هل تسعى إسرائيل لتأسيس منتدى ثلاثي مع الأردن ومصر؟

لا تنظر تل أبيب بإرتياح إلى التقارب الأردني العراقي المصري القابل للتوسع ليشمل سوريا ولبنان مستقبلاً. من هنا يأتي اقتراح تتبناه دراسة إسرائيلية بإنشاء منتدى عسكري سياسي أردني مصري إسرائيلي لمناقشة التداعيات الاقليمية للقضايا التي تقلق هذه الدول الثلاث وفقاً للمتغيرات الإقليمية الأخيرة.

بعد أن تشير الدراسة الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إلى الظروف الأردنية الداخلية الأخيرة، مثل الأزمة الاقتصادية المستمرة، وأزمة الأمير حمزة التي عرفت بـ”قضية الفتنة”، وغيرها من الأحداث التي شهدها الأردن، تتطرق (جاءت تحت عنوان “الأردن 2021: هنالك مسببات للقلق، لكن لا داعي للذعر”) إلى وضع الأردن الإقليمي والدولي.

تقول الدراسة التي أعدها عوديد عيران بأن العلاقات الأردنية – الأميركية تدهورت وخصوصاً خلال فترة إدارة دونالد ترامب إذ وصلت “إلى نقطة منخفضة”، على حد تعبير الدراسة التي تُذكّر بفترة الأعوام 1990-1991 عندما دعم الملك حسين الرئيس العراقي صدام حسين إثر إحتلال العراق للكويت.

وتشير الدراسة هنا إلى اقتراح إدارة ترامب “صفقة القرن” لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الأمر الذي يعني استمرار حكم إسرائيل لثلث أراضي الضفة الغربية وكل القدس، الأمر الذي ترك الملك عبدالله الثاني بلا خيار أمامه سوى مواجهة الرئيس الأميركي. إشتدت المواجهة عند التوقيع على “اتفاق ابراهام” في البيت الأبيض، ما ترك الأردن (وأيضاً الفلسطينيين) وحيدين في مواجهة خطة ترامب.

وهنا تتطرق الدراسة إلى قضية مهمة وهي أن “الملك عبد الله الثاني بلا شك قد درس الخريطة الجيواستراتيجية ونوايا واشنطن في المنطقة، التي ظهرت فعلياً في السنوات الأولى لإدارة باراك أوباما، عبر تركيز جهود الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية في المحيط الهندي والهادي، وبدأ أوباما البحث عن بدائل (في منطقتنا)، حتى وإن كانت جزئية”.

ولم تغفل الدراسة “توتر العلاقات بين الملك [الأردني] ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو كما بين الأردن وإسرائيل في سلسلة من القضايا، تم خلالها استبعاد التفكير حول ترتيبات شراكة إقليمية تضم الأردن وإسرائيل”.

وقبل الوصول إلى نتيجة الدراسة، فإنه من غير الممكن إغفال دولتين على درجة عالية من الأهمية وهما؛ العراق وسوريا، فتتطرق الدراسة للمتغيرات الأخيرة في العراق، فتشير إلى “تعيين حكومة تتصف باستقلال متزايد عن إيران – إضافة إلى ذلك التقارب السياسي والجغرافي الذي خلق أساساً للتعاون الاقتصادي والسياسي بين مصر والأردن والعراق، والتي ربما لا تقدم نتائج اقتصادية ضخمة لكنها ستمنح الأردن مكانة كلاعب إقليمي”.

وقبل أن ننتقل إلى أي نقطة تالية، علينا أن نضع خطين تحت عبارة الدراسة التي تقول آنفاً “لكنها ستمنح الأردن مكانة كلاعب إقليمي”. هنا علينا ألا ننسى حراجة الوضع الإقليمي الذي وُضع فيه الأردن بعد توقيع “اتفاق أبراهام” بين إسرائيل والإمارات والبحرين وأميركا (إنضمت إليهم لاحقاً دولتا المغرب والسودان)، وهو تطور أدى تلقائياً إلى إضعاف دور الأردن الإقليمي، ولو لم يعلن ذلك صراحةً.

يختم عوديد عيران دراسته قائلاً “في النتيجة، هنالك سبب لدى إسرائيل للقلق من الأحداث في الأردن، لكن لا يوجد سبب للذعر. الأحداث في الأردن مقلقة لأنه حتى التقويض الهامشي لاستقرار المملكة سيكون له عواقب طويلة وقصيرة المدى على العلاقة بين الدول”

وفي العودة إلى الظروف التي بدأت تجعل من الأردن لاعباً إقليمياً في الآونة الأخيرة، تشير الدراسة إلى “أنه يجب تقييم التعاون المتنامي بين مصر، الأردن، سوريا ولبنان ومحوره توفير الغاز الطبيعي والكهرباء للبنان وسوريا”.

في تشرين الأول/أكتوبر (الحالي)، تم فتح الحدود بين الأردن وسوريا، وحدثت لقاءات اقتصادية بين البلدين على مستوى الحكومة والقطاع الخاص، وتستذكر الدراسة لقاء رئيس الأركان الأردني ووزير الدفاع السوري في 19 أيلول/ سبتمبر الماضي، ومن ثم الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الملك عبد الله الثاني والرئيس السوري بشار الأسد.

وهنا اعتبرت الدراسة أن هذا الإنفتاح الأردني ـ السوري “إنما يرمز إلى تغير نهج النظام الأردني حيال دمشق”. وتضع الاتصال الهاتفي الذي تم بين وزير الخارجية الأردني ونظيره الإيراني، خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي في السياق ذاته، لا سيما وأنه يأتي بعد سنوات من عدم الاتصال بين البلدين، وتُعلق الدراسة على ما سبق “أظهر ذلك بشكل واضح التغير المتنامي لسياسة عمّان الاقليمية. ويجب أن يسبب هذان الاتصالان القلق لإسرائيل”.

