“شبل بانشير” إلى ترويض طالبان أم مقاومتها؟

 وحده إقليم بانشير ظلّ بمنأى عن التقدم الكاسح الذي حققته حركة طالبان في الارجاء الافغانية الشاسعة وصولا الى استعادة الحكم في كابول بعد 20 عاما من الاحتلال الاميركي، فهل يعود هذا الوادي الحصين، ايقونة للمقاومة ضد الحركة الاسلامية التي بعثت من جديد، مثلما كان عصياً على السوفيات والانكليزوالفرنسيين الذين تعاقبوا على غزو هذه البلاد؟

يبعد وادي بانشير المحاط بجبال الهندكوش الشاهقة، نحو 130 كيلومترا شمال شرق العاصمة ولا يمكن التواصل بين بانشير وكابول الا من خلال ممرّ سالانج، العصي على أي اختراق عسكري. ولا تتجاوز مساحة الاقليم الـ 3600 كلم2، ويقطنه اقل من 200 الف نسمة معظمهم من الطاجيك، القومية الثانية في البلاد من حيث العدد بعد البشتون. وكلمة بانشير تعني بالفارسية الأسود الخمسة. وبحسب الرواية الافغانية فان الاسم مشتق من اسطورة قديمة تحكي ان خمسة اخوة تمكنوا من وضع سد منيع امام مياه الفيضانات المتدفقة إلى الوادي في عهد السلطان محمود غزنة، فأطلق على الإخوة الخمسة “الأسود الخمسة”.

ويحتضن وادي بانشير ضريح القائد العسكري السابق للمجاهدين الافغان، أحمد شاه مسعود، الملقب بـ”أسد بانشير” نظرا الى سجله الحافل في مقاومة الجنود الروس إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979. ولقب ايضا بـ”فاتح كابل، أمير صاحب” و”بطل الامة الافغانية” بعد دحرالسوفيات ودخوله مع اترابه المجاهدين إلى العاصمة. وهو الزعيم الأفغاني الوحيد الذي لم يغادر أفغانستان أبدًا في مواجهة الجيش السوفياتي ولاحقًا في القتال ضد إمارة طالبان، فهو جعل من اقليمه المعقل الوحيد الذي لم تطأه طالبان بعد سحقها معظم فصائل المجاهدين عند دخولها الاول الى كابول الذي مهد للغزو الاميركي عام 2001.

وحتى يومنا هذا يحفل الوادي بشبكة كبيرة من الانفاق كانت وما تزال تشكل ملاذاً وحصناً منيعاً ضد الغارات الجوية، إلى جانب التضاريس الوعرة والكهوف والأنهار والجبال الشاهقة التي تحيط بالوادي.

في بانشير “روض الأسد الدب في أفغانستان”، كما يقول  الخبير في الشأن الروسي مارك غاليوتي، ثم قاد بين عامي  1996-2001، المقاومة ضد الحكم الطالباني. آنذاك جمع شاه مسعود فصائل افغانية مجاهدة عدة، وأنشأ التحالف الشمالي، الذي سيطر على اجزاء من شمال البلاد وشرقها. وضم هذا التحالف اضافة الى الفصائل الطاجيكية بزعامة مسعود نفسه ومرشده الرئيس السابق برهان الدين رباني، الفصائل الاوزبكية بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم، ومقاتلين من الهزارة الشيعة  بقيادة حاجي محمد محقق، ومقاتلين بشتون بقيادة عبد الحق وحاجي عبد القدير، الى قادة وسياسيين مخضرمين امثال إسماعيل خان وعبد رب الرسول سياف، وعبدالله عبدالله ومسعود خليلي.. لكن هذا التحالف تلقى ضربة مؤلمة باغتيال مؤسسه أحمد شاه مسعود في 9 سبتمبر/أيلول 2001، أي قبل يومين فقط من تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول. ويعتقد أن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة المتحالف مع طالبان، كان مهندس هذه العملية التي تمت بواسطة كاميرا صحافية مفخخة. وبرغم ذلك فان هذا التحالف شكل رأس جسر لقوات مشاة البحرية الاميركية “المارينز” في تقدمها نحو كابول لاطاحة حكم طالبان بعد تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر.

وادي بانشير، عاد الى الواجهة مجددا بعد أن ظهر النائب الأول للرئيس الافغاني  أمرالله صالح، وأعلن شرعيته كرئيس تصريف أعمال للبلاد بعد فرار الرئيس أشرف غاني خارج البلاد، وقد دعا  صالح عناصر الجيش الأفغانيّ والمقاتلين للانضمام إليه لمحاربة وطرد حركة طالبان من البلاد. وكان برفقة صالح، أحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود، الذي دعا الافغان إلى الانتفاضة والمقاومة ضد طالبان، في حال فشلت المفاوضات التي يرجو منها مسعود “اعتماد اللامركزية، في الحكم لتحقيق نظام يضمن العدالة الاجتماعية والمساواة والحقوق والحرية للجميع”.

وكان أحمد مسعود (32 سنة) انهى دراسته في إيران، وبعدها انتقل إلى إنكلترا ملتحقا بكلية سانت هيرست العسكرية. ثم عاد إلى أفغانستان عام 2016، وعقد العزم على محاربة طالبان، وطلب من الغرب مساعدته في مواجهة الحركة، وأسّس حزبًا سياسيًا يطلق عليه “جبهة المقاومة الوطنية”.

