“خراسان” لغم مسموم يفخّخ أفغانستان.. والجوار

الأكيد أن حركة "طالبان" ليست الطرف الوحيد الذي يحدد مستقبل ما بعد إنسحاب القوات الأميركية من افغانستان. هناك لغم دس بعناية وبات جاهزاً للتفجير، إسمه تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) واخطر فروعه على الاطلاق "ولاية خراسان".

هذا الفرع بات مُرشحاً، أن يكون المعقل والمقر الرئيس لقيادة “داعش”، بعد انهيار البنية الأساسية للتنظيم في العراق وسوريا. يتمتع الفرع الأفغاني بقدر كبير من التماسك التنظيمي والتعصب الايديولوجي، اللذين يحميانه من الانشقاقات، فضلا عن قدرته على امتصاص الضربات، واشدها، ضرب الأميركيين مواقعه في منطقة ننجرهار قرب الحدود الباكستانية، في نيسان/ أبريل 2017.

ويمتلك التنظيم هيكلاً تنظيمياً متماسكاً، يعمل بآلية محددة، جعلته لا يتأثر باغتيال قادته الكبار، الواحد تلو الآخر، ويعود أقوى من السابق وأشد خطراً وفتكاً. واظهرت “ولاية خراسان” قدرة على احكام  قبضتها على مناطق سيطرتها، وتطبيقها الصارم لاحكام الشرعية ونظام التعليم الديني، وتقديم الخدمات للسكان المحليين، فضلا عن منعها ومحاربتها زراعة وتجارة المخدرات التي كانت تشجعها حركة “طالبان”.

وكان “أبو محمد العدناني”، المتحدث باسم تنظيم “داعش” قد أعلن قيام ولاية “خراسان” في 26 كانون الثاني/ يناير 2015. وقد تشكل التنظيم عند نشأته من عدة مجموعات مقاتلة، بينها مجموعة منفصلة عن حركة “طالبان”، وأخرى من حركة “أوزبكستان الإسلامية”، التي تضم مقاتلين من دول آسيا الوسطى، القوقاز، وإقليم الأيغور الصيني. وبعد سنة من اعلانه، صنّفته واشنطن منظمة إرهابية، وبرغم أن التنظيم يتقدم ببطء، ألا انه يتحرك بخطى ثابتة.

ويسجل للتنظيم “الخراساني” شنّه عشرات الهجمات الإرهابية وأبرزها الهجوم على المستشفى العسكري في كابول في أذار/مارس 2017، والهجوم الانتحاري الذي استهدف المحكمة العليا في العاصمة الأفغانية، في شباط/ فبراير 2017. وكذلك مهاجمة السفارة العراقية، واخرها الهجوم على جامعة كابول، الامر الذي جعله يشكل كابوساً للجميع.

وبرغم ان عديد “الخراسانيين” اقل بكثير من عديد “طالبان” و”شبكة حقاني”، الا انهم  يتمتعون بخبرة قتالية عالية، نظراً الى ان بعضهم  كانوا مقاتلين سابقين في “طالبان”، والى وجود مقاتلين اجانب من اسيا من المتمرسين في حروب الكر والفر.

ويتمتع التنظيم بانتشار جغرافي في المنطقة القبلية الباكستانية، وولاية ننجرهار، وبعض مناطق ولاية كونر، وحتى المناطق التي لم يتمكن من تثبيت أقدامه فيها، من خلال الوجود العسكري، مثل ولاية هلمند وفراه، علما انه يستند فكريا الى منهجين: منهج السلفيين الجهاديين، ومنهج جماعة “إشاعة التوحيد” التي تركزعلى محاربة الأضرحة وبعض البدع. وتوغلت أيديولوجيته في التعصب المذهبي مركزاً على تكفير الاقليات وخصوصا الشيعة الهزارة الذين طاولهم بهجمات شملت النساء والاطفال والمساجد والحسينيات.

اذا صدقت الروايات عن دعم الحكومة الأفغانية لـ”ولاية خراسان”، لصالح أجندة أميركية متعلقة بخلافاتها مع حلف (باكستان-الصين)، فانها تقود الى واشنطن نفسها، التي يضيرها ان تسعى الصين بالتعاون مع باكستان وروسيا وايران، الى ملء الفراغ بعد الإنسحاب الاميركي، لا سيما في ضوء وجود روابط بين جماعات من “طالبان” وكل من الروس والإيرانيين والباكستانيين

وسعى “داعش” الافغاني منذ ظهوره، إلى اتباع أساليب دعوية جديدة، وغير تقليدية، سيرا على خطى “التنظيم الأم” في العراق وسوريا، فأنشأ اذاعات محلية، مثل “إذاعة الخلافة”، التي كانت تبث بالعربية، والبشتونية، والفارسية قبل أن يدمرها الطيران الأميركي فى تموز/ يوليو 2016، كما تمكن من إنشاء ترددات إذاعية جديدة فى المناطق الشرقية والحدودية مع باكستان، يبث عبرها تسجيلات ودروس عقائدية باللغات المحلية، مما جعله قادراً على استقطاب مئات الشباب في تلك المناطق.

