حرب أوكرانيا.. فرصة تركية لتحقيق مكانة دولية

منذ تسلمه السلطة في تركيا، وهو يبحث عن المكانة الدولية. قام رجب طيب أردوغان بكل ما يمكن القيام به خلال سنوات حكمه الطويلة: تنمية محلية، تعزيز شبكة علاقات بلاده إقليمياً ودولياً، تقديم مساعدات خارجية بالمليارات، تدخلات في دول عدة، حملات إعلامية ودبلوماسية كثيرة.. لكن ذلك كله وغيره لم يُثمر ما يريده رجل تركيا القوي، وهو نقل بلاده من دولة هامشية معنية بداخلها وشؤون إقليمها حصراً، إلى دولة ذات مكانة إقليمية ودولية.

حرّكت الحرب الروسية في أوكرانيا ركود العلاقات التركية – الغربية، وها هي أنقرة تسعى للاستفادة من موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في محيطها لتتحوّل إلى دولة معتبَرة وحاجة لكل من الأوروبيين، الروس والأميركيين على حد سواء. إن المكانة التي تسعى تركيا للحصول عليها تنبع بشكل أساسي من قدرتها على أن تكون دولة فاعلة في الأزمات العالمية، ومنها الأزمة الروسية – الغربية الراهنة.

الحرب فرصة تركية. فرصة للحصول على اعتراف دولي بأهمية أنقرة بالنسبة للأمن القومي الأوروبي، وكحارسة للبحر الأسود عبر مضائقه، وكعنصر أساسي وفعّال في المواقع الأمامية لحلف شمال الأطلسي (الناتو). أما ظروف العالم الغربي في ظل حالة الوهن الأميركية في التعامل مع روسيا ودول وقضايا أخرى، فقد عزّزت كلها من حاجة الغرب إلى تركيا.

قبل الحرب الأوكرانية، بدا كأن أنقرة تسعى لموازنة علاقاتها بين الغرب وروسيا، وتميل رويداً رويداً نحو موسكو. في السنوات القليلة الماضية، تفاهم الأتراك والروس، بحد أدنى، في سوريا، وتشابكت أياديهم، بشكل واضح، خلال الحرب الأرمينية – الآذربيجانية، كما تعاونوا في مشروع رفد تركيا بمنظومة S-400 الصاروخية الدفاعية الروسية. كل هذا التقارب الروسي – التركي لم يثمر اهتماماً غربياً بتركيا يعيدها إلى صف “الحلفاء القدامى”، إنما، على العكس من ذلك، راحت العلاقات التركية – الغربية تزداد سوءاً، وفي الوقت نفسه، تراجعت أهمية تركيا في عيون الغرب إلى حدودها الدنيا.

بهذا المعنى، إستجلبت الأزمة الأوكرانية فوائد جليلة لتركيا. فمع دخول أول دبابة روسية إلى التراب الأوكراني، راح الأوروبيون يطلبون، والأوكران يستنجدون إغلاق مضائق البوسفور والدردنيل أمام روسيا. تحوّلت تركيا من دولة هامشية على الصعيد الدولي إلى دولة يخطب الجميع ودّها. باتت تركيا “جزءًا من الحضارة الأوروبية والغربية”، حسب بعض أعضاء مجلس نواب الاتحاد الأوروبي، و”حليفاً أساسياً ومؤثراً ودائماً في حلف شمال الأطلسي” حسب الأميركيين، بالإضافة إلى سيل من الخطب والخطابات المُثنية على مكانة تركيا، موقعها المميّز، ودورها المهم.

اكتشف الغرب، وتحديداً الأوروبيون، أن الخطر الروسي هو الأكبر، وأن الإنزواء في القارة الأوروبية لن يُبعد الأخطار عنهم، ولا بد، بالتالي، من تنويع شبكة الأمان الأوروبية عبر إعادة الاعتبار للعلاقات الغربية – التركية، والتعامل مع تركيا ليس من موقع دولة حدودية مانعة للأخطار على القارة الأوروبية، بل بوصفها شريكاً استراتيجياً

أعاد “التحدي الروسي” التأكيد للأميركيين والناتو وأوروبا على أهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة للغرب. أهمية استراتيجية أكدت عليها أنقرة عندما منعت مرور السفن الحربية الروسية عبر المضائق التركية، تنفيذاً لمعاهدة مونترو، كما من خلال إطلاق وساطة سياسية بين الطرفين المتقاتلين، حتى وإن لم تستطع تحقيق نتائج ملموسة. لقد اكتشف الغرب، وتحديداً الأوروبيون، أن الخطر الروسي هو الأكبر، وأن الإنزواء في القارة الأوروبية لن يُبعد الأخطار عنهم، ولا بد، بالتالي، من تنويع شبكة الأمان الأوروبية عبر إعادة الاعتبار للعلاقات الغربية – التركية، والتعامل مع تركيا ليس من موقع دولة حدودية مانعة للأخطار على القارة الأوروبية، بل بوصفها شريكاً استراتيجياً يُعزّز من أمن أوروبا وقدراتها وتأثيرها إلى أماكن أبعد من حدودها الجغرافية.

