قراءة في إنتخابات المحامين.. “نقابتنا” حجر الأساس للتغيير   

حظي أداء المجموعات المعارضة في إنتخابات نقابة المحامين في بيروت يوم الأحد الماضي بتقييمات مختلفة وصولاً إلى إتهام تحالف "نقابتنا" الذي يضم عددًا من مجموعات 17 تشرين، بسوء التقدير والإدارة.

من الواضح أن مثل الإنتقادات أتت بالدرجة الأولى من مجموعات وناشطين هم إما ضمن “جبهة المعارضة” وإما على بعد خطوات منها. هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم عناء تقديم تحليل موضوعي لنتائج الانتخابات، بل أرادوا تسليط الضوء على سقوط المرشحين المدعومين من “نقابتنا” وتناسوا بالتالي سقوط مرشحي “جبهة المعارضة” ما عدا مرشحي حزب الكتائب. من هنا إرتأيت أنه لا بد من الوقوف عند بعض العناصر التي تميّز نقابة المحامين.

أولاً؛ لا يخفى على احد أن التصويت في نقابة المحامين هو تصويت شخصي قبل أن يكون سياسيًا. حتى في ذروة سطوة المنظومة السياسية الحاكمة على الحياة العامة في لبنان، لم تتمكن من السيطرة على هذه النقابة بل كان معظم أعضاء مجلس النقابة من المستقلين.. وإن كانوا من غير المعادين لتلك المنظومة. التصويت الشخصي وإن كان حاضرًا في أي انتخابات، إلا أن حجمه في نقابة المحامين أكبر بكثير بسبب طبيعة مهنة المحاماة. فمعظم المحامين يلتقون بشكل شبه يومي في قصور العدل ما يبني علاقات شخصية بينهم. أضف إلى ذلك ان مهنة المحاماة تحتم عليهم العمل مع بعضهم البعض. فالدعاوى يبت بها محامون متعددون من الأطراف المتنازعة، كذلك الأمر بالنسبة لإبرام العقود، أو لحل النزاعات.. من خلال هذا الالتصاق والعلاقة المصلحية، يستطيع كل محام تكوين إنطباعه عن مهنية وكفاءة كل مرشح، وينحاز عند التصويت لمن يعرفهم بدلاً من الجدد، ولو كانوا من الناشطين.

ثانيًا؛ فاز في الوصول إلى مجلس النقابة 6 أعضاء من أصل 9 ممن أسميهم “نادي الأعضاء”، وهم أربعة أعضاء في المجلس أصلاً (عماد مارتينوس، ناضر كسبار، إيلي بازرلي، وعبدو لحود) واللافت للإنتباه حصول الثلاثة الأول على 44% من أصوات المقترعين. الخامس هو وجيه مسعد عضو سابق في المجلس فيما مروان جبر إبن نقيب سابق، أي أنهم ينتمون مباشرة أو عبر العائلية إلى “نادي الأعضاء”.

يصح القول إن المحاميين فادي مصري وألكسندر نجار ليسا بعيدين كثيرًا عن هذا “النادي”. من يعرفهما يعلم أنهما من المعروفين في أوساط المحامين وتجمعهما علاقة وطيدة بأعضاء “النادي:. أضف إلى أن فادي المصري ناشط في الكنيسة الكاثوليكية ومنتسب الى حزب الكتائب منذ مدة بسيطة. أما مايا الزغريني فهي ربما الوحيدة من خارج هذا “النادي”، علمًا أن والدها محام ايضًا، وقد وصلت بقدرة حزب القوات اللبنانية، منتزعة المقعد من فادي بركات العضو السابق في مجلس النقابة أيضًا وبفارق بسيط بلغ 146 صوتًا.. ولولاها لكان جميع الفائزين بالعضوية من “نادي الأعضاء” أو من الملتصقين بهم.

في المقابل، لا أحد من مرشحي “نقابتنا” ينتمي إلى هذا النادي. بالرغم من العمل الوثيق الذي يربط كلًا من المرشحَين لمقعد النقيب رمزي هيكل وموسى خوري بالنقابة والنقيب ملحم خلف تحديدًا، غير أنهما ليسا من ضمن هذا “النادي”. أذكر في حديث مع عدد من المحامين من أصدقاء ملحم خلف إصرارهم عليه عدم الترشح إلى مقعد النقيب منذ المرة الأولى. بالنسبة إليهم، كان المطلوب من ملحم خلف الوصول أولاً إلى مجلس النقابة (نادي الأعضاء) حتى يتمكن من بناء منظومة علاقات تؤهله للوصول إلى مركز النقيب بعد ســنتين!

