“المونيتور”: الغنوشي ورقة أردوغان الإخوانية الأخيرة.. عربياً

منى فرحمنى فرح20/04/2022
واجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مسعاه لإصلاح علاقاته مع مصر ودول عربية أخرى شرطين أساسيين هما عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية وإنهاء الدعم لـ"الإخوان المسلمين"، ما جعله يُخفّف حدّة خطابه الإقليمي. مع ذلك، أثار قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد موجة جديدة من غضب أردوغان، فتأججت المناخات الدبلوماسية بين البلدين.

“في 30 آذار/مارس، أصدر قيس سعيّد قراره بحل البرلمان (المعلَّق منذ العام الماضي). وبعد عدة أيام من الصمت، عبَّر أردوغان، في 4 نيسان/أبريل، عن موقفه من قرار نظيره التونسي علانية عندما وصف التطورات الجارية في تونس بأنها “تشويه للديموقراطية“. وقال “إن حل مجلس النواب المُنتخب ضربة لإرادة الشعب التونسي”، وأنه على تونس “الالتزام بخريطة الطريق الانتخابية”، مشدداً على أن الإنتقال السياسي في البلاد “يمكن أن ينجح فقط من خلال حوار شامل وهادف تشارك فيه جميع شرائح المجتمع، بما في ذلك البرلمان”.

إدانة أردوغان لقرار سعيّد كانت بمثابة دعم لصديقه المُقرَّب راشد الغنوشي، رئيس المجلس النيابي المُنحل وزعيم حزب النهضة الإسلامي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين.

لكنها في الوقت نفسه أثارت ردود فعل قاسية من تونس. ففي إشارة إلى الماضي العثماني لتونس، قال سعيّد، إن بلاده لم تعد ولاية عثمانية، و”لا تنتظر أوامر من أي سلطة”، مضيفاً أن الشعب التونسي “سوف يقول كلمته بعيداً عن أي تدخل“.

بدوره، إستدعى وزير الخارجية، عُثمان الجرندي السفير التركي في تونس، وطالب نظيره التركي برفض تصريحات أردوغان، وقال:”هذه التعليقات مرفوضة.. تونس تُعرب عن استغرابها لبيان الرئيس التركي.. وتؤكد حرصها على توثيق العلاقات مع الدول الصديقة، لكنها متمسكة باستقلالية قرارها وترفض أي تدخل في سيادتها أو خيارات أهلها”.

بانتقاده حل البرلمان التونسي، ربما شجَّع أردوغان حلفاءه الأيديولوجيين من حزب النهضة، لكن انتقاداته قد تأتي بنتائج عكسية لعزل الإسلام السياسي بشكل أكبر

يُذكر أنه في تموز/يوليو 2021 وإثر موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، علَّق سعيّد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وأقال الحكومة. وبعد فترة وجيزة، أصدر مرسوماً بتوسيع سلطاته التنفيذية. وفي شباط/فبراير، حلَّ مجلس القضاء الأعلى، وعيَّن بديلاً مؤقتاً له. وكان سعيّد قد انتقد البرلمان لأسباب تتعلق بتأجيل التحقيقات في الاغتيالات السياسية التي حصلت في أعقاب الانتفاضة الشعبية عام 2011، والتي أدت إلى صعود حزب النهضة إلى السلطة، ما وفَّر حماية للشخصيات المرتبطة بهذا الحزب وأعاق حملة القضاء على الفساد.

وفي حركة مضادة يوم 30 آذار/مارس، عقد أكثر من نصف أعضاء البرلمان الموقوفين جلسة عبر الإنترنت للتصويت على مشروع قانون يُلغي ما اعتبروه “مراسيم تنفيذية غير عادية” للرئيس. فسارع سعيّد لعقد جلسة لمجلس الأمن القومي، أعلن خلالها حل المجلس التشريعي رداً على ما أسماه “محاولة انقلابية”. ووجه للنواب الذين شاركوا في الجلسة تهمة التآمر على أمن الدولة.

