لبنان ليس أفغانستان.. السعودية ليست أميركا

يقول وزير خارجية لبنان الأسبق فؤاد بطرس في احدى المقابلات التلفزيونية إن أحدهم سأل وزير خارجية دولة خليجية في مطلع الحرب اللبنانية لماذا لا تتدخلون لوضع حد للحرب، فكان جواب الوزير الخليجي ان لبنان مثل شخص مرمي على ارض رخامية مليئة بالصابون فيخاف احد ان يتدخل لرفعه فيسقط الجميع معه وفوقه.

هذه العبارة تعكس الى حدٍ كبير حساسية الواقع اللبناني بتداخلاته الخارجية والمحلية، فتكون النتيجة أن لبنان أشبه ما يكون بساحة تناقضات وصراعات وإلتقاءات في آن معاً.. هناك الدول والمحاور والطوائف و”ارض السلام” و”ام المعارك”. من بين هؤلاء، كان الخليج العربي، وتحديداً السعودية، حاضراً في لبنان منذ الإستقلال حتى الأمس القريب. فقط في السنوات الست الأخيرة، ثمة غياب حد الإهمال، وهو أمر غير مألوف، والأفدح أن اللبنانيين لم يتكيفوا معه ولا سيما أبناء الطائفة السنية الذين كانوا يحظون برعاية وإهتمام أهل الخليج لأسباب متعددة، بينها البعد الديني ـ السياسي المرجعي، لما تحتله السعودية من مكانة دينية وسياسية على صعيد المسلمين في العالم وليس فقط في لبنان.

من يحتاج إلى من؟

لبنان – وعكس ما يُقال الان – هو حاجة لدول الخليج، سياسياً وثقافياً وعلمياً وربما اقتصادياً. والخليج حاجة اساسية وحيوية للبنان وهذا من المسلمات والبديهيات. شاءت السعودية ام أبت. تراجعت عن دورها ام لم تتراجع. دورها في لبنان فُرض عليها وليس العكس. لبنان اسهم من خلال جامعاته ونخبه بالحداثة والتطور على صعيد المنطقة. هو الرأسمال البشري اللبناني الموزع في أربع رياح الأرض.. وما نشهده في أيامنا هذه من نزف وهجرة ادمغة وكفاءات واصحاب خبرات الى الخارج ولا سيما دول الخليج خير شاهد على ذلك..

بعد إغتيال رفيق الحريري، في شباط/فبراير 2005، شهدنا إندفاعة سعودية، ترجمت رعاية سياسية لعائلة الرئيس الشهيد، حتى أن المملكة كان لها حق أن تقرر من يكون الوريث في العائلة نفسها. هذا المسار إستمر متصاعداً حتى العام 2011 عندما قررت السعودية القيام بخطوة إلى الوراء، قبل أن “تستدعي” زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري إلى الرياض، ويقيم فيها بما يشبه “الإقامة السياسية الجبرية” طوال سنوات، فكانت النتيجة أن السعودية – القوة العربية الأولى – تتحمل وزر ما آلت اليه امور لبنان من سقوط سريع في الحضن الايراني، وذلك بسبب انكفائها عن لعب دورها الطبيعي ليس في لبنان وحسب بل في العديد من بلدان المنطقة بسبب “النقزة” السعودية من “الربيع العربي”، وما حمله من رياح تغيير في تونس ومصر بداية، وهما الدولتان اللتان تربطهما ـ وقيادتهما السابقة ـ علاقات تاريخية دافئة مع المملكة. زدْ على ذلك “نقزة” المملكة من “الإسلام السياسي” وحذرها من تداعي النظام الرسمي العربي.. هذا الإنكفاء السعودي إرتد سلباً على التوازن ليس فقط على الصعيد الداخلي اللبناني ولكن ايضاً على صعيد النفوذ الاقليمي للمملكة.

إذا كانت حجة السعودية ان الزعامات السياسية اللبنانية فاسدة وتستحق العقاب، فهذا أمر يتفق عليه كثيرون في الداخل والخارج. رب قائل أن السعودية كغيرها من الدول التي دعمت لبنان وإحتضنته منذ الطائف حتى يومنا هذا وهذا يعني أنها مسؤولة إلى حد ما عن رعاية هذا الفساد وربما تكبيره

في علم الحروب او المنطق حتى، يعني الانسحاب امام العدو اعطاء الارض له. في العام 2011، عندما قررت المملكة الإنكفاء و”إبعاد” الحريري عن بلده، إنما كانت تطلق يد ايران في لبنان، فكان من الطبيعي أن نجد حزب الله يقرر الإنخراط في الأزمة السورية، فيما كانت أذرع إيران تتمدد في العراق وسوريا واليمن وصولاً إلى إصابة الأمن القومي السعودي في الصميم في قلب المملكة نفسها.