أستعيد هذه الواقعة للقول إن ملحم خلف شكّل سابقة في القفز فوق “النادي” والترشح ـ قبل ثورة 17 تشرين ـ رافضًا دعم أي مجموعة سياسية. صحيح أن جو الثورة ساعده في النجاح غير ان حملته لم تكن يومًا مبنية عليها. الثورة تبنت ملحم خلف عن حق، غير أن الأخير قام بحملته مستندًا إلى قربه من “نادي الأعضاء” (وهو نسيب نقيب سابق) وإلى حيثيته الخاصة، وبالتالي لا يجوز إسقاط معادلة أن ثورة 17 تشرين “أوصلت ملحم خلف في 2019 فيما سقطت في 2021”. هذا الإسقاط غير دقيق وليس في محله..

ثالثًا؛ تُظهر نتائج التصويت ارتفاع عدد المقترعين عما كان عليه في 2019، أي بعد أسابيع من بداية ثورة 17 تشرين، فيما كان متوقعًا إنخفاض النسبة بسبب مناخ الإحباط العام وكلفة النقل.. وهذا دليل على قدرة بعض الحملات لا سيما “نقابتنا”، وأحزاب المنظومة على تحفيز عدد لا بأس به من الحضور والتصويت.

رابعًا؛ برزت ظاهرة تصويت المقترعين لعدد أكبر من المرشحين، وهذه نقطة لافتة للإهتمام تفسر أمورًا أخرى. فقد صوّت كل مقترع إلى 6.3 من المرشحين من أصل 9 متاحين، أي تم التصويت لـ 70% من المقاعد. وفي حال أخذنا المرشحين على مقعد النقيب فقط، يتبين أن كل مقترع صوت لـ 2.1 من بين المرشحين لمقعد النقيب، فيما لم تتعدَ 2.5 من أصل 5 مقاعد متاحة أي 50% في الإنتخابات السابقة. يعني ذلك أن من يود إيصال مرشح أو إثنين أو ثلاثة من أصدقائه ومعارفه يتوقف عند هذا الحد لأن أي تصويت لشخص رابع يضع الثلاثة الأول في خطر السقوط لمصلحة المرشح الرابع، أي كلما صوّت المقترع لعدد أكبر من المرشحين كلما إعتبر أنهم سواسية بالنسبة إليه.

أسست “نقابتنا” لأول عمل نقابي مغاير لتقاليد النقابة. ستعمل “نقابتنا” مع النقابة الجديدة كما عمل ناشطوها بجهد طوال السنتين الماضيتين وميّزوا عهد ملحم خلف. هذا المجلس الجديد لنقابة المحامين سيجد في “نقابتنا” شريكًا حقيقيًا في إستمرار دور النقابة في التحقيق في إنفجار المرفأ، وفي حماية أموال النقابة وفي سائر اللجان التي تتطلب متطوعات ومتطوعين متفانين

أنطلق من هذه العناوين للقول بوجوب تحليل هذه النتائج بطريقة مختلفة. أضع تقديري لتوزع القوى بين أربعة فرقاء، علمًا أن هذا التوزيع مبسط ويفرض توزيع جميع الناخبين عليه فيما هناك قوى أخرى دعمت إحدى هذه المكونات. تم بناء هذا التوزيع وفق هذه الملاحظات:

إقرأ على موقع 180  أردوغان يلعب بنار البحر الاسود.. و"اليسار الأتاتوركي" يرد

1. حصل كل من عماد مارتينوس (1891)، ناضر كسبار (1888)، وإيلي بازرلي (1839) على 43% من الأصوات بأرقام متقاربة جدًا. جميعهم من الأعضاء الحاليين في المجلس ومن المستقلين (عماد مارتينوس مدعوم من “جبهة المعارضة”). واحد من الثلاثة مرشح إلى مقعد النقيب (كسبار). لا يمكن أن يحصل كل من هؤلاء على 43% من الأصوات من دون تنسيق في ما بينهم. إفتراض تحالفهم منطقي جدًا.

  1. حصل عبدو لحود على 1539 صوتًا فيما حصلت رفيقته في حزب القوات اللبنانية مايا الزغريني على 1156 صوتًا. أما في التصويت لمركز النقيب، فقد حصل لحود على 1035 صوتًا، أي أقل بـ504 أصوات، ما يظهر أن “النادي” جنح لناضر كاسبار بدلاً من الحزبيين.
  2. انخفض عدد المقترعين لكاسبار بـ 358 صوتًا في المرحلة الثانية. هذا الأمر ملفت جدًا للإنتباه. للمقارنة، إرتفع عدد المقترعين لملحم خلف من 2062 صوتًا إلى 2431 صوتًا في 2019. ماذا يعني إنخفاض المقترعين لعبدو لحود ولناضر كسبار في الوقت عينه سوى أن عددًا ممن اقترع لهما لا يهمه إن وصل الأول أم الثاني، خاصة أن كسبار حصل في المرحلة الثانية على أصوات لا بأس بها من مؤيدي “نقابتنا”، مما يوسع هامش من لم يستمر في الاقتراع له. هذا يعني ان مؤيدي “نادي الأعضاء” ليسوا على خلاف مع عبدو لحود (عضو “النادي” أيضًا) ولو كان مرشحًا حزبيًا.
  3. جنوح مؤيدي “نقابتنا” إلى المرشح لمقعد النقيب موسى خوري تجلى في حصوله على 772 صوتًا مقارنة بـ 525 صوتًا فقط لرمزي هيكل. كثر من مؤيدي “نقابتنا” صوّتوا للإثنين ويمكن إعتبار ما حصل عليه موسى خوري هو الأقرب لمؤيدي “نقابتنا”، غير أن الحملة التي شنتها مجموعات معارضة ضد رمزي هيكل أضعفت صورة “نقابتنا” الحديثة الولادة في نقابة من أكثر النقابات تحفظًا.