العلاقات التركية -التونسية على المحك

بموجب “خارطة طريق“، أعلنها سعيّد العام الماضي، من المتوقع أن تجري تونس استفتاء على مشروع دستور جديد في 25 تموز/يوليو، ثم انتخابات برلمانية في كانون الأول/ديسمبر. أغلبية التونسيين، الذين سئموا من الفساد والمتاعب الاقتصادية، أيدوا في البداية تحركات رئيسهم، لكنهم فيما بعد بداوا يتعرضون له بانتقادات شديدة ويصفونه بـ”المستبد الجديد”.

بعد أن واجهت حركة النهضة خطر العزلة السياسية.. تشعر أنقرة بقلق متزايد من أنها قد تفقد تونس أيضاً بعد أن فقدت مصر

حركة النهضة، التي كانت جزءاً من الحكومة التي أقالها سعيّد وكان لديها أكبر عدد من المقاعد في البرلمان المُنحل، أعلنت نيتها مقاطعة الإستفتاء والانتخابات.

وبالنظر إلى التقارب الأيديولوجي والعلاقات الوثيقة بين أردوغان وحركة النهضة، فإن الأزمة السياسية في تونس تنطوي على احتمال أن تضر بالعلاقات التركية -التونسية. فقد تسببت الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر (عام 2013) بانقسامات عميقة بين أنقرة والقاهرة، لم تلتئم بعد. أنقرة وتونس؛ حتى الآن؛ أحجمتا عن اتخاذ أي خطوة من شأنها أن تتسبب في ضرر للعلاقات الثنائية. ولكن بعد أن واجهت حركة النهضة خطر العزلة السياسية نتيجة للتحول الذي يسعى إليه سعيّد، فإن أنقرة تشعر بقلق متزايد من أنها قد تفقد تونس أيضاً.

في الوقت نفسه، فإن التحولات التي اتخذتها أنقرة مؤخراً لتخفيف التوترات مع دول المنطقة قد خيَّبت آمال مؤيدي أردوغان الإسلاميين. وبالتالي، ربما يكون قد شعر بأنه مضطر لكسر صمته بشأن ما يحدث في تونس، في محاولة لتحديث أوراق اعتماده كـ”قيادي”، في الداخل والخارج.

في سلسلة من خطوات التراجع، تصالح أردوغان مع الإمارات، التي سبق واتهمها بتمويل محاولة الإنقلاب في تركيا عام 2016؛ واصدر أوامره للقنوات التلفزيونية التابعة للإخوان المسلمين، ومقرها إسطنبول، بتخفيف حدّة انتقاداتها للقاهرة. كما أقام للرئيس الإسرائيلي حفل إستقبال حافل في أنقرة. وحرصاً منه على المصالحة مع السعودية أيضاً، أوقف محاكمة 26 مواطناً سعودياً من المتهمين بقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بطريقة مروعة داخل قنصلية بلاده في اسطنبول، وسلَّم القضية برمتها إلى الرياض.

إقرأ على موقع 180  السادات لهيكل.. إقرأ أوراق سامي شرف

الرياح كما يشتهي سعيّد

ومع ذلك، فإن انتقاد أردوغان لسعيّد قد يجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للغنوشي، المُتهم باستغلال منصبه؛ كرئيس للبرلمان؛ للتواطؤ مع تركيا وقطر ودفع أجندة الإخوان العابرة للحدود. وكانت شرطة مكافحة الإرهاب التونسية قد استجوبت الغنوشي في 1 نيسان/أبريل بتهمة التآمر ضد أمن الدولة. انتقادات أردوغان، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها محاولة لإنقاذ النهضة، قد تأتي بنتائج عكسية أيضاً من خلال التأثير إيجاباً على التونسيين المُتشككين في خريطة الطريق التي وضعها رئيسهم، وبالتالي كل شيء يصبح في صالح سعيّد.

