بايدن الشرق أوسطي: ترويض العقال، حصار العمامة وطمأنة القلنسوة

قد لا يبدو مستغربًا لكثيرين أن يتعثر جو بايدن على سلّم الطائرة، أو أن يقع من على دراجته الهوائية. إنه السياق الطبيعي لرجلٍ في سنّه يحاول اصطناع قوةٍ لا تشبهه. لكنّ مشكلته في هذا التعثّر هي أنه رئيس الولايات المتحدة، الدولة التي صارت تتعثّر، وتسير بين ألغام السياسة بلا سطوة كالسابق.

هنا يقترن تعثّر بايدن بالصورة الجديدة التي ترتسم عن نفوذ واشنطن على العالم. ومن هنا يبدأ النقاش حول زيارته الشرق أوسطية. خساراتها واضحة، وأرباحها غير مضمونة. خساراتها في أن يضطر رئيس أميركي لبذل جهدٍ ليقنع إسرائيل أنه في معسكرها، وأن يوقع تعهدات على ذلك. وخسارتها، أيضا، في اضطراره للتعامل مع السعودية بكثير من التنازل المرّ والتراجع غير المعتاد عن مواقف سابقة. بمعنى أوضح، أن تتعامل أميركا مع المملكة العربية السعودية بإطلالتها المحدّثة على العالم، وفي ثوب هذه الإطلالة ليس المصمّم أميركيًا حصرًا، بل فيه خيط الحرير الصيني والأزرار الروسية.

وفي الخسارات أيضا، يأتي ليحاصر إيران فيما يزورها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحصان الناتو الأسود رئيس تركيا رجب طيب إردوغان. الولايات المتحدة تبدو اليوم كلاعب أثقال بدأ ينوء بأحماله. علاقاتها مع العالم، كل العالم، في وضعية ردة الفعل لا الفعل كما جرت عليه العادة. ولأن الشرق الأوسط جزء مأزوم من هذا العالم المختل، على حد وصف أمين معلوف في كتابه “اختلال العالم”، يحمل بايدن ملفاته متجولًا بين المسؤولين الإٍسرائيليين والفلسطينيين وفي البال “حلول” فات أوانها، وهو يعلم أنها اليوم مسكنّات إعلامية، كحل الدولتين وإعادة الاعتبار لعملية السلام.

العناوين مهمة في زيارات الرؤساء الأميركيين، لكن بايدن ومساعديه والفلسطينيين والإسرائيليين يدركون جميعًا أن الأوان قد فات لحصول أي تغيير ضمن هذه المساحة الخطيرة، لأسباب عديدة أهمها سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة، واستئصال دول عربية رئيسية للقضية الفلسطينية من أولوياتها.

إسرائيل قلقة فيطمئنها، والسعودية جامحة فيحاول ترويضها، وإيران متمردة كما العادة، فيحاول حصارها بتعويم التطبيع المرتقب بين الرياض وتل أبيب. لماذا الزيارة إذن؟ إنه سوق الطاقة الذي خرج من عقاله، وتحول بعد حرب روسيا على أوكرانيا إلى سكين في خاصرة الجزء الغربي من الكرة الأرضية، ودجاجة تبيض ذهبا لدول العالم المصدرة للنفط على نحو مؤثر، وبعضها ليس حليفا لواشنطن. هنا، وببراغماتية فائضة تلعب السعودية ورقتها، وترفع سعر أي تسوية مع واشنطن. طهران تحاور الرياض في بغداد، ولا تبدي استعجالا للاتفاق النووي، فهي على مشارف الحصول على ورقة تفاوضية قوية جدا، لحظة بلوغها العتبة النووية التي بقي العالم يحذر منها لسنوات.

يأتي جو بايدن ليحاصر إيران فيما يزورها فلاديمير بوتين والحصان الأسود في الناتو رجب طيب إردوغان

يهدئ الرئيس الزائر من قلق الإسرائيليين بالتعهد بأن لا يبقى التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي إلى الأبد، لكنه لا يحدد سقفًا لهذا الأبد. ولأن السقف مرتفع بما يكفي عالميًا وإقليميًا فلا ضير من تهديد باستخدام القوة إذا لزم الأمر لمنع طهران من الحصول على قنبلة نووية. اختار بايدن قناة إسرائيلية ليوصل الرسالة إلى طهران معززة بتأكيد بأنه لن يزيل اسم الحرس الثوري عن لوائح الإرهاب حتى وإن كلف ذلك سقوط الاتفاق النووي، وهذا بحد ذاته ما يريده المسؤولون الإسرائيليون.