انا لست من المدافعين عن سعد الحريري واصلاً لا يعنيني أمره لا اليوم ولا مستقبلاً، ولكن قرار المملكة بإضعافه لا بد وأن يرتد سلباً على السعودية. لا يمكن للسعودية ان تنكفئ منذ وصول ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية في لبنان من دون أن تصاب هي بالضرر ليس لبنانياً إنما على صعيد سياستها الخارجية ونفوذها الاقليمي. فلبنان واللبنانيون ليسوا كلهم ميشال عون ولا معظمهم ينتمي إلى حزب الله. ولكن على صانع القرار السعودي ان يميّز  بين السياسة والمشاعر. ويبدو انه يريد فقط انتصارات قصيرة الامد ستكون حتماً نتائجها كارثية على المديين المتوسط والبعيد.

ما يُمكن أن يُستدرك اليوم يُصبح أصعب في المستقبل. استرداد النفوذ الاقليمي ليس مسألة قرار. هو تراكم. ومن اصعب الامور أن يتصور صانع القرار السعودي أن الدور الاقليمي التاريخي للمملكة يسترد بشحطة قلم، كما شُطَب ـ للأسف ـ بشحطة قلم.

إذا كانت حجة السعودية ان الزعامات السياسية اللبنانية فاسدة وتستحق العقاب، فهذا أمر يتفق عليه كثيرون في الداخل والخارج. رب قائل أن السعودية كغيرها من الدول التي دعمت لبنان وإحتضنته منذ الطائف حتى يومنا هذا وهذا يعني أنها مسؤولة إلى حد ما عن رعاية هذا الفساد وربما تكبيره.

إقرأ على موقع 180   17 تشرين كان أهم فرصة... لكنكم منعتموها يا سماحة السيد!

نعم، لقد اضر سعد الحريري كثيراً بالسعودية ولقد اضر حزب الله في المملكة. لكن ان يُعاقب (ولا اعني الحصار الاقتصادي كما يصوّره البعض لان الازمة الحالية ليست نتيجة حصار انما هدر وفساد) اللبنانيون كلهم بسبب شخص او حزب او سياسة، فهذا إستهداف لاصدقاء السعودية في لبنان قبل خصومها.  ان يُترك اللبنانيون، من كل الطوائف والمذاهب ـ وليس فقط المسلمون السنة ـ يصارعون وحدهم هيمنة ايران بعدما وقفوا الى جانب المملكة في صراعها مع ايران، فهذا ظُلم بحق قسم كبير من الشعب اللبناني غير القادر والذي لا حول ولا قوة له.

فشل الخطط لا يُبرر الانسحاب. وفشل حلفاء المملكة لا يبرر العزل المفروض عليهم. كان من الاجدى البحث عن حُلفاء جدد او تغيير الخطط وليس رمي علاقة عمرها من عمر لبنان في سلة المهملات بسبب اخطاء ارتكبها اشخاص منها ما يتعلق في القرارت ومنها ما يتعلق بالتطبيق.

يمكن ان يكون دور ومشروع لبنان في المنطقة قد مر عليه الزمان. ويمكن ان يبرر البعض بأن الاحداث التي عصفت بلبنان جعلته ضعيفا حد الموت السريري.

لبنان دفع فواتير الصراعات الاقليمية وتحمل تبعاتها. ساهم اللبنانيون في بناء الجوار العربي عندما كان لبنان تحت الدمار والنار. لبنان حارب من اجل الجميع ودفع ضريبة كبيرة بالنيابة عن الجميع، لكن أن يُترك اللبنانيون يواجهون سطوة السلاح كما تُرك الافغان أسرى حكم طالبان وان تُشرع سياسة التراجع الاميركية وتُصبح جزءاً من سياسة الدول، ذلك يعني ان سقوط لبنان هذه المرة سيكون سقوطاً للمنطقة ووزير الخارجية الخليجي السابق أدرى بذلك.

Print Friendly, PDF & Email
هاني عانوتي

باحث، أستاذ جامعي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180   لبنان بين الثورة والانقلاب