الإنسحاب الأميركي من أفغانستان.. “تعزيز قيمة” إسرائيل إقليمياً

Avatar18025/08/2021
إلداد شافيط وشمعون شتاين، الباحثان في "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، نشرا دراسة في دورية "مباط عال"، حول تداعيات ونتائج الإنسحاب الأميركي من أفغانستان. ركزا على ثلاث نقاط: "تحفيز التنظيمات الإرهابية"؛ "سلوك إيران الإقليمي"؛ "علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة". وهذا أبرز ما تضمنته الدراسة:

“(…) غزت الولايات المتحدة أفغانستان بهدف اقتلاع “القاعدة”، بالإضافة إلى هدف ثانوي “بناء أمة” في أفغانستان بحسب النموذج الديموقراطي الغربي. وبينما تحقق الهدف الأول إلى حد كبير (بما في ذلك اغتيال أسامة بن لادن في سنة 2011) إلا إن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق الهدف الثاني للأسباب عينها التي أدت إلى فشلها في العراق. هذه الإخفاقات تدل على عدم قدرة على فرض تغييرات سياسية – مؤسساتية وقيَمية من الخارج وبالقوة على مجتمع غير ناضج لذلك، وخصوصاً في فترة زمنية قصيرة. فإنهاء المعركة بعد تحقيق الهدف الأول من دون محاولة إعادة صياغة الساحة الأفغانية كان سيوفر على الولايات المتحدة إحراج الانسحاب.

على أي حال، وعلى الرغم من أن مشاهد الانسحاب من أفغانستان لم تكن جميلة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية والتطورات زعزعت مَن يقود السياسة الخارجية الأميركية، فإنه لم يكن هناك مفر من قرار الرئيس جو بايدن، وهو لم يكشف فقط إدراكه لحدود قوة الولايات المتحدة، بل أيضاً حقق رغبة الرئيسين اللذين سبقاه – الرئيس باراك أوباما والرئيس دونالد ترامب. بالإضافة إلى ذلك الاتفاق الذي وقّعه ترامب مع طالبان (والذي لم يُنفذ) أظهر الحركة بصفتها شريكاً شرعياً. إدارة بايدن ودول أُخرى، بينها الصين وروسيا وإيران، تُجري محادثات مع الحركة سعياً للتأثير في سلوكها في أفغانستان وخارجها. حتى لو أن الرئيس بايدن سيُنتقد لتقليله من قوة طالبان ومبالغته في تقدير قوة الجيش الأفغاني، فإن التعب الكبير الذي يسود الجمهور الأميركي جرّاء التورط في صراعات دولية إجمالاً، وعسكرية خصوصاً، سيعوض عن النقد ويتغلب عليه، وثمة شك في أن الرئيس بايدن سيتضرر سياسياً في المدى البعيد من تحقيقه الرغبة في الانسحاب.

سيطرة طالبان السريعة على أفغانستان وتقديم سردية أنها نجحت في التسبب بفشل أميركي يمكن أن يعزز الحافز لدى جهات إرهابية متطرفة لزيادة نشاطها على الساحة الدولية، بما فيها في الشرق الأوسط ضد أهداف إسرائيلية

بالإضافة إلى ذلك، إنهاء الوجود في أفغانستان سيسهل على الولايات المتحدة تحويل اهتمامها ومواردها إلى مواجهة التحدي رقم واحد، بحسب تحديد الإدارة – الصين. في تموز/يوليو 2021، ومع الانسحاب من أفغانستان، وفي إطار الحوار الاستراتيجي مع العراق، أعلن الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستُنهي مهمتها القتالية في العراق حتى نهاية هذه السنة، وسيتركز عمل القوات الأميركية التي ستبقى هناك على الاستشارة وتدريب القوات المحلية. ثمة شك في أن هذا القرار قد يتغير – حتى في ضوء المشاهد المزعجة من أفغانستان. مع ذلك، من المحتمل أن تؤثر هذه المشاهد في الاستعدادات لمواجهة الخروج من العراق. علاوة على ذلك، وبخلاف أفغانستان، تقليص القوات الأميركية في العراق تم بالاتفاق مع القيادة العراقية وبالتنسيق الكامل معها.

من السابق لأوانه تقدير التداعيات الكاملة للتطورات الأخيرة، وخصوصاً إزاء أفغانستان، سواء على صعيد الدينامية الدولية التي بدأت ولا تزال تتطور منذ بداية ولاية الرئيس بايدن، أو في الأساس إزاء طموحه إعادة الولايات المتحدة إلى موقع القيادة. ستتضرر في الأمد القصير بالتأكيد صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وثقة حلفائها بمدى استعدادها لأن تهب لمساعدتهم في الملمات. وحتى لو كان المطلوب من طالبان في الفترة القريبة العمل على ترسيخ سلطتها في أنحاء أفغانستان، فمن المتوقع أن تحتفل طالبان مع القاعدة بانتصارهما على قوة دولية عظمى، وسيقدَّم هذا النصر على أنه إنجاز إسلامي ديني. ومن المتوقع أن يحاول لاعبون دوليون مختلفون فحص مدى قوة وحزم الولايات المتحدة والبحث عن فرصة لاستغلال الضرر الذي لحق بصورتها من أجل الدفع قدماً بمصالحهم. مع ذلك، ليس من الواضح كيف سيترجَم الإخفاق الأميركي الحالي إلى تحدٍّ استراتيجي يهدد مكانة الولايات المتحدة في المدى البعيد.

