روسيا وإيران.. مفترق طرق جيواستراتيجي معقد

تحاول روسيا جاهدة التنصل من مسؤوليتها في الحيلولة دون بلوغ قطار فيينا محطته الأخيرة بإعادة إحياء الاتفاق النووي الايراني.

كثرت في اليومين الماضيين تصريحات مسؤولين روس تتهم الغرب بمحاولة إحداث شرخ بين موسكو وطهران. لا بل بلغت حد توجيه اتهامات قاذعة مثل انهم “يلعبون لعبة قذرة” و”لا ضمير لهم”، في اشارة الى دول غربية تتهم موسكو بمنع التوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة 4+1.

حتى أن بعض الإعلام الإيراني ذهب إلى حد المقارنة بين لحظة فيينا الراهنة وبين لحظة العام 2015، عندما حاول الوفد الروسي في الأيام الأخيرة من المفاوضات عرقلة توقيع الإتفاق النووي، وعندما تعذر ذلك، غاب وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عن إلتقاط الصورة التذكارية الأخيرة، كما قال وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في التسجيل الصوتي الذي تم تسريبه له، عشية الإنتخابات الرئاسية في العام 2021.

ما مدى الصدق الروسي؟ وأين الخيط الأبيض من الأسود في تأخير اتفاق قيل إنه أنجز، فاذا بالغزو الروسي لأوكرانيا يؤخره لا بل يكاد يعطله؟

تشير المعلومات الآتية من عواصم غربية عدة الى ان زيارة وزير الخارجية الايراني حسين أمير عبد اللهيان الى موسكو في 15 آذار/ مارس الحالي كانت “فاشلة”، لأنها إكتفت بالتوصل إلى تفاهمات نظرية لا تعني الغرب بشيء، مثل ان الشركات والبنوك الروسية تستطيع التعامل مع ايران برغم العقوبات المفروضة عليها.

لا مصلحة لروسيا في التقارب الغربي الايراني. فذلك الانفتاح يمنح ايران موقعاً استراتيجياً في سوق الغاز وهي صاحبة اكبر مخزون عالمي. ما قد يُعجل في استغناء اوروبا عن الغاز الروسي، خصوصا ان روسيا ستقبع تحت العقوبات في مدى سنوات طويلة قادمة. سيناريو انفتاح اقتصاد ايران على العالم يغدق على طهران ثروات لم تكن تحلم بها لولا الحرب الاوكرانية

برغم ذلك، تبادلت طهران وعواصم غربية اشارات الانفراج، مثل اطلاق سراح الصحافية الايرانية البريطانية نازين زاغازي راتكليف المتهمة بالتجسس، بالاضافة الى مواطن ايراني ـ بريطاني آخر. وتمكن الاثنان من مغادرة إيران مقابل الإفراج عن وديعة إيرانية في المصارف البريطانية تُقدر بأكثر من نصف مليار دولار. في المقابل، تسربت معلومات عن درس الولايات المتحدة الأميركية ازالة اسم الحرس الثوري الايراني من قائمة “الارهاب”، في ضوء المطلب الذي تمسك به الوفد الإيراني برئاسة علي باقري كني.

ليس خافياً أنه من مصلحة ايران التوصل سريعاً الى اتفاق لتستطيع الافادة من سنتين قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة، المرجح بعدهما عودة جمهورية الى البيت الابيض تضع الإتفاق النووي مجدداً في مهب الريح، كما فعل دونالد ترامب في 2018. سنتان كفيلتان بوصول إيران الى تحرير اصولها الثمينة وأموالها المليارية المحجوزة في الخارج وإبرام عقود تصدير نفط وغاز في سياق فورة الاسعار التاريخية لانعاش اقتصادها المختنق.