ولم تغفل الدراسة في هذا السياق أهمية موضوع إعادة الإعمار في سوريا ولبنان للأردن من الناحيتين السياسية والاقتصادية، كما أنه وبرغم القلق الأردني حيال الوجود الايراني في سوريا وسيطرتهم على أجزاء منها، إلا أن الدراسة تؤكد أن التعاون مع سوريا يزوّد المملكة الأردنية بما يشبه بوليصة التأمين “ضد أي نشاط إيراني تخريبي في الأردن”، وتتخوف الدراسة من “احتمالية أن يتحول هذا الافتراض إلى وهم خطير”.

ولعل الأبرز في كل ما سبق، هو ما ترجحه الدراسة من أن “النظام الأردني أطلع الإدارة الأميركية على الخطوات المتوقعة ولم يتلق أي رد سلبي بهذا الشأن”، وتضيف الدراسة “ظاهرياً، أيضاً إسرائيل لا يوجد لديها سبب حتى تنظر إلى هذه الخطوات من منظور سلبي”.

إقرأ على موقع 180  "واشنطن بوست": كابول ليست سايغون 75.. إنها بيروت 83!

وبناء على ما سبق تستند الدراسة  إلى “التاريخ الذي يحمل في ثناياه العديد من الخطوات الاستراتيجية الخاطئة التي اتخذها النظام الأردني – مثل ارتباط الأردن مع دول عربية والذي انتهى بأضرار ضخمة للأردن”، وهنا تقول الدراسة “إذا كان هنالك حوار إستراتيجي شامل بين الأردن وإسرائيل، وهذا من الممكن أن يكون المجال المناسب لإجراء نقاش عميق حول عواقب تغير الموقف الأردني حيال سوريا”.

ومن هنا، تبدو اهمية اتفاق المياه بين الأردن وإسرائيل، الذي يعد حلقة الوصل بين البلدين في ظل هذه المتغيرات، فتقول الدراسة “التطور الإيجابي من وجهة النظر الإسرائيلية هو اتفاق المياه الذي تم توقيعه مع الأردن في 12 تشرين الأول/أكتوبر. وحسب الاتفاق، إسرائيل ستزود الأردن بـ50 مليون متر مكعب من المياه في السنة، مع وجود خيار بتمديد الاتفاق عامين آخرين”، إذ تصف الدراسة هذه الخطوة بأنه من شأنها “إزالة حجر عثرة وبعث الأمل في استمرار التعاون في القضايا الأساسية بين البلدين”.

وفي سياق التحديات التي يواجهها الأردن في الداخل، والمتغيرات في الوضع الإقليمي، يختم عوديد عيران دراسته قائلاً “في النتيجة، هنالك سبب لدى إسرائيل للقلق من الأحداث في الأردن، لكن لا يوجد سبب للذعر. الأحداث في الأردن مقلقة لأنه حتى التقويض الهامشي لاستقرار المملكة سيكون له عواقب طويلة وقصيرة المدى على العلاقة بين الدول”.

ويضيف عيران “الحوار الثنائي على أعلى المستويات بين اسرائيل والأردن والذي كان قد تم تجديده بعد تشكيل حكومة نفتالي بينيت، يحتاج أن يتواصل وأن تتم رعايته، حتى أن ذلك سوف يُمكّنُ من مناقشة القضايا الحساسة بانفتاح أكبر”.

ويصل إلى “بيت القصيد” عندما يقترح “إنشاء منتدى عسكري ـ سياسي ثلاثي مصري أردني اسرائيلي، يُمكّن الدول الثلاث من مناقشة التداعيات الإقليمية للقضايا التي تقلق هذه الدول الثلاث بشكل مباشر”، ويؤكد “أن المتغيرات الاقليمية تجيز هذه المبادرات وتجعلها متاحة وممكنة”.

هذا الاقتراح الذي تقدمه الدراسة في حال أخذته الحكومة الإسرائيلية في قادم الأيام ودعت إلى تنفيذه مع الأردن ومصر، سيكون محاولة لإسرائيل كي تجد لها مكاناً بين أشكال التعاون التنسيقي في المنطقة، إذ أن عملية السماح بمرور الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان، ستضم في الفترة المقبلة كلاً من لبنان وسوريا إلى التعاون التنسيقي الذي يشمل حالياً الأردن والعراق ومصر، وهذا من شأنه أن يقلق إسرائيل على ما يبدو.

وإذا أضفنا لما سبق أن توجه الأردن نحو العراق ومصر كان في ظل التقارب (العلني) الإسرائيلي ـ الخليجي، ومحاولة إضعاف دور الأردن في المنطقة، فإن قلق إسرائيل من التعاون التنسيقي الذي قد يشمل في قادم الأيام العراق وسوريا ومصر ولبنان والأردن، يعني أن تحالفها واقترابها من دول الخليج في هذا التوقيت لم يقدم لها الكثير ولا يعني الكثير في التوازنات الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلاً أكبر حول مكانة الخليج المتراجعة بعد فشل المشاريع الدولية والإقليمية التي كانت تتطلع إلى إسقاط الدولة السورية لا بل تدمير سوريا تماماً، وبالتالي تهديد مصالح روسيا في المنطقة.

(*) النص الأصلي بالإنكليزية على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي

Print Friendly, PDF & Email
عمان ـ رانية الجعبري

صحافية وقاصة من الأردن

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  رؤساء لبنان.. "كورونا كش برا"!