الهزة الصدرية لا تفتح الأبواب.. العراق مكانك راوح!

لم يُكتب للعراق الاستقرار منذ أول حكومة عراقيّة تشكّلت بعد الاحتلال الأميركي عام 2005، ولن يُكتب له ما دامت السياسة العراقية رهينة إرادة غلبة وانقسامات طائفية وتجاذبات اقليمية، وما دام العراق دولة شبه منقسمة على ذاتها، دون أن يُبتَدع مخرجٌ ما للشرذمة غير ما يعرف ببروتوكولات التّعايش والتّوافق والوحدة الوطنية و"الثلث المعطل"!

ثمانية أشهر من الفراغ والكر والفرّ، انتهت مؤخراً باستقالة أكبر كتلة نيابية، بعد أن دعا رئيسها السيد مقتدى الصدر أعضاءها (75 نائباً) إلى الاستقالة، معتبراً خطوته بمثابة “تضحية في سبيل الوطن”، علّ الأخير يخرج من حالة الاستعصاء السّائدة. وتعتبر هذه المرة الأولى منذ انتخابات العام 2006 التي يخلو فيها البرلمان العراقي من نواب التيار الصدري، ذلك أنه سبق لهم أن إنسحبوا من الحكومات في الأعوام 2010 و2014 و2018، غير أنها المرة الأولى التي ينسحبون فيها من مجلس النواب.

على أنّ حالة الاستعصاء منذ إعلان نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة لا يبدو أنّها قابلة للحل، في ظلّ ظروف إقليميّة معقّدة وتزداد تعقيداً، وفي ظلّ ما قد يتيحه الانسحاب الصّدري من خلط للأوراق “يشبه الانقلاب على نتائج الانتخابات”، على حد تعبير أحد المراقبين، إلا إذا كان قد وضع في الحسبان أن يأتي نواب بدلاء يصبّون في مصلحة “الإطار التّنسيقي” المحسوب على إيران، لا سيما وأن التّصريحات الأخيرة تشي بأن “الإطار” عازم على المضيّ قدماً في الاجراءات الدستورية بغية تشكيل حكومة جديدة، مستفيداً من تحرر الحلفاء السنة والأكراد من الصدر.

وكان عضو “تحالف الفتح” حامد الموسوي قد قال في حديث متلفز إن “الإطار” سيقوم بإجبار رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني على الدخول في ائتلاف حكومي بقيادة “الإطار”، وهو تصريح أثار ردود فعل سلبية، غير أنه من المفترض ان يكون عاكساً للتوجه الذي يعمل “الإطار التنسيقي” من ضمنه في هذه المرحلة، إلا إذا قرر الحلفاء السابقون (الحلبوسي وبارزاني) أن يستخدما الثلث المعطل مع النواب المستقلين، فيقطعون هم أيضاً الطريق على الحلفاء المنضوين في “الإطار”، وبينهم كتل نيابية شيعية وسنية وكردية ومسيحية.

في هذا السياق، يمكن القول إن ما بعد استقالة نواب التيار الصدري ليس كما ما قبله، بغضّ النظر عن نتائج هذه الاستقالة الجماعية، التي تأتي بمثابة تتويج لمناخ الانقسام في البيت الشّيعي العراقي؛ وهو انقسامٌ يترجم حالة التوتّر السائدة في البلاد منذ انتخابات 2018 وما تلاها من حراك العام 2019.

يبدو أن إيران التي تُدفع دفعاً في اكثر من مكان إلى خيار المواجهة، لن تألو جهداً في محاولة إعادة الأمور في الساحات السياسة التي تهمها إلى مجراها المعتاد سابقاً، وهي من هذه الزاوية قد تجد في استقالة نواب التيار الصدري فرصةً يجب استثمارها، من دون تهميش التيار الصدري، بل للمضي في محاولة إرضائه بشتى الأطر البديلة

حتى الآن، كل محاولات توحيد البيت الشيعي باءت بالفشل تقريباً. هناك تياران  يبتعدان عن بعضهما في الرؤى والأهداف أكثر من السّابق، مع الأخذ بالاعتبار أنّ الساحة العراقية مفتوحة دائماً على المفاجآت تبعاً للظروف الداخلية والإقليمية. لكنّ الظرف الحاليّ، لن يعيق فقط التقارب الشيعي ـ الشيعي، إنما من شأنه أن يؤجج مناخات الاعتراض في البلاد، سواء دعا إليها التيار الصدري أم لم يبادر إلى الدعوة، لأنه يعيد حالة المعارضة من وسط البرلمان او الحكومة إلى قلب المجتمع والشارع، وكل ذلك في ظل غياب أي دور للمرجعية العليا في رسم مخارج للواقع الرّاهن أقله حتى الآن!