في حال إعتبار ان القوات اللبنانية و”نقابتنا” وحزب الكتائب لم يتبادلوا الأصوات في ما بينهم، يكون السؤال الأساس أين صبّت أصوات حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل؟

مع إقتراع كل محام لـ70% من المقاعد المتاحة، تبدو الصورة واضحة بدعم أحزاب السلطة مجتمعة “نادي الأعضاء” لمنع وصول أي من مرشحي “نقابتنا” (راجع الجدول أدناه).

القوى الأصوات الصافية المقدرة النسبة من الإجمالي
تحالف نادي الأعضاء(الثلاث الأول) 1873 43%
القوات اللبنانية 1035 24%
نقابتنا 772 18%
المتبقي 650 15%

أين مرشحي حزب الكتائب فادي مصري والكسندر نجار من هذه المعادلة؟

الثلاثة الأول من “نادي الأعضاء” كانت أرقامهم متقاربة جدًا ولديهم مرشح لمركز النقيب (انسحب له الكسندر نجار علمًا أنه حصل على 599 في المرحلة الثانية قبل انسحابه). أما القوات اللبنانية فلها مرشح لمركز النقيب ولن تعطي مرشح حزب الكتائب.

لو تحالفت “نقابتنا” مع حزب الكتائب هل كانت لتفوز في المعركة؟

من السهل القول نعم. فعليًا لا. أولاً؛ لأن من صوّت لموسى خوري ولم يصوّت لرمزي هيكل لن يقبل أن يصوت لـ”نقابتنا” مع وجود الكتائب. كذلك لم يحصل أي من مرشحي “جبهة المعارضة” من حلفاء الكتائب على أي صوت منه. فالأصوات التي حصل عليها جورج يزبك تفوق تلك التي حصل عليها رمزي هيكل (يشبهان بعضهما سياسيًا) بـ 250 صوتًا حصل الأول على أكثريتها من ناخبي “نقابتنا”. السؤال: هل أن الكتائب لم تقبل أن تعطي أي صوت من أصواتها لجورج يزبك، أم أن الأصوات التي حصلت عليها مشروطة. في كلا الحالتين، فضّلت مجموعات وأحزاب الحراك التي إبتعدت عن الثورة الانسحاب من “نقابتنا” لتتحالف مع حزب الكتائب بدعوى توحيد الصفوف لكنها لم تنل الدعم المأمول.

السؤال الأهم هو هل لو بقيت جميع مجموعات وأحزاب الحراك وحدها في “نقابتنا” لكانت ربحت المعركة؟ هل كان بإمكانها خلق حالة ضرورية لتغيير سلوك الناخب في نقابة المحامين؟

مما لا شك فيه أن التأثير على 384 محامٍ من أصل أكثر من 7 آلاف ناخب ليس مستحيلاً. أما المستحيل فهو الإعتقاد أن مشروعًا تغييريًا مثل “نقابتنا” في اكثر النقابات محافظة يمكن ان يتم عبر تحالفات او مساومات.

هذه  المرة الأولى التي يقوم بها محامون ومحاميات، بينهم رموز المدافعين عن المتقاضين في جريمة تفجير مرفأ بيروت، في تأسيس مدماك تغييري يمكن البناء عليه. أما المغامرة بوحدة ثورة 17 تشرين وشق الصفوف فهذا خيار لن ينل سوى الهزيمة والخيبة.

أعلم أن هذه الخلاصة مغايرة لأغلبية التعليقات والكتابات، لكنني آمل أن تفتح نقاشًا يبني على تجربة أنا متأكد انها مستمرة عبر “نقابتنا” بدلًا من النظر بعين واحدة إلى نتيجة التصويت.

أما “نقابتنا” فقد أسّست لأول عمل نقابي مغاير لتقاليد النقابة. ستعمل مع النقابة الجديدة كما عمل ناشطوها بجهد طوال السنتين الماضيتين وميّزوا عهد ملحم خلف. هذا المجلس الجديد لنقابة المحامين سيجد في “نقابتنا” شريكًا حقيقيًا في إستمرار دور النقابة في التحقيق في إنفجار المرفأ، وفي حماية أموال النقابة وفي سائر اللجان التي تتطلب متطوعات ومتطوعين متفانين في العمل ويحلم بوجودهم إلى جانبه أي نقيب مستقل لقطاع المحامين.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المسرح الإستراتيجي السوري: عقد من الحروب.. ولا ضربة قاضية!