روسيا وايران تجتمعان في العداء للغرب، ولا تعتبرانه شريكاً صادقاً او موثوقاً . بالنسبة لايران، يعتبر الانسحاب من الاتفاق النووي المثال الساطع. اما روسيا فان مناورات الغرب واداته حلف شمال الاطلسي في شرق اوروبا هو المثال الساطع الآخر على عدم إحترام العهود والضمانات..

ايران وبصوت الراديكاليين وأولهم الحرس الثوري وبغطاء من المرشد علي خامنئي تُذكّر دائماً بذلك، وتتعاطى مع مصير المفاوضات ببرودة أحياناً كثيرة. الاصلاحيون الايرانيون من جهتهم يدعون الى تسريع الاتفاق ويظهرون تعاطفاً مع الاوكرانيين، ويُذكّرون بالتاريخ المؤلم لإيران مع “الامبريالية” الروسية منذ القرن الثالث عشر وحتى التاسع عشر عندما أوقع الروس هزيمة شنعاء بالقاجار الايرانيين مع اجبارهم على دفع تعويضات مذلة والتخلي عن مناطق في القوقاز.

ايران وروسيا تسعيان للعب أدوار استراتيجية في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي. عززا علاقاتهما خلال السنوات الماضية وتحالفا في سوريا مع نقطة ظل غامضة بقيت تسمح للطيران الاسرائيلي بقصف مواقع للايرانيين وحزب الله على مرأى ومسمع الردارات وغرف العمليات الروسية في عدد من مناطق سوريا. كما ان موسكو بقيت حذرة على صعيد تزويد إيران بأسلحة متطورة، ولم تنخرط الشركات النفطية الروسية في ايران التي تعتبر منافساً في مجال الطاقة عموماً والغاز خصوصاً.

في الحرب الأخيرة، لم تخرج ايران كثيرا عن الرواية الروسية لاسباب غزو أوكرانيا، صداً لحلف (الناتو) في تمدده الأوروآسيوي. “تمدد يهدد أمن الدول المستقلة واستقرارها”، كما يقول الاعلام الموالي للحرس الثوري في طهران. الا أن إيران لم تعترف  بانفصال دونيتسك ولوغانسك الاوكرانيتين واعلانهما جمهوريتين مستقلتين. وسبق ذلك عدم الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وتكرر الأمر في 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

لطالما كانت ايران متحفظة إزاء تدخلات روسيا في محيط دولها المجاورة، وهي متيقظة وحذرة دائماً من أي تهديد لوحدة أراضيها خوفاً من أحلام قد تراود الأقليات الكردية والبلوشية والأذرية فيها.

إقرأ على موقع 180  عالم بسياسات متصارعة.. وعرب بلا سياسة!

مع بداية 2020، وإثر اسقاط الحرس الثوري الإيراني، بالخطأ القاتل، طائرة تابعة للخطوط الجوية الاوكرانية، بردت العلاقات بين طهران وكييف، ما أعطى جرعة اضافية للتقارب الروسي ـ الايراني. من جهتها، نجحت روسيا في الحفاظ على توازن يمنحها أهلية استقبال مخزون اليورانيوم المخصب من الجمهورية الاسلامية.

ومع شبه إكتمال المفاوضات، فاجأت روسيا الوفود المفاوضة في فيينا بطلب حصولها على ضمانات أميركية في ألا تؤثر العقوبات الغربية على علاقاتها الاقتصادية مع ايران. طلب هذه الضمانات اساسي بالنسبة لموسكو في هذه المرحلة الاقتصادية الحرجة بفعل الحصار الغربي الخانق. تصر على ذلك من ضمن جهود اقليمية ودولية أخرى لكسر حلقات طوق العقوبات الغربية لا سيما تجارياً ومصرفيا بحيث تستطيع البنوك الروسية المُعاقَبَة والمطرودة من شبكة “سويفت” الدولية التعامل مع البنوك الايرانية، ما قد يؤخر اعلان التوصل الى اتفاق قريباً.