في مقابل هذا الاعتراف بالمكانة والدور التركيين، ستسنح الفرصة لأنقرة لتكون أكثر جرأة وجسارة في الطلب من الغربيين أخذ مصالح أمنها القومي في الاعتبار، وتحديداً إعادة تفعيل الصفقة العسكرية مع الولايات المتحدة حول بيعها 40 طائرة من طراز إف 16، وتحديث 80 طائرة قديمة في حوزة أنقرة..

بدورها، تنظر موسكو إلى الاهتمام الغربي بتركيا بريبة شديدة، إلا أن أولوية إنهاء الحرب في أوكرانيا، تجعلها بمنأى عن أي إستدراج إلى أي خلاف مع التركي أو غيره. نتيجة لذلك، يُعطي إنشغال روسيا بأوكرانيا، وبشكل مباشر، هامشاً أكبر للأتراك في المناورة السياسية والدبلوماسية، ومجالاً أوسع لملاقاة الغرب في منتصف الطريق، إذا استمر اهتمامه بتركيا، ومكانتها الدولية، كما هو الحال اليوم.

من هذه الزاوية بالذات، يمكن قراءة التقارب الإسرائيلي – التركي من جهة والتقارب اليوناني – التركي من جهة أخرى في الآونة الأخيرة. إذ بدا كأن اللقاءات الإسرائيلية ـ التركية، بعد انقطاع دام سنوات، بمثابة تعبير عن اهتمام غربي وتحديداً أميركي بتركيا، وتشكل مدخلاً “ضرورياً” يسبق أي تفاهم بين أنقرة وواشنطن. أما لقاءات الجانبين اليوناني والتركي فهي أقرب إلى أن تشكل مدخلاً للتعاون الأوروبي مع تركيا بوصفها شريكاً استراتيجياً لا مجرد دولة عادية على حدود القارة الأوروبية.

من ناحية أخرى، من المرجح أن يستمر الاهتمام الغربي المستجد بتركيا بقدر استمرار “الخطر الروسي”، وهو خطر ليس في وارد الاختفاء في المدى القصير. فيما الاهتمام التركي بالغرب مرتبط بتطورات الحرب في أوكرانيا. فإن تحوّلت كييف إلى “مقبرة للغزاة” وطالت أسابيع الحرب، سنرى أنقرة تجنح أكثر نحو أوروبا والولايات المتحدة، مع ما يعني ذلك من وقوفها إلى جانب واشنطن في مسار فيينا النووي وإعادة صياغة حدود دور طهران المستقبلي في الشرق الأوسط. أما إن أنهت موسكو الحرب بأقصر مما يتوقع الآخرون ولم تغرق في وحول أوكرانيا وكييف تحديداً، فلن تجنح أنقرة كثيراً في اتجاه الغرب بشكل يستفز موسكو، وربما تعود إلى سياستها المتوازنة بين الغرب والشرق، دون أن يعني ذلك، في مطلق الأحوال، خسارتها لمكانتها، إنما إمكانية بروز تنافس شرس بين الغرب والشرق لاستمالة تركيا إلى كفة واحد منهما.

إقرأ على موقع 180  الإنهيارات اللبنانية ستتسارع.. بلا ضوابط داخلية أو خارجية!

في الوقت الراهن، من الجائز القول إن الغرب على وشك خسارة أوكرانيا، إنما هو، في الوقت عينه، على وشك الفوز بتركيا. إن دفع أنقرة للدوران في الفلك الغربي يعوّض الخسارة الغربية أمام الروس، كما يزيد، في الوقت عينه، من أهمية تركيا الاستراتيجية. أما هذه الأخيرة، فتبدو من أكثر المستفيدين من الحرب، إذ تُعزز مكانتها بشكل كبير في العالم، بدليل تهافت “أعداء” تركيا اللدودين عليها للتفاهم حول القضايا المشتركة، بعد أن قدّمت نفسها ضامنة للأمن الأوروبي وحاجة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على حد سواء.

Print Friendly, PDF & Email
جو حمورة

كاتب لبناني متخصص في الشؤون التركية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "مسار النورماندي": تموضع روسي – اوكراني ضمن حدود "التهدئة"