لكل عراقي عراقه.. والكل يخاف من الكل

قبل أيام من مواجهات الإثنين الدامي في مدينة بغداد وأنحاء عراقية عدة، خُضتُ نقاشاً مع شخصيات عراقية مختلفة الإنتماءات والإتجاهات، وكانت وجهة نظري أن الإحتقان الحاصل منذ أسابيع والمتمثل في الإعتصامات المتبادلة، ذاهب إلى الإنفجار لا مُحال، عارضني "الأخوة العراقيون" ولكن المواجهات وقعت، وستقع في أحايين أخرى.

ما الداعي لهذه المقدمة؟

لم تأخذ التجربة السياسية العراقية منذ عام 2003 تاريخ إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، في حساباتها حتى الآن مجموعة من العوامل البنيوية في البناء السياسي، أولها عراقيو الداخل وعراقيو الخارج، وثانيها تهشم الوطنية العراقية التي عصف بها الدهر منذ الإنقلاب العسكري الذي قاده البعثيون عام 1968 وأوغلوا في حروبهم الداخلية إلى أن بات الفرد العراقي ينشدُّ إلى الأطراف ولا يجذبه المركز، وفي هذا المثال يتآخى العراقيون مع اللبنانيين حيث كل واحد منهم يغني على “لبنانه” وهكذا لكل عراقي “عراقه”.

ـ سألني احدهم وهو لواء ركن متقاعد: إلام تستند في قولك إن الوطنية العراقية تهشمت بعد عام 1968؟

ـ قلت: بعد عام 1968 دخلت الحزبية إلى الجيش وخرجت المناقبية منه وباتت معايير الترقيات والترفيعات خاضعة لولاءات الحزب وليس الدولة، فيما الحروب الأهلية التي خاضها الجيش جعلت منه جيشا حزبيا في مواجهة المجتمع، وهذا الأخير تحول إلى جماعات تبحث عن أمنها الذاتي، وإلا كيف تفسر تلك الترسانات التسليحية بين الجماعات الأهلية؟

ـ قال: لكن الوضع تغير الآن، ولم يعد جيشنا حزبيا.

ـ قلت: لا أشك بذلك، إنما اعطني تفسيرا لكثافة التسليح الأهلي والفردي، ألا يدل ذلك إلى أن النفس العراقية غير مطمئنة وتبحث عن أمنها المرتجى من خلال اقتناء السلاح؟

ـ قال: لا أعترض ولكني أتحفظ، ولنتفق انه بعد عام 1968، ضرب الجيش العراقي العصف المأكول، وما يجري منذ سنوات سعي حثيث لإعادة بناء الجيش على أسس سليمة خاضعة بالمطلق للولاء الوطني وبعيدة كل البُعد عن الفئوية والحزبية والجهوية.

طال النقاش وتشعب، وسألني قيادي عراقي في حلقة المساجلة ذاتها، ماذا تقصد بعراقيي الداخلي وعراقيي الخارج؟

ـ أجبته بسؤال: بعد إسقاط النظام عام 2003، ألم تتولى إدارة البلاد غالبية سياسية كانت منفية في الخارج؟ ماذا عن أهل الداخل؟

ـ قال: أتقصد السيد مقتدى الصدر؟

ـ قلت: لا أقصد أحداً، ولا حزباً ولا تياراً ولا إطاراً ولا تنظيماً ولا جماعة ولا جمعية، ما أقصده أن العملية السياسية بعد عام 2003 شابتها عورة كبرى عنوانها عدم استيعاب أهل الداخل، وبالحد الأدنى لامبالاة تجاههم وعدم اكتراث بهم.

قرأت في مجلة “لغة العرب” العراقية التي كان يصدرها الأب أنستاس الكرملي، أن الحكومة العراقية أصدرت في عام 1927 لجنة لحماية الأطفال بعدما بينت الإحصاءات أن نصف المواليد الجدد يموتون لإنعدام العناية الصحية، وفي هذا الإجراء كان العراق أسبق من أي دولة عربية أخرى، أوليس ذلك من صميم مهمات دولة الرعاية، وهل لدى الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 ما تفعله تجاه أطفال العراق والنشء الجديد؟