الشروط الروسية تتجاهل الوضع الاقتصادي الايراني المختنق في السنوات الأربع الأخيرة التي أعقبت إنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق، وتستخدم موسكو موقعها في توقيع الاتفاق من منظور خاص بها.

اليوم، علاقات البلدين عند مفترق طرق جيواستراتيجي متعدد الاتجاهات. فهل من مصلحة ايران أن تكون اسيرة معادلة روسية لا علاقة لها بها مباشرة؟.

وفي وقت ستحدد فيه نتائج الحرب في اوكرانيا خطوط نظام عالمي أمني جديد، وتوازن جيوسياسي مختلف كلياً عما قبل هذه الحرب، فهل ستختار ايران من الآن موقعها؟ أم أن حاجتها لاستقلاليتها أبقى لها ولحلفائها في الاقليم لا سيما معاداة اسرائيل التي يراعيها فلاديمير بوتين كما يراعيها الغرب وأكثر؟

قرار الولايات المتحدة بفرض حظر على النفط الروسي يدفعها الى فتح حوارات مع منتجين آخرين حتى لو كانوا خصوماً مثل ايران وفنزويلا. فطهران، وبمجرد رفع العقوبات عنها تستطيع ضخ كميات تعيدها الى اسواق الطاقة العالمية بجدارة.

اللافت للإنتباه ان الصين المتحدية للغرب أيضاً، حذرة جداً من الموقف الروسي من الاتفاق النووي، موقف قد ينسف الاتفاق بفعل عناد بوتين الذي لا حدود له، ويعطل مشاريع صينية ـ ايرانية بمئات المليارات تنتظر صافرة الانطلاق فقط

أما موسكو الآن، واكثر من أي وقت مضى، فلا مصلحة لها في التقارب الغربي الايراني. فذلك الانفتاح يمنح ايران موقعاً استراتيجياً ايضاً في سوق الغاز وهي صاحبة اكبر مخزون عالمي. ما قد يُعجل في استغناء اوروبا عن الغاز الروسي، خصوصا ان روسيا ستقبع تحت العقوبات في مدى سنوات طويلة قادمة. سيناريو انفتاح اقتصاد ايران على العالم يغدق على طهران ثروات لم تكن تحلم بها لولا الحرب الاوكرانية.

ما يجمع البلدان الآن سخرية قدر غربي يضعهما معاً تحت العقوبات، وهما منفيان من “الكونشرتو العالمي”، تعانيان على الصعيد الداخلي أيما معاناة برغم نفوذهما العسكري ـ السياسي.

اللافت للإنتباه ان الصين المتحدية للغرب ايضا، حذرة جداً من الموقف الروسي من الاتفاق النووي، موقف قد ينسف الاتفاق بفعل عناد بوتين الذي لا حدود له، ويعطل مشاريع صينية ايرانية بمئات المليارات تنتظر صافرة الانطلاق فقط.

باستطاعة ايران العودة الى المشهد العالمي بقوة اذا حصلت على الاتفاق الذي تريد. وتتضاعف آثار الاتفاق الايجابية بسرعة قياسية اذا ملأت الفراغ الذي تتركه روسيا في سوقي النفط والغاز. فبعد ان جرّبت طهران الاتجاه شرقاً ولم تحصد الغلة المناسبة بفعل تجنب الشركات الروسية والصينية مغامرة التعامل المباشر والصريح مع الشركات الايرانية خوفاً من العقوبات الغربية، ها هو الغرب يعدها حالياً بامكان عودة التجارة معه. فماذا تختار؟ اذا اختارت مصلحتها، يمكنها مع الولايات المتحدة تجاوز المناورات الروسية المعطلة للاتفاق التاريخي. هذا السيناريو الضئيل الحظوظ، اذا حصل سيشكل مفاجأة في الشرق والغرب معاً بتداعيات على دول الخليج والشرق الاوسط ولبنان ضمناً بطبيعة الحال.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إيران الإلكترونية تكتفي ذاتياً.. و"الحرب" تطال كل منشآتها