الحرس الثوري Archives - 180Post

801-6.jpg

معقدة هي العلاقة بين الحرب والمفاوضات. فأحيانًا ما يُستخدم التفاوض غطاءً سياسيًا أو تكتيكيًا لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، أو امتصاص الضغوط الدولية، بينما تدور رحى العمليات العسكرية في الميدان. وفي أحيان أخرى، تكون الحرب وسيلة ضغط على الطرف الآخر لإجباره على التفاوض، وإبداء مرونة، وتقديم تنازلات، فيما يسمى «التفاوض تحت النار». وفي الحالتين، تتناغم استراتيجية «الحرب من أجل التفاوض» مع الطرح الخالد للجنرال والمفكر الاستراتيجي البروسي الأشهر، كارل فون كلاوزفيتز، بأن «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى».

thb2-copy2.jpg

بعد عقود من العداء والمواجهات والعقوبات، تجد الولايات المتحدة وإيران نفسيهما أمام لحظة فارقة قد تكون مختلفة عن سابقاتها. فالصراع الذي لم ينجح أي طرف في حسمه بالقوة كشف حدود المواجهة وأظهر كلفة استمرارها. وهذا الجمود قد يتحول إلى فرصة لإعادة رسم العلاقة بين الطرفين، ليس عبر إنهاء الخلافات أو بناء تحالف، بل من خلال تسوية واقعية تقوم على إدارة التوتر واحتواء الأزمات، والاستفادة من تجارب تاريخية مشابهة مع خصوم سابقين، بحسب الباحث علي فايز في مقالة له في "فورين أفيرز"(*).

Iran-exit-plany.jpg

بعد التبادل الواسع للضربات بين أميركا وإيران، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، والتهديدات والنبرة غير الديبلوماسية التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وصفه للمسؤولين الإيرانيين، تبدّد الكثير من رصيد الجهود الديبلوماسية التي تلت التوقيع على مذكرة التفاهم في 17 حزيران/يونيو الماضي.

800-36.jpg

المصلحة المتبادلة، هي التي تتحكم بمسار مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية. وهذا ما يمنحها حصانة في مواجة الاختبارات التي تتعرض لها في مضيق هرمز أو في لبنان، أو عبر المواقف عالية السقوف التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو مسؤولون إيرانيون بين الفينة والأخرى، خدمة لأغراض داخلية، ليس إلا.

chess___mohamed_sabra.jpg

أفرزت الحرب الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية "تحوّلاً عميقاً في بُنية الدولة الإيرانية، إذ لم تعد السلطة حكراً على الجيل المؤسس، بل انتقلت تدريجياً إلى أجيال لاحقة أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة وأقل ارتباطاً بأيديولوجيا الثورة الأصلية"، حسب الكاتبين والي نصر ونرجس باجغلي، في مقالة لهما في "فورين أفيرز".

800-20.jpg

من يحكم إيران؟ يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طرح السؤال بين تصريحٍ وآخر، كأنّه يؤكد فعلًا أن طهران اليوم تسير من دون حاكم حقيقي، ومن دون قائد جديد. لعلّها رغبته في إثبات صحة ادّعائه الدائم بأنّه نجح في تغيير النظام. ولعلّها، أيضًا، رغبته في تحويل رفضه المعلن سابقًا لتولي مجتبى خامنئي سدّة الحكم إلى أمرٍ واقع.

800-1.jpeg

تستمر حرب إيران بوسائل أخرى. منها استعراض القوة بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، مع الإيحاء بالرغبة في التفاوض والعودة إلى إسلام آباد، ثم التراجع، واللجوء إلى جولة جديدة من التهديدات، واعتلاء سفينة من هنا وسفينة من هناك، في اختبار للقدرة على تحمل الضرر الناجم عن إغلاق المضيق والحصار البحري المفروض على الموانىء الإيرانية.

780.png

حين اهتزّ هرم السلطة في طهران في ربيع 2026، لم يكن صعود أحمد وحيدي إلى قمة الحرس الثوري حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار طويل لرجل لم يكن يوماً في الواجهة، لكنه كان دائماً في صلب القرار. لم يصل وحيدي لأنه الأكثر حضوراً، بل لأنه الأكثر معرفة بخفايا النظام، والأكثر تمرساً في إدارة الحروب التي لا تُرى.

Midterm-electiona-and-the-Iran-War.jpg

لم يفلح قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فجر أمس، بوقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في معالجة التناقض الاستراتيجي العميق الذي يعتري الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضدَّ إيران، وهو خللٌ لم تُبدِ أيٌّ من واشنطن أو تل أبيب استعداداً للاعتراف به على الملاً، ويتمثل في حقيقة أن الطرفين يخوضان الصراع ذاته مع طهران لأسباب متباينة جذرياً. والانتقادات الشديدة التي انهالت على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الداخل الإسرائيلي قبل غيره، والقول إن "زئير الأسد" تحول إلى "مواء القطط" يوضح بعضاً من هذا التباين.

CE089CA0-D350-4559-8415-412AED55A36E.jpeg

تُقدّم الدبلوماسية الأميركية السابق والباحثة في "بروكينغز"، سوزان مالوني، قراءة لمآلات الحرب الأميركية الإيرانية، من زاوية تمكن النظام الإيراني الجديد من البقاء على قيد الحياة. لذا، لا تتردد في القول إن طهران قد تربح الحرب لكنها قد تخسر السلام، فالجمهورية الإسلامية الثالثة بقيادة مُجتبى خامنئي ستواجه تحديات داخلية وخارجية في السنوات المقبلة، وإذا لم تتعامل معها بروح انفتاحية استيعابية، قد تكون النتيجة "زوال النظام"، على حد تعبير مالوني، في مقالتها المنشورة في "فورين أفيرز".