حالياً تزداد معقولية أن الدول المحيطة بأفغانستان، في الأساس الصين والهند وإيران وكذلك روسيا، والتي تشكل طاجكستان باحتها الخلفية، ستكون مهددة بسبب عدم الاستقرار في أفغانستان. إن خطر توجيه طالبان اهتمامها نحوهم سيجبر هذه الدول على توظيف موارد كبيرة جداً مقارنة بالماضي لمواجهة التهديدات المحتملة من هذا الاتجاه. في المقابل حدوث تطورات في هذا الاتجاه سيخدم المصالح الأميركية خصوصاً، والغربية عموماً. وفعلاً لدى شرح الانسحاب شدد الرئيس بايدن على أن الصين وروسيا كانتا ترغبان في بقاء الولايات المتحدة في أفغانستان لإضعافها وللدفاع عن مصالحهما.

بالنسبة إلى إسرائيل، من المهم فحص التطورات على ثلاثة مستويات:

أولاً؛ التأثير في حافز التنظيمات الإرهابية:

سيطرة طالبان السريعة على أفغانستان وتقديم سردية أنها نجحت في التسبب بفشل أميركي يمكن أن يعزز الحافز لدى جهات إرهابية متطرفة لزيادة نشاطها على الساحة الدولية، بما فيها في الشرق الأوسط ضد أهداف إسرائيلية. مع ذلك كان دور الولايات المتحدة صغيراً في محاربة التنظيمات الإرهابية التي تعمل ضد إسرائيل، لذا، ثمة شك في أن الانسحاب من أفغانستان سيغير بصورة كبيرة تقدير هذه التنظيمات الإرهابية للوضع في ما يتعلق بحجم عملياتهم والأهداف.

توجه الانفصال عن الشرق الأوسط يمكن أن يعزز، في نظر الإدارة الأميركية، قيمة إسرائيل كدولة قادرة على مساعدة الولايات المتحدة للمحافظة على مصالحها والدفع بها قدماً في المنطقة

ثانياً؛ السلوك الإقليمي لإيران:

إقرأ على موقع 180  "نيويورك تايمز": لا يمكن إحياء جثة إتفاق نووي ميت!

 التطورات في أفغانستان تضع إيران أمام واقع معقد. ترى إيران في الانسحاب الأميركي تطوراً إيجابياً بالنسبة إلى المصلحة الإيرانية الرامية إلى طرد القوات الأميركية من الشرق الأوسط. ويأملون في طهران بأن تكون المرحلة المقبلة في عملية تقليص القوات الأميركية في المنطقة هي الانسحاب من العراق. هذا التطور سيُحسّن بصورة كبيرة الأمن في “الباحة الخلفية” لإيران، وسيشكل “انتقاماً استراتيجياً” لاغتيال قاسم سليماني. وجهة النظر هذه يمكن أن تعزز السردية الإيرانية القائلة إنه يجب زيادة الضغط على الأميركيين “لإقناعهم” بالتمسك برغبتهم في الخروج من العراق. في المقابل، إذا أرادت إيران (وحتى هذه اللحظة هذا ليس وارداً) زيادة تدخُّلها في أفغانستان فسيتعين عليها تخصيص موارد (وخصوصاً من طرف الحرس الثوري) ليست متوفرة لديها حالياً – وتخصيصها سيكون بالتأكيد على حساب عملياتها في المنطقة.

ثالثاً؛ علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة:

على الرغم من المشاهد التي تبدو هروباً أميركياً من أفغانستان إلاّ إنه ليس من المتوقع أن تخرج الإدارة الأميركية عن سياستها التي تدفع قدماً بانفصال الولايات المتحدة عن مراكز قتال “لا نهاية له” بحسب وصفها، بما في ذلك عملية تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط. الإدراك السائد وسط لاعبين في المنطقة بأن الشرق الأوسط فقد أهميته في مجمل اعتبارات الأمن القومي الأميركي، ونتيجة عدم الاستعداد الأميركي لتوظيف موارد اقتصادية وعسكرية أجبر هؤلاء اللاعبين على تحديث تقديرهم إزاء السلوك الذي ينبغي أن يسلكوه. يبدو أن هذا الإدراك يمكن أن ينعكس على تقديرهم لحجم الدعم الذي من المتوقع أن تمنحه الولايات المتحدة لإسرائيل في مواجهة تحديات إقليمية.

بالإضافة إلى هذا كله، ومن ناحية موضوعية، يتعين على إسرائيل أن تخطط خطواتها انطلاقاً من الإدراك أنه حتى لو كانت الإدارة مخلصة في تأييدها ودعمها لإسرائيل، لكن نظرياً وعملياً ثمة فرصة ضئيلة في أن تكون الإدارة مستعدة لتوظيف موارد عسكرية في المستقبل في مواجهة تحديات إقليمية، بينها التحدي الإيراني. مع ذلك، فإن توجه الانفصال عن الشرق الأوسط يمكن أن يعزز، في نظر الإدارة الأميركية، قيمة إسرائيل كدولة قادرة على مساعدة الولايات المتحدة للمحافظة على مصالحها والدفع بها قدماً في المنطقة”.

(*) يُنشر بالتزامن مع “مؤسسة الدراسات الفلسطينية“.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  خطة نتنياهو.. آخر مسمار في نعش الدولة الفلسطينية