وحتى الآن، لم تظهر طالبان اي رد فعل ازاء ما يحصل في بانشير، لكنها  تحاصر الوادي من كل جوانبه. فهل يستطيع مسعود الابن الذي كان في الحادية عشرة يوم اغتيال والده، ترويض “الأسود” الذين لم يستطع الدب الروسي ترويضهم من قبل؟

ثمة جيل أفغاني لم يعش تحت حكم طالبان، بل ذاق طعم  الحريات وتعرف على الثقافة الغربية التي افتقر إليها جيل الآباء، وهذا الجيل ربما كان أكثر ميلاً للوقوف في وجه حكم طالبان الجديد.

لكن “المسألة الجوهرية” التي قد تحدد مصير أي تحالف عسكري مناهض لطالبان هي شكل التحالفات في الحكومة المستقبلية، فإذا تمكنت طالبان من إبرام صفقة قابلة للتطبيق لتقاسم السلطة مع أصحاب نفوذ من الأفغان الآخرين، مثل الرئيس الأسبق البشتوني حامد كرزاي والطاجيكي عبدالله عبدالله شريك الائتلاف في حكومة الرئيس أشرف غاني المخلوع، واعطت حصصا وازنة للاقليات والفصائل السياسية الاخرى المؤثرة فإنها قد تحد من قدرة المقاومة المسلحة ضد الحركة في الحصول على دعم أوسع. أما إذا أحكمت طالبان قبضتها على السلطة وعمدت إلى الإقتصاص من خصومها السابقين لا سيما في حكومتي غاني وكرزاي، فإن بعض الخبراء يعتقدون أن أي جهة تخلف التحالف الشمالي ستحظى مجددا بالتأييد. لكن يبقى الفيصل والمحك لقيام جبهة مناهضة للحركة الاسلامية هو مدى استعداد واشنطن خصوصا والغرب عموما، لتقديم الدعم السياسي والمادي والعسكري لحركة كهذه.

إقرأ على موقع 180  بوتين في مؤتمره السنوي: الأحادية القطبية انتهت بالفعل

وبالفعل طالب عدد من المشرعين في الكونغرس الأميركي إدارة الرئيس جو بايدن بمد يد العون لأحمد مسعود الابن. وأشارت مجلة “فورين بوليسي” في هذا الصدد إلى أنه من غير الواضح بعد ما الذي سيفعله “البنتاغون” حيال مبلغ 3.3 مليارات دولار الذي سبق أن تم رصده لدعم الجيش الأفغاني “الذي انهار في غضون أسابيع أمام هجوم طالبان”.

وإذا كان من غير المرجح أن تتدخل كل من الولايات المتحدة وروسيا مرة اخرى بعدما جربتا المجرب، فهذا يعني أن مصادر القوة التي يتمتع بها أحمد الابن الآن، تختلف عن تلك التي تمتع بها والده في حقبة السوفييت وطالبان في السابق.

وإجمالا، فقد عززت طالبان مواطن قوتها الأساسية في الولايات الشمالية، حيث كان أحمد شاه مسعود يمتلك أسباب القوة فيها، وهذا من شانه ان يمنحها القدرة على إخماد أي انتفاضة محتملة.

وفي رأي جيل دورونسورو المتخصص في أفغانستان والذي صدر له كتاب في العام 2021 بعنوان “حكومة أفغانستان العابرة للحدود الوطنية – هزيمة متوقعة”، أن “المقاومة لا تزال شفهية في الوقت الحاضر لأن طالبان لم تحاول دخول بانشير”. وأوضح أن “العلاقات بين أحمد مسعود وأمرالله صالح معقدة بعض الشيء، ثمة عدم تناغم بينهما منذ البداية”. ورأى  أن “أحمد مسعود ليس له موقع رسمي في النظام. إنه شخص لا يحظى بدعم قوي في أفغانستان خارج بانشير”.

وفي الواقع فان ابن القائد أحمد شاه مسعود يعيش في “خيال والده” و”أسطورته”، وتالياً فإنه لا يحظى مثله بكثير من الدعم على الأرض وليس شخصية متفانية ومجربة من وزن والده السياسي.

وحتى الآن لا أحد يستطيع أن يحدد بدقة الاهداف الرئيسية لكل من مسعود الابن وصالح: التفاوض مع طالبان من اجل الحصول على مطالب سياسية محددة ام الشروع في مقاومة مسلحة حقيقية اياً كان الثمن؟.

وفي الواقع فان مصالح سكان بانشير الطاجيك يدافع عنها سياسياً حالياً في كابول عبدالله عبدالله الذي يتفاوض مع طالبان، وأعمام مسعود الذين يتفاوضون في باكستان، فهل التهديد بمثل هذه المقاومة وسيلة لممارسة ضغط على المفاوضات في كابول من أجل تحقيق اكبر مكاسب ممكنة؟

حتى الآن، ما تزال طالبان تتحدث عن عملية سلام يفترض أن تكون جامعة لاوسع شرائح افغانية. وفي المقابل، يبقى السوال مطروحاً حول ما اذا كانت بعض القوى الخارجية لديها مصلحة في قيام مقاومة نشطة، سواء من منطلق تأييدها لأسطورة شاه مسعود أو معارضتها لقيام نظام إسلامي متطرف في المنطقة؟

(*) راجع للكاتب نفسه: خراسان لغم مسموم يفخّخ أفغانستان.. والجوار

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  مصر وتركيا.. النوايا الحسنة لا تكفي