زيارتان لولاية تكساس.. “هُنا فَقَدَ رئيسٌ حياته”!

قام الرئيس جو بايدن، يوم الجمعة الماضى، بزيارة لولاية تكساس فى ظروف استثنائية، في حين قمت بزيارة شخصية للولاية فى ظروف عادية قبل 15 شهرا.
زار جو بايدن الولاية فى ظروف غير تلك التى شاهدتها خلال زيارتى، حيث ضربت عاصفة ثلجية نادرة الولاية الأسبوع الماضى، وتسببت فى أضرار فادحة حُرم معها الملايين من سكان الولاية من الدفء والكهرباء ومياه الشرب.

وقد فوجئ العالم بصور ومشاهد غير مألوفة تُبث من ولاية تكساس كشفت عن تدهور كبير فى البنية التحتية فى إحدى أكبر وأغنى الولايات الأمريكية.
وتعد ولاية تكساس، الواقعة وسط النصف الجنوبى للولايات المتحدة والتى يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة ينتشرون فى مساحة تقترب من 70 ألف كيلو متر مربع، إحدى أغنى الولايات بمتوسط دخل سنوى يقترب من 60 ألف دولار للشخص الواحد.
«فضيحة تكساس» أصبحت عنوانا لما شهدته الولاية خلال أيام قليلة من أحداث غير مسبوقة وسط تحقيقات تجرى على المستوى الفيدرالى ومستوى الولاية ومستوى المقاطعات للبحث عن الأسباب التى أدت لهذه الفضيحة فى ولاية عرفت بأنها «عاصمة الطاقة العالمية».

ولا يزال من السابق لأوانه تحديد حجم الدمار التى عرفته ولاية تكساس والذى لن يقل عن عشرات وربما المئات من مليارات الدولارات، لكن من المؤكد أن عملية تسليم وإعطاء لقاح كوفيدــ19 قد توقف، وفقد أكثر من مليون من مواطنى الولاية فرصة تلقى التطعيم خلال الأيام القليلة الماضية.

***

يرى أهل تكساس ولايتهم بمثابة جمهورية مستقلة، وقد كانت كذلك فى الفترة ما بين عامى 1836 و1845، حين استقلت عن الحكم المكسيكى، وبقيت جمهورية مستقلة 9 سنوات، قبل انضمامها إلى الاتحاد الأمريكى. وتركت تلك الخبرة آثارا كبيرة على سكان تكساس وعلى شعورهم القومى وإحساسهم بالتميز على غيرهم من الولايات الأخرى الصغيرة.

ولا تعرف ولاية أخرى ما تعرفه تكساس من تنوع سكانى فريد وتفاعل بين من هم من أصول أوروبية بيضاء وتبلغ نسبتهم 42% ومكسيكى الأصل ونسبتهم 40%، والأفارقة السود ونسبتهم 13%، إضافة إلى البقية والتى تبلغ نحو مليونى شخص من الآسيويين والسكان الأصليين، وغيرهم.

***

«فى هذه المنطقة وفى اليوم العاشر من القرن العشرين بدأت البشرية حضارة جديدة»، بهذه الكلمات المنحوتة على حجر ضخم بجامعة لامار الواقعة شرق مدينة هيوستن يمكن ببساطة تعريف ولاية تكساس. فبعدما تم اكتشاف النفط بها فى العاشر من كانون الثاني/ يناير 1901 فى منطقة جنوب بيمونت، شهدت الولاية، ولا تزال، تغيرات سريعة ومتواصلة لا تتوقف. ويعود الفضل فى ذلك إلى عائدات تصدير موارد الطاقة، ومعه انتقلت هيوستن لتُلقب بأنها عاصمة الطاقة فى العالم. ولا يمكن لزائر هيوستن، رابع المدن الأمريكية بسكان تتخطى أعدادهم الملايين السبعة، ألا أن يلحظ وجود كبريات شركات النفط والغاز فى مختلف نواحى الحياة. إكسون موبيل، وشيفرون، وكونوكو فيليبس، تمثل بعض أسماء كبريات شركات النفط الأمريكية وهى موجودة من خلال مقارها الرئيسية أو مواقع تنقيبها واستخراجها للنفط، أو من خلال دعمها المادى الكثير من الفعاليات الثقافية والفنية، أو من خلال تبنيها برامج دعم للفقراء والمحتاجين.

تمت جريمة اغتيال كينيدى عن طريق بندقية آلية، فى ولاية يعشق سكانها أسلحتهم النارية لارتباطها فى ذهنهم بماضٍ عريق فى ما يتعلق بالصيد ورعاية وحماية الماشية، وحماية لأنفسهم من توغل الحكومة الفيدرالية فى حياتهم

وبالطبع تخدم هذه الأنشطة، التى لا تكلف تلك الشركات إلا مبالغ ضئيلة جدا بمعايير أرباحها السنوية، تحديدا مصالح تلك الشركات من خلال تحسين صورتها العامة فى وقت يزداد الانتباه لمخاطر الانبعاث الحرارى والتغيرات المناخية والتلوث البيئى. لكن نعمة امتلاك الثروات فى تكساس لم تنعكس على رخاء ورفاهية سكان الولاية حتى عام 1928، ففى هذا العام أصبح «مبنى ميلام» فى مدينة سان أنطونيو بجنوب الولاية أول مبنى طويل (21 طابقا بطول أكثر من 90 مترا) يمكن إدخال وتركيب أجهزة تكييف مركزية فيه. وتعرف تكساس مناخا متقلبا، إلا أن درجات الحرارة مرتفعة أغلب أيام العام، وشديدة الارتفاع فى فترات أخرى طويلة، وتصل إلى درجات قلما تعرفها الدول الواقعة فى الحزام الاستوائى. وسمحت أجهزة تكييف الهواء لتكساس بالتمتع بخيراتها، بعدما أصبح من الممكن السيطرة على درجات الحرارة فى الأماكن المغلقة، وزادت موجات الهجرة منذ ذلك الحين بنسب كبيرة للولاية ذات الثروات النفطية أو الحيوانية أو الزراعية، والتى لولا تكييف الهواء، لما تمكنت من الاستمتاع بها، وهكذا أصبح «تكييف الهواء المركزى» وسيلة هامة، كى تستمتع تكساس بثرواتها وبرخائها.

