دساتير مُشوهة لتصريف الأعمال.. عربياً!

يعيش العراق منذ إجراء الانتخابات النيابية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021 إلى يومنا هذا حالة انسداد آفاق سياسية ودون حكومة كاملة الصلاحيات، وهو أمر تكرّر بعد انتخابات الأعوام 2006 و2010 و2014 و2018، وما بعد الإطاحة بحكومة عادل عبد المهدي في نهاية عام 2019.

ما زاد الطين بلّة، أن كتلة السيد مقتدى الصدر (التيار الصدري)، الأكبر في البرلمان، والبالغ عددها 73 نائبًا انسحبت من البرلمان، في حين كانت المرشحة بتسمية رئيس الوزراء، وحين بادرت كتلة الإطار التنسيقي (تحالف شيعي آخر) إلى ترشيح محمد شيّاع السوداني احتجّ التيار الصدري وقاد تظاهرة اقتحمت المنطقة الخضراء ودخلت البرلمان وهدّدت بما هو أشدّ لاحقًا.

وهكذا ما تزال الدولة العراقية مُعوّمة، حيث تستمرّ حكومة تصريف الأعمال منذ عشرة أشهر، ولم تتّفق المجموعتان الكرديتان على تسمية رئيس الجمهورية الذي بدوره يسمي رئيس الوزراء بعد اتفاق الشيعية السياسية عليه.

ومثل هذا الوضع المضطرب لا يخصّ العراق وحده، فهذا لبنان يشهد الحالة ذاتها منذ آخر انتخابات له في 15 مايو/أيار 2022، وقبل ذلك كان لنحو عامين، دون رئيس ودون حكومة كاملة الصلاحيات، فضلًا عن البرلمان الذي جدّد لنفسه.

ربما كان أحد أسباب عدم استقرار بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وليبيا هو الدستور الذي قام على أساس النظام البرلماني، حيث تم تفصيله على مقاسات مصنوعة في الخارج، وحتى لو كان التصميم دقيقًا، إلّا أنه لا يصلح بالضرورة لهذه البلدان التي تعاني من انقسامات دينية وطائفية وإثنية وجهويّة، ساهم الدستور المشوّه في زيادة تشويهها

وأما في تونس فالأمر اتخذ بُعدًا آخر لتقويض صلاحيات البرلمان وإعداد دستور جديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي في 25 يوليو/تموز المنصرم. وبموجب الدستور الجديد منح الرئيس قيس سعيّد لنفسه صلاحيات واسعة بالضدّ من دستور العام 2014، وتمّ تقليص دور البرلمان بعد تجربة العشرية الأولى من التغيير التي شهدت صراعات حادة وتعطيل لدور المؤسسات، ناهيك عن استشراء الفساد المالي والإداري على خلفية الفساد السياسي.

والأمر يستمر في ليبيا على هذا المنوال، حيث الانقسام بين الكتل والجماعات والأطراف والجهويات وعدم القدرة على ضبط السلاح المنتشر وجعله بيد الدولة، ناهيك عن الصراعات داخل البرلمان وبينه وبين الحكومة، ممّا عوّم السيادة الليبية بسبب عدم قدرة أي طرف من حكم البلاد بصورة دستورية.

ربما كان أحد أسباب عدم استقرار بلدان مثل العراق ولبنان وتونس وليبيا هو الدستور الذي قام على أساس النظام البرلماني، حيث تم تفصيله على مقاسات مصنوعة في الخارج، وحتى لو كان التصميم دقيقًا، إلّا أنه لا يصلح بالضرورة لهذه البلدان التي تعاني من انقسامات دينية وطائفية وإثنية وجهويّة، ساهم الدستور المشوّه في زيادة تشويهها، وهو ما يعكسه الدستور اللبناني، الذي تكرّس في ميثاق الطائف العام 1989، والدستور العراقي الذي صاغه نوح فيلدمان الأمريكي المتعصب لـ”إسرائيل”، وقام بوضع العديد من الألغام فيه بيتر غالبرايت، مثلما عملت جهات أممية ومحلية وبتوجيهات أحيانًا من مراكز أبحاث ودراسات أمريكية لفرض نظام برلماني على بعض البلدان العربية التي خرجت لتوّها من جوف الديكتاتورية والاستبداد، وليس لها تجربة سابقة في النظام البرلماني، ناهيك عن أجواء الانفلات التي شهدتها وضعف الدولة وانتشار السلاح خارج القانون، فضلًا عن محاولة الاستقواء بالخارج.

إن مهندسي الأنظمة ما بعد التغيير والذين اختاروا النظام البرلماني، كانوا يدركون أن التوافق بين الكتل البرلمانية لتأمين أغلبية في غاية الصعوبة، وإن تحقّقت وتشكّلت الحكومة فسيكون برنامجها ضعيفًا وتقترب سياستها من تصريف الأعمال بسبب الصيغة التوافقية، حيث تعاني من الهشاشة وعدم التماسك، وتعيش حالة من الأزمات المستمرّة. جدير بالذكر أن النظام البرلماني يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما رئيس جمهورية فخري دون صلاحيات تذكر، وبرلمان يختار رئيس الوزراء الذي يشكّل الحكومة بتوافق القوى، ويكون خاضعًا للاستقطابات السياسية.

إن الدول التي انتقلت إلى النظام البرلماني، وخصوصًا في العالم الثالث، عانت من الجمود السياسي، وأحيانًا عاشت لفترات غير قصيرة حالة من التعويم قبل التوصّل إلى اتفاقات هشّة. ولذلك تبرز دعوات عديدة ومن مواقع مختلفة لتغيير الدساتير الجاهزة، والتي جاء بعضها مع الاحتلال أو طبقًا لوصفات دولية لم تكن بعيدة عنها أيادي القوى المتنفّذة، والهدف هو تغيير النظام البرلماني إلى نظام رئاسي أو مختلط يعطي لرئيس الدولة صلاحيات فعلية وهو أقرب إلى النظام الفرنسي بعد العام 1958 تجنّبًا لما يرافق النظام البرلماني من أزمات سياسية تنعكس سلبًا على إدارة الدولة بجميع مرافقها الحيوية بفعل عوامل خارجية أو داخلية.

والنظام البرلماني، وإنْ كان له امتدادٌ في بريطانيا لنحو خمسة قرون، وناجحًا حتى في ظلّ دستور غير مكتوب، لكنه لم يكتب له النجاح في العراق وليبيا ولبنان وتونس وغيرها، فالأمر مرهون بدرجة تطوّر المجتمع وتراكم التقاليد الدستورية والثقافية والقانونية بشكل عام.

وهكذا بدت هذه الدساتير وكأنها تفقد قابليتها للحياة. وأي دستور ينبغي أن ينبع من حاجات الناس الفعلية، لا أن يتم إملاؤه من الخارج، حتى وإن حيكت عباراته بنسيج جميل، لكن الفشل سيكون مصيره لا محال.

إقرأ على موقع 180  متى يُعلنونَ وفاة لبنان؟

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث ومفكر عراقي

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الصراع الأميركي الإيراني: صفعة أم صفقة؟