الغزو التركي الثاني لقبرص.. أردوغان يقترح حل الدولتين

في 19 أيار/مايو 2021، شرح رجب طيب أردوغان أمام جمهور من الطلاب في أنقرة، أسباب تدخل بلاده في قبرص وشرق المتوسط والعراق وسوريا، وقال إن "تركيا ليست بالنسبة لنا 780 ألف كلم2. تركيا في كل مكان بالنسبة لنا".

أعلن الرئيس التركي في المناسبة ذاتها أنه سيزور شمال قبرص في 20 تموز/يوليو الجاري، ليضيف أن” الرسالة التي سيبعث بها من شمال قبرص لا تعني فقط الجزيرة وإنما العالم بأسره”. وفعلاً زار أردوغان الشطر التركي من قبرص في هذا الموعد الذي صادف الذكرى الـ47 لغزو بلاده للجزيرة. وتسلحت أنقرة بذريعة قيام إنقلاب عسكري في قبرص عام 1974 بدعم من أثينا لشن الغزو في السنة نفسها. وفيما لم يدم الإنقلاب العسكري الذي نُفّذَ بتحريض من جنرالات اليونان، سوى يومين (من 15 تموز/يوليو حتى 17 منه)، مضى على الإحتلال التركي لشمال قبرص 47 عاماً.

وتعني الرسالة التي أطلقها أردوغان خلال زيارته “العالم بأسره” لأنه قضى فيها على كل أمل في إمكان معاودة المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة لإعادة توحيد شطري قبرص. ورفع شعار أن الحل يجب أن يكون بين دولتين.

صحيح أن أنقرة كانت الجهة الوحيدة في العالم التي تعترف بما يسمى “جمهورية شمال قبرص التركية”، وهي عبارة عن دمية في أيدي أنقرة. لكن أردوغان بات يتعامل من الآن فصاعداً مع هذه “الجمهورية” على أساس أنها دولة بكل معنى الكلمة.

ماذا يعني معاودة فتح منتجع “فاروشا” الذي يحظر قرار للأمم المتحدة الدخول إليه باستثناء سكانه الأصليين من القبارصة اليونانيين الذين فرّوا من الغزو التركي؟

بهذه الخطوة، ضرب أردوغان عرض الحائط بكل التسويات التي ترعاها الأمم المتحدة ويؤيدها الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي ترفض الإنفصال التام للشطر الشمالي وتأسيس دولة فعلية. وإلا ماذا يعني معاودة فتح منتجع “فاروشا” الذي يحظر قرار للأمم المتحدة الدخول إليه باستثناء سكانه الأصليين من القبارصة اليونانيين الذين فرّوا من الغزو التركي؟

ويطرح زعيم القبارصة الأتراك أرسين تاتار، المدعوم بقوة من أردوغان، على القبارصة اليونانيين تسوية تقوم على تعويضهم عن أملاكهم مقابل التخلي عن المطالبة بالعودة إلى المدينة، التي كانت أكثر جذباً للسياح قبل الغزو التركي. وإذا ما قيض لإقتراح تاتار أن يدخل حيز التنفيذ، فإنه يرسي سابقة قانونية خطيرة في المنطقة.

وكان يُطلق على “فاروشا” لقب “جوهرة المتوسط”، وقد تم تسييجها وباتت مدينة أشباح، و”نمت الطحالب في فنادقها الفخمة” التي كانت مقصداً للمشاهير من أصقاع العالم، وفق وصف صحيفة “الغارديان” البريطانية. وكان الجيش التركي أباح للناس اعتباراً من العام الماضي الوصول إلى أجزاء من شاطىء المدينة.

تاتار ومن خلفه أردوغان يفعلان كل شيء لتحويل الأمر الواقع في قبرص إلى حقيقة. وعندما يُسأَل الرئيس التركي عن رفض الإتحاد الأوروبي لحل الدولتين، يجيب :”لن نأخذ بنصيحتهم وسنفعل ما نحن في حاجة لفعله. ولا نريد تضييع خمسين عاماً أخرى”. وأكد أنه “لا يمكن تحقيق تقدم في المفاوضات من دون القبول بأن هناك شعبان ودولتان على قدم المساواة”.