***

وكانت كلمة «هنا هيوستن» هى أول كلمة سُمعت فى الفضاء عند هبوط رواد الفضاء على سطح القمر عام 1969، عندما تحدثوا لمركز المراقبة والتحكم على الأرض. وهذا يفسر حصولها على لقب مدينة الفضاء، بالإضافة إلى احتوائها على مركز ليندون جونسون الخاص بالفضاء، والتابع لوكالة ناسا. وتمثل زيارة المركز فرصة جيدة للتعرف إلى اتجاهات الكشوفات الفضائية المقبلة، ومنها تفاصيل كيفية بناء برنامج فضائى متكامل لغزو واستكشاف الفضاء عن طريق برامج الرحلات الفضائية المأهولة، أو عن طريق إرسال سفن فضاء غير مأهولة يتم التحكم فيها من داخل غرف العمليات بهيوستن تجمع وتصور ما يمكن الوصول إليه. وتوفر وكالة ناسا كذلك فرصة تناول وجبة الغذاء مع أحد رواد الفضاء. وتناولت وعائلتى الغذاء مع الرائد السابق وليام ماك آرثر، الذى انضم إلى ناسا عام 1987 مهندسا متخصصا فى تصميم مركبات الفضاء. ثم اختير لدخول اختبارات قبول قاسية تؤهل لوظيفة «رائد فضاء». وبالفعل نجح فى كل الاختبارات، وتم تدريبه وتأهيله للمشاركة فى رحلات لمكوك الفضاء كولومبيا عام 1993، وفى عام 1995 صعد على متن مكوك الفضاء أتلانتيس، ثم على متن مكوك الفضاء ديسكفرى عام 2000، وأخيرا فى عام 2005 صعد على متن محطة الفضاء التى تتم إدارتها بمشاركة من دول عدة إضافة إلى الولايات المتحدة، وروسيا والاتحاد الأوروبى وكندا وأستراليا واليابان. وبلغ مجموع ما قضاه ماك آرثر فى الفضاء 224 يوما و22 ساعة و28 دقيقة و10 ثوان، منها 24 ساعة و21 دقيقة فى «السير فى الفضاء». وتسمح فرصة لقاء رائد فضاء حقيقى بطرح كل الأسئلة البسيطة والمعقدة عن طبيعة عمل الرواد وكيفية قضاء أوقاتهم فى مركبات الفضاء أو خلال السير فى الفضاء لاكتشاف أسرار الكون.

إقرأ على موقع 180  الحريري ينتظر موعداً أميركياً.. يُفرج عن حكومته!

***

قبل 55 عاما، سقط الرئيس جون كينيدى قتيلا أثناء مرور موكبه بمركز مدينة دالاس، وأصبح مكان الاغتيال أحد أهم مزارات المدينة، وحول المكان تنتشر الكتابات والعبارات المتعلقة بالحادث، إلا أن أهمها ما يقول «هنا فقد رئيسٌ حياته، ومن هنا فقدت الأمة الأمريكية عقلها». وتمت جريمة اغتيال كينيدى عن طريق بندقية آلية، فى ولاية يعشق سكانها أسلحتهم النارية لارتباطها فى ذهنهم بماضٍ عريق فى ما يتعلق بالصيد ورعاية وحماية الماشية، وحماية لأنفسهم من توغل الحكومة الفيدرالية فى حياتهم. ومن أطرف مشاهد الولاية فى أحياء الجالية العربية محاولة للترويج للسلاح، ولحقّ حمل السلاح عن طريق تصميم «أرجيلة ــ شيشة» على شكل بندقية، أو مصنعة من بنادق حقيقية.

***

يطلق اسم الكاوبوى على فريق مدينة دالاس لكرة القدم الأمريكية، ويعد النادى أغلى الأندية الرياضية فى العالم بقيمة سوقية تتخطى أربعة مليارات دولار، ويتفوق النادى على عمالقة كرة القدم الأوروبيين مثل برشلونة أو ريال مدريد الإسبانيين، مانشستر يونايتد الإنكليزى أو بايرن ميونيخ الألمانى، أو باريس سان جيرمان الفرنسى أو يوفنتوس الإيطالى. وتعرف دالاس وبقية مدن تكساس انتشار ألعاب ومهرجانات وسباقات رعاة البقر، فى محاولات جذابة لاستدعاء التاريخ القريب. وتتضمن هذه العروض ركوب الثيران، والخيل والسيطرة على الأبقار والخيل الهائج. ويرتبط بثقافة الكاوبوى إيمان راسخ لدى جمهورها بقدسية حق امتلاك السلاح.

***

كل شيء كبير وضخم فى تكساس بداية بسياراتها ووجباتها وطرقها السريعة، والأهم طموحاتها، وحتى كوارثها الطبيعية.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بايدن لفريدمان: مصلحة أميركا بالعودة إلى الإتفاق النووي