لكن طهران لم تتعامل مع كلام بايدن من زاوية طمأنة واشنطن لإسرائيل فقط، وإن قال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية إن التهديدات تأتي في إطار الحرب النفسية. فهي تدرك جيدًا أن المرحلة تشهد مزيجًا من التكتيكات التي تهدف إلى خلخلة دفاعاتها على غير صعيد، وهذا ما دفعها للتعاطي مع الحشد السياسي الأميركي على مستوى المنطقة من خلال محورها الممتد حتى شواطئ المتوسط. فخرج الأمين العام لحزب الله في لبنان السيد حسن نصرالله مهددًا بقلب الطاولة على الجميع مستخدمًا عبارة ذات دلالات حربية تاريخية: “كاريش وما بعد كاريش وما بعد بعد كاريش”، في إشارة إلى حقل الغاز الذي تنوي إسرائيل البدء بإستخراج الغاز منه في أيلول/سبتمبر المقبل وهو على مقربة من الحدود اللبنانية.

بدا واضحًا أن نصرالله لم يقصد بتهديده فقط الغاز الصادر من إسرائيل، إنما كل حركة الغاز في شرق المتوسط، وهذا تصويب مباشر على واحدة من اهم أهداف زيارة بايدن.

من تل أبيب إلى جدة يسافر الرئيس الأميركي مدشنًا خط سفر رفعت السعودية الحظر عنه، ليشكل أول خطوة في الطريق إلى مقترح تطبيع العلاقات كما تمنى بايدن من جدة. إنه إنجاز أميركي لكنّه على الأرجح جاء متأخرًا. في تعابير الوجوه خلال الاستقبال والجلسات في السعودية، بدا الّلا انسجام الناتج عن إرث من التهشيم الأميركي للسعودية على خلفية جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وجد بايدن نفسه مع  محمد بن سلمان، وجهًا لوجه. وجد نفسه محتاجًا لتقديم شيء كي يأخذ شيئًا، كما أنه معني بعدم ازعاجه لضمان استجابته في ملف الطاقة. التصرحات الإيجابية لا تلغي القلق من تطور العلاقات السعودية مع الصين وروسيا.

بدا بايدن متعثرًا في حصاد الإنجازات، لدرجة تبعث السؤال عن تضعضع السردية الأميركية تجاه الشرق الأوسط

يعد بايدن أنه سيعود إلى واشنطن وبعده ستأتي بشارات الانخفاض في أسعار النفط عالميًا، ويعد أيضًا أن إسرائيل ستكون أكثر أمنًا مع رئيس أميركي صهيوني برغم كونه ليس بيهودي، وآخر ما على لائحة وعوده كبح جماح روسيا والصين في الشرق الأوسط، إلى جانب منع إيران من الحصول على قنبلة نووية. لكنه في كل محطات زيارته يبدو فاقدًا زمام المبادرة، وهذا ما يجعله في موقع لا يحسد عليه، اذ أن المقارنات مع زيارة دونالد ترامب في العام 2017 لن تتوقف، فضلا عن قياس جدوى التنازلات التي قدمها، في مقابل حجم الإنجازات التي سيحصل عليها. بدا بايدن متعثرًا في حصاد الإنجازات، لدرجة تبعث السؤال عن تضعضع السردية الأميركية تجاه الشرق الأوسط.

إقرأ على موقع 180  فورين أفيرز: موجة جديدة من أنظمة الإستبداد عربياً!

الإمارات قالت علنًا إنها لن تكون جزءاً من أي محور ضد إيران. قطر وعمان وغيرهما لا حاجة بهم لقول ذلك. السعودية لا تبدو في وارد استنزاف من هذا النوع. وإذا سلّمنا جدلًا بفوز بايدن بتعديل أسعار الطاقة، فإن ذلك ليس إنجازًا عميقًا ولا يشبه صورة واشنطن التي عهدها العالم بها، وهي صورة تتغيّر أكثر فأكثر نحو التراجع، مع تقادم الحرب في أوكرانيا بما يستنزف الغرب في يوميات سكانه. جاء بايدن ليعطي أكثر مما سيأخذ. لعل ذلك، بعد الحرب في أوكرانيا من أقوى الشواهد على أن العالم يتغير حتمًا.

(*) بالتزامن مع “جاده إيران

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "الشيخ جرّاح".. من صلاح الدين إلى غزة