وخلال زيارته، ذهب الرئيس التركي بعيداً في اقتراح إجراءات جديدة لتوسيع الوجود التركي في شمال قبرص، إذ أعلن عن خطط لبناء مجمع حكومي جديد من شأنه أن يضم مقراً رئاسياً ومبنى للبرلمان.

ما يتوخاه أردوغان هو تغيير وجه شمال قبرص نهائياً وجعله تابعاً لتركيا بحكم الأمر الواقع. ولهذا كان سعيه إلى القضاء على أي فرص بقيام مفاوضات جديدة بين شطري قبرص ترمي إلى إعادة توحيد الجزيرة، بموجب أي صيغة من الصيغ

ومعلوم أن تركيا تشيد أيضاً قاعدة ليفكونيكو العسكرية الجديدة للطائرات المسيرة في مطار مهجور بشمال قبرص. وسبق أن قال أردوغان إنه يرى في هذه القاعدة، وسيلة لتعزيز القوة التركية عبر شرق المتوسط. وفي السابق، كانت تركيا تستخدم قاعدتها للطائرات المسيرة في شمال قبرص، في عمليات الإستطلاع بينما كانت تجري سفنها عمليات مسح جيولوجي بحثاً عن الغاز والنفط في المياه القبرصية، لكنها بعدما طوّرت قاعدة ليفكونيكو، فإنها نقلت الكثير من مسيرات “بيرقدار – تي. بي2” إلى القاعدة. وفيما كانت النسخ السابقة من هذه المسيرات فعّالة فقط في مدى يبلغ مائة ميل، فإن التحسينات التي أدخلت عليها لناحية التوجيه والأنظمة العملانية، جعلت مداها أبعد بكثير، وخصوصاً أنه صار في امكانها التحليق لمدة 27 ساعة.

ما يتوخاه أردوغان هو تغيير وجه شمال قبرص نهائياً وجعله تابعاً لتركيا بحكم الأمر الواقع. ولهذا كان سعيه إلى القضاء على أي فرص بقيام مفاوضات جديدة بين شطري قبرص ترمي إلى إعادة توحيد الجزيرة، بموجب أي صيغة من الصيغ.

ووقت يعجز الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن فرض عقوبات رادعة على تركيا، يرى أردوغان نفسه طليق اليدين في ضم شمال قبرص وفي توسيع نفوذه من شمال العراق إلى شمال سوريا والإحتفاظ بالوجود العسكري في ليبيا وأذربيجان والتفاوض للبقاء في مطار كابول.

إقرأ على موقع 180  ليبيا... "الخطوط الحمراء" كبديل للصدام المباشر

ويرى بعض المراقبين، أن أردوغان يريد تحسين صورته في الداخل التركي حيث الأزمة الإقتصادية التي تنعكس تدهوراً في قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، تعمل على تآكل شعبيته وشعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، قبل الإنتخابات التشريعية والرئاسية المزمعة في 2023.

وربما يُقدّم هذا الإستنتاج تفسيراً ما، لخطوات أردوغان في الخارج، لكن ذلك لا ينفي أن الرجل يسعى بكل قوة لإستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية الغابرة، كُلما سنحت له الفرصة لفعل ذلك، أمام مجتمع دولي متردد.

وفي نيسان/أبريل، أخفقت الأمم المتحدة في جسر الخلافات حول كيفية معاودة مفاوضات السلام بين شطري قبرص، والتي كانت إنهارت في 2017. ومنذ عقود تضغط المنظمة الدولية لإقناع القبارصة بالقبول بقيام منطقتين فيديراليتين، الأمر الذي لم يبدِ الطرفان موافقة مبدئية عليه إلا مؤخراً.

ومنذ بدء إستكشافات الغاز في شرق المتوسط في الأعوام الأخيرة، عاد الإهتمام ليتركز على قبرص وخصوصاً بين تركيا واليونان، الدولتان العضوان في حلف شمال الأطلسي. والحوار المباشر بين أثينا وأنقرة في الأشهر الأخيرة لم يصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن.

وتصعيداً للضغط، لجأ أردوغان إلى استخدام ورقة رابحة في يده مثل قبرص التركية كي يحصل على حقوق الإستثمار في ثروات المتوسط وكي لا يبقى بعيداً عن “منتدى الغاز” المتوسطي.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  فيينا في مأزق.. والشرق الأوسط على فوهة أسابيع الغليان