارة بايدن بتخفيف العقوبات، سيكون من الصعب على إيران العودة إلى التزاماتها بموجب الاتفاق.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free