تونس ردَّت على أردوغان بشكل صارم، في حين تتبع المراوغة في الغالب بشأن ردود أفعال دول أخرى. وهذا يشير إلى أن الخلاف له تداعيات سياسية داخلية. فأردوغان بالنسبة لتونس “زعيم يمكن أن يشجع حركة النهضة”. وقد رأينا كيف شجع انتقاده لقرار سعيّد النقاشات القائلة بأن “النهضة مستهدف”. وكيف أن التغطية الإعلامية لتصريح أردوغان فتحت المجال أمام الغنوشي ليعلي من وتيرة تصريحاته بدوره، خصوصاً عندما قال: “لسنا معزولين عن العالم. لدينا علاقات برلمانية وأصدقاء في جميع أنحاء العالم. نحن على اتصال بجميع الأطراف التي نتشارك معها الأهداف”. وفي الوقت الذي تتم فيه إثارة العلاقة بين “النهضة” مع تركيا وقطر باستمرار، ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى حد الإبلاغ عن الإدعاء الغريب بأن جماعة الإخوان المسلمين يستنجدون بالجيش التركي للتدخل والإطاحة بسعيّد.

ورقة أردوغان “الإخوانية” الأخيرة

ترى صحيفة “العرب” الصادرة في لندن أن أردوغان قد إنحنى لمصر والإمارات والسعودية، وهو الآن يمد يد العون للغنوشي لإعادة إحياء صورته كمدافع عن القضايا الإسلامية. وبحسب الصحيفة، فقد عاد الرئيس التركي إلى أسلوبه القديم في التدخل في الشؤون الداخلية العربية من خلال استبدال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بسعيّد كهدف له.

بدوره، يقول الأمين العام لحزب الحركة الشعبية التونسية، زهير المغزاوي، إن تركيا هي “الورقة الأخيرة” للإسلاميين في تونس للحصول على دعم خارجي. وقال إن “تصريحات أردوغان تأتي في إطار علاقاته ’الإخوانية’، واستجابة لمطالب ’النهضة’ باعتبار تونس آخر معقل للإسلاميين في المنطقة”. كذلك يرى المحلل التونسي نبيل رابحي، أن أردوغان “يريد عودة الإخوان إلى السلطة”.

وكان الغنوشي قد أدلى بتصريحات في 9 نيسان/أبريل، حملت الكثير من التحدي، إذ قال إن تونس كانت في قبضة “أزمة غير مسبوقة تعزز نظام ديكتاتوري استولى على كل السلطة”.

الخلاف بين تونس وأنقرة أدى إلى نشر دعوات تطالب بمقاطعة البضائع التركية في تونس. ويجادل بعض المراقبين بأن على تونس مراجعة أو تجميد اتفاقية التجارة الحرة لعام 2004 مع تركيا. وأشاروا إلى أن السلع التركية أغرقت السوق التونسية ووجهت ضربات للمنتجين المحليين، مؤكدين أن العجز التجاري لتونس مع تركيا هو ثالث أكبر عجز تجاري لها بعد الصين وإيطاليا.

يمكن للتوتر الدبلوماسي بين تركيا وتونس أن يلقي بظلاله على مساعي أنقرة للتطبيع مع الدول العربية ذات الوزن الثقيل

مصر لم تُبد أي عجلة في قبول عرض التطبيع الذي قدمته تركيا العام الماضي، وترى أنه كان لا بد من وضع أنقرة في اختبار لإظهار إلتزامها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وإنهاء الدعم للإخوان المسلمين. وبرغم أن أردوغان أبدى استعداده لتقديم تنازلات بشأن جماعة الإخوان المسلمين، ظلَّت القاهرة تقابلة بـ”البرود”. قد يشعر أردوغان بالإحباط، ويعتقد أنه ليس لديه سبب للتخفيف أكثر الآن بعد أن ساعدته الأزمة الأوكرانية في كسر عُزلته على الجبهة الغربية أيضاً. باختصار، تشير الحلقة الأخيرة مع تونس إلى أن أردوغان لن يتخلى بسهولة عن عاداته القديمة أو يدير ظهره للإخوان ما لم يتلق رداً مفيداً من الحكومات التي يسعى معها إلى التطبيع.

(*) النص كاملاً بالإنكليزية على موقع “المونيتور“، أعده الصحافي التركي فهيم تستكين، كاتب عمود في صحيفة “تركيا بلس”، متخصص في السياسة الخارجية التركية وشؤون القوقاز والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي. 

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  وديعة هيكل