وليس مستبعداً في هذا السياق أن تأتي النتائج لمصلحة التيار الصدري، سواء في حالة نجاح “الإطار” في توفير بديل حكومي لن يُحدث فرقاً في البلاد أو إستمرار المراوحة أو الذهاب إلى الإنتخابات المبكرة، وكلها تصب في مصلحة تعزيز شعبية التيار الصدري، في ظل الإستياء العارم في الشارع العراقي، لأسباب سياسية وخدماتية.

وفي حين يعتقد البعض أنّ العراق مقبل على مجهول دستوري قد يصبح فوضى كبيرة، يرى آخرون أنّ ما حدث قد يعجل في إحداث التسويات، وقد يحرك خطوط التواصل لأجل إعادة المكون الصدريّ إلى البرلمان والتوافق على حكومة مناسبة ترضيه. ومن المعروف عن الصدر أن حركات العزوف السياسية التي ينتهجها، ثم يعود عنها، إنما يبغي من خلالها أن يستشعر الجميع حجم تأثيره في الداخل، وأن يعيدوا الاعتبار لوزنه ومكانته في كل مرة ومع كل استحقاق، ليتكيفوا مع المعطى السياسي الجديد والحؤول دون إعادة تدوير السياسات السابقة نفسها. والجدير ذكره أن الصدر كان قد أعلن مقاطعته للانتخابات في آب/أغسطس 2021، ثم عاد عن قراره بعد توسط الكتل الشيعية لأجل ذلك.

وتشي المعطيات الراهنة أن لا إمكانية لاستكمال العملية السياسية في ظل غياب المكون الصدري، وأن أي محاولة لاستفراد القوى الأخرى في المشهد لن يؤدي إلا إلى المزيد من التأزيم، لا سيما بعد ما أشيع من كلام عن احتمال طرح اسم نوري المالكي لرئاسة  الحكومة المقبلة، وهو طرح استفزازيّ بالنسبة إلى كثيرين، وأولهم الصدر.

إقرأ على موقع 180  كيفية الخروج من كلامولوجيا النصر إلى حقيقة النصر

في المقابل، وفي ظلّ هذه الأجواء، يُعاد اسم رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال مصطفى الكاظمي إلى الواجهة، وذلك بلحاظ النجاح النسبي لتجربته الحكومية، واستطاعته في المرحلة الحرجة التي مر بها العراق ولما يزل، أن يدير الأمور بشكل متوازن، مخففاً من حدة صراع المحاور، ومن حدة الخطابات الانقسامية الطابع، ومحاولاً فتح أطر تعاون وتنسيق مع الأطراف كافة، فضلا عن إعادة وضع العراق على الخارطة الإقليمية والدولية. ويرى البعض أنّ حكومة ثانية برئاسته قد تكون حلاً وسطاً في ظل هذه الظروف.

ما يجري في العراق هو انعكاس للمناخ الاقليمي بشكل عام، وها هي إيران تصارع لأجل الحفاظ على أوراق قوّتها في الساحات المحسوبة عليها. ويعتبر البعض أن ايران مارست ضغوطا سياسية على العراق، من قبيل قطع الامدادات المائية عن روافد دجلة، من أجل السعي لضمان حكومة وحدة وطنية تشمل جميع المكونات، لا حكومة أغلبية كما هو مطلب التيار الصدري الذي لم يحد عنه.. ويبدو أن إيران التي تُدفع دفعاً في اكثر من مكان إلى خيار المواجهة، لن تألو جهداً في محاولة إعادة الأمور في الساحات السياسة التي تهمها إلى مجراها المعتاد سابقاً، وهي من هذه الزاوية قد تجد في استقالة نواب التيار الصدري فرصةً يجب استثمارها، من دون تهميش التيار الصدري، بل للمضي في محاولة إرضائه بشتى الأطر البديلة، وثمة شواهد سابقة تصب في هذا الإتجاه.. إلا إذا كان قرار الذهاب إلى إنتخابات نيابية مبكرة هو الذي يُوفر مخرجاً للجميع!

بإختصار، مكانك راوح! ليس أهون عند كبار اللاعبين المحليين في العراق من التعطيل والانسداد ما لم تبرم التوافقات والتسويات كما يشتهون.. ما عدا ذلك، يبدو أنّ مناخاً جديداً من التحركات الإعتراضية يلوح في الأفق، ليعيد تذكيرنا بالحراك التشريني الذي حصل بدءاً من العام 2019.

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  لا مصالحة قطرية سعودية بالرياض.. وتميم يغيب