لم يكتف تنظيم “خراسان” بالدعم الذي كان يقدمه له “داعش الأم”، أو بمصادر التمويل التقليدية التي تعتمد غالباً على أموال التبرعات والزكاة والهبات والصدقات، وإنما سعى منذ بدايته إلى تعدد مصادر تمويله، وذلك من خلال فرض الضرائب في مناطق نفوذه، إضافة إلى فرض الإتاوات والرسوم على المهربين والمزارعين والتجار، لا سيما الذين ينقلون الفواكه من الجبال في شرق أفغانستان، يضاف إلى ذلك تجارة الأخشاب والحيوانات. وهذا ما جعل التنظيم يتمتع بوضع مالي مريح مكّنه من الإنفاق الجيد على مقاتليه، حيث إن متوسط راتب الفرد داخل التنظيم يقترب من 300 دولار، في حين أن متوسط الرواتب في حركة “طالبان” 100 دولار.

وكانت الانشقاقات المتكررة داخل حركة “طالبان” قد أسهمت في توجه أعداد من المقاتلين الطالبانيين الى “داعش”، لاعتقادهم أن الانقسامات هي نتيجة الصراع على السلطة، الامر الذي صار يمثل تشكيكاً في نهج الحركة لدى العديد من أفرادها، وأسهم في ذلك اتهام “داعش” للحركة بتقديم المصالح السياسية على الثوابت الشرعية، وذلك عبر مجلة “دابق”، التي كانت قد اتهمت “الملا عمر” بتبني مفاهيم “مشوهة” عن الإسلام، بسبب وضعه القانون القبلي فوق الشريعة، وقبول الاعتراف بالحدود الدولية، مما سمح للتنظيم بالحصول على عدد من المقاتلين المحترفين من أصحاب الأفكار المتطرفة.

وقد استفاد تنظيم “ولاية خراسان” من تردي الأوضاع الأمنية والسياسية الهشة في أفغانستان لأجل تدعيم قدراته، وتوسيع نفوذه ونشاطه، حتى صار يشكل خطراً حقيقياً لا يقتصر على هذا البلد بل يمكن الانطلاق منه لتهديد دول الجوار.

إقرأ على موقع 180  السعودية زعيمة "G20".. وأسيرة اتهامات التسلح والتجسس

ويعتقد محللون كثر أن الدعم السري الذي تقدمه المخابرات الأفغانية قد يكون السبب وراء قدرة تنظيم “داعش-ولاية خراسان” على الصمود، ويعزون السبب الى حاجة حكومة أشر غاني الى خصم قوي يقف في مواجهة حركة “طالبان” الطامعة بالعودة الى الحكم باسرع وقت ممكن، وان من شأن اقتتالها مع “داعش” اضعافها وشل قدراتها في معاقلها الافغانية.

واذا صدقت الروايات عن دعم الحكومة الأفغانية لـ”ولاية خراسان”، لصالح أجندة أميركية متعلقة بخلافاتها مع حلف (باكستان-الصين)، فانها تقود الى واشنطن نفسها، التي يضيرها ان تسعى الصين بالتعاون مع باكستان وروسيا وايران، الى ملء الفراغ بعد انسحاب القوات الاميركية، لا سيما في ضوء وجود روابط بين جماعات من “طالبان” وكل من الروس والإيرانيين والباكستانيين، وصلت إلى مستوى التسليح لا مجرد التبادل المعلوماتي فقط، وهو ما يمثّل تهديداً مباشراً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها، لذا لا تمانع الأخيرة بزرع لغم للحلف الجديد في الجسم الأفغاني، عبر بث السم الداعشي فيه، وهو الاشد فتكاً في الاجسام الصينية والروسية والايرانية و”الطالبانية”. كما ان اي اضعاف لنفوذ باكستان والصين في أفغانستان هو تعزيز لموقع عدوتهم اللدود الهند، التي تسعى واشنطن بتحالفها معها الى لجم الطموح الاقتصادي لبكين وحُلم طريق الحرير، وعدم السماح لها بموطئ قدم جديد على حساب حلفائها القدامى.

وعليه، فان روسيا تخشى لجوء واشنطن إلى إستغلال التنظيم لنقل المعارك والاضطرابات من أفغانستان إلى دول آسيا الوسطى التي تعتبر بمثابة بطنها الرخو، ومثلها الصين التي تخشى منه على  منطقة سيكيانغ الشرقية، لأسباب سياسية واقتصادية، لا سيما أن التنظيم يخطِّط لضم تلك المناطق إلى حدود دولته باعتبارها “تركستان الشرقية”، ومن شان خيار أميركي كهذا أن يعطي التنظيم فرصة للتمدد والانتشار والتخريب. وآنذاك قد تلجأ إسلام أباد إلى إستبدال ورقة “طالبان” بورقة التنظيم حتى لا تكون أكبر الخاسرين في أفغانستان وشبه القارة الهندية.

في كل الأحوال، وبرغم التطبيل للسلام الموعود، يطل كابوس جديد على سكان البلد المسكون بشبح المعاناة، حيث يخشى الأفغان حرباً أهلية جديدة على غرار تلك التي أعقبت الإنسحاب السوفياتي قبل أكثر من ثلاثين عاماً حين إنتهى إحتلال لتبدأ حرب أهلية إنتهت بإحتلال آخر!

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  لقاء الفاتيكان اللبناني.. صلاة وعتب ومبادرة؟