لا تقتصر العوامل البنيوية في البناء السياسي العراقي على هذين العاملين، اذ ثمة عوامل أخرى، من بينها الخلل الذي اصاب الوعي بمفهوم الدولة منذ انقلاب عام 1958، فبعد هذا التاريخ غدا الإنقلابيون هم الدولة، وما أكثر الإنقلابيين منذ عبد الكريم قاسم إلى عبد الوهاب الشواف إلى الحزب الشيوعي إلى علي صالح السعدي وعبد السلام عارف وحازم جواد وعارف عبد الرزاق وعبد الرحمن عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين وما بين كل هؤلاء، ثم البعثيون مع البعثيين ضد البعثيين، وإلى حدود يُصاب فيها عقل المرء بإفتقاد القدرة على حصر الأرقام الإنقلابية التي تعاقبت على العراق، حين يقرأ مذكرات طالب شبيب وهاني الفكيكي وحازم جواد وعبد الغني الراوي وجواد هاشم وعدنان البجاجي وفخري قدوري وصبحي عبد الحميد وصلاح عمر العلي واحمد الجلبي ونزار الخزرجي وعزيز شريف وجهاد كرم في “بعثيون من العراق كما عرفتهم”، ويتساءل في الحين نفسه: كم مفهوم للدولة في العراق؟ أليس لكل انقلاب مفهومه، وهذا ما فتىء سائدا في العراق مع أهل السياسة وأهل الأحزاب الحاليين؟

قال محدثي من العراق في حلقة الحوار نفسها، وهو صحافي كبير: أراك تقول إن ما قبل عام 1958، كان ثمة دولة في العراق؟

ـ قلت: كانت هناك مساعٍ حميدة لتأسيس دولة حقيقية، ولا بأس لو تغاضينا عن عيوب التأسيس، وتلك العيوب من نصيب البدايات دائما، ولو رجعت الذاكرة مئة عام إلى الوراء، إلى لحظة قدوم الملك فيصل إلى ميناء البصرة في الثالث والعشرين من حزيران/يونيو 1921، حيث استقبلته مئات الالوف المؤلفة من العراقيين، وهذا ما جرى في بغداد بعد وصوله إليها، وأستشهد هنا على الأقل بما يقوله المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني (1903 ـ1997) في “الثورة العراقية الكبرى” وناجي شوكت (1891 ـ1980) رئيس الحكومة العراقية في مذكراته “سيرة وذكريات”، وبإمكانك أن تصوّب وتصحح، وكل هذا ألا يعني أنه كان لدى العراقيين شبه إجماع على بناء دولة يكون رمزها ملك آت من الخارج؟

قال محدثي الصحافي العراقي الكبير متسائلاً: ولكن أين مظاهر الدولة التي تتحدث عنها؟

ـ قلت: قرأت في مجلة “لغة العرب” العراقية التي كان يصدرها الأب أنستاس الكرملي، أن الحكومة العراقية أصدرت في عام 1927 لجنة لحماية الأطفال بعدما بينت الإحصاءات أن نصف المواليد الجدد يموتون لإنعدام العناية الصحية، وفي هذا الإجراء كان العراق أسبق من أي دولة عربية أخرى، أوليس ذلك من صميم مهمات دولة الرعاية، وهل لدى الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 ما تفعله تجاه أطفال العراق والنشء الجديد؟

علاوة على ذلك، فالدولة العراقية ما قبل عام 1958، ذهبت إلى إنشاء “مجلس الإعمار” الذي أنجز بناء سدود “الثرثار” و”الرمادي” و”الحلة”، ووضع المخططات الحديثة لمدينة بغداد وانطلقت عجلة المجلس نحو خارطة طريق عمرانية وإسكانية لم تعرفها العاصمة العراقية في مرحلة ما بعد انقلاب الرابع عشر من تموز/يوليو 1958 إلا بما هو تفريع على الأصل.

وفي الجوانب والخطط الإنمائية آنذاك، كتاب تفصيلي صادر عن مجلس الإعمار عام 1954 بعنوان “إعمار حوضي دجلة والفرات”، وفي صفحاته شروحات بيانية لكيفية الإصلاح الزراعي وتقسيم أراضي المحاصيل بين قمح وبقول وخضار وليمونيات، وفي عام 1955 صدر كتاب “اقتصاديات العراق” لعبد الرحمن الجليلي يحتوي على تفاصيل دقيقة لإنجازات “مجلس الإعمار” في قطاعات الري والكهرباء والصناعة والتعدين، وفي جعبة الثلاثينيات كتب مذهلة في رفعتها ودقتها العلمية أصدرتها الحكومات العراقية عن “تجهيز الكهرباء في الأعظمية ـ 1932″ و”الماء في كربلاء ـ  1933″ و”ميناء البصرة وسد الفاو ـ 1936” وتقرير عن مديرية الري للسنوات 1946 ـ 1949 تظهر فيه مقاييس نهر الفرات في الرمادي وفيضانات دجلة ومشروعات تخزين المياه، مما يؤشر إلى المنهج العلمي الذي كان يعمل عليه العراقيون آنذاك، وما يستتبع ذلك المنهج من نهضة تنموية وحضارية كان يمكن ان يبلغها العراق لولا منعطف 14 تموز/يوليو الأحمر.

إقرأ على موقع 180  الأرجنتين تبكي من جديد: مارادونا كظاهرة

وفي الفترة عينها، أي قبل “ايديولوجية السحل” التي مورست إثر “الإنقلاب التموزي” الشهير، كانت جامعة بغداد قد نشأت، وشبكة المدارس العامة قد شُيّدت، ونسبة التعليم قد ارتفعت، ويشرح رئيس الوزراء العراقي توفيق السويدي (1892 ـ 1968) هذا الأمر بالتفصيل في مذكراته “مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية”، وبحسب ما يقول فخري كريم رئيس تحرير صحيفة “المدى” البغدادية اليسارية في مقدمة كتاب “الكتابة والحياة” لعلي الشوك إن العراق شهد في سنوات الأربعينيات “ازدهارا غير مسبوق في ميادين الثقافة والمعرفة والتعليم، حيث انبعثت من العراق الحداثة الشعرية، وريادة المدارس الفنية، وقد كان من أبرز مظاهر التقدم في تلك المرحلة التطور في التعليم الجامعي”.

هذا التقدم في التعليم الجامعي، سيعمل على نعيه القيادي البعثي هاني الفكيكي في كتابه “أوكار الهزيمة” جراء توسع السلطات الحزبية في المجالات المدرسية والجامعية، وهذا ما سينسحب على عقد السبعينيات وما يليه، وبصورة لم يعد يسمع من هم في خارج العراق بقامات عراقية فكرية وأدبية وفنية، إلا بما ندر، من نوع بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف ونازك الملائكة ومحمد مهدي الجواهري ومعروف الرصافي وطه باقر وعبد العزيز الدوري وجواد علي ومحمد رضا الشبيبي وصالح الطعمة ومجيد خدوري وغيرهم ممن أسهموا بفعالية قل نظيرها في تشكيل العقل العربي في القرن العشرين، نعم يوجد مفكرون عراقيون حاليون، مثل سيار الجميل وماجد الخزعلي وعبد الحسين شعبان وبالطبع غيرهم، ولكن هؤلاء قلة أنتجت نفسها، في حين أن من سبقت أسماؤهم أنتجتهم بيئة ما قبل إسقاط الملكية و”إعلان الجمهورية”، ومن هنا بالذات يبدأ تشخيص “ليلى المريضة” في العراق.

ـ قال محدثي العراقي اللواء الركن: كأنك تدعو إلى عودة الملكية؟

ـ قلت: لا أدعو إلى الملكية، ولكني ادعو إلى تحديد المفاهيم وإرجاعها إلى أصولها، إذ أنه حين قيل “جمهورية” ما بعد عام 1958، اختلط المعنى على الفهم، وهذا استقدم أسئلة كبرى حول مفهوم “الجمهورية” الذي تقصدون، ومفهوم “الحاكم” الذي تبغون، ومن هذه الأسئلة هل كانت سلطات الملك قبل “الإنقلاب التموزي” أوسع من سلطات “الرئيس” الذي أعقبه؟ أم كانت سلطات وصلاحيات “الرئيس” الذي تولى بالغلبة والقهر والإنقلاب العسكري أوسع بما لا يقاس من صلاحيات ملك يملك ولا يحكم؟ وكيف تكون “جمهورية” ولا يملك الجمهور حولا ولا باعا في أمره، بل إن كل سلطات الحُكم والإستحكام للحاكم بأمره؟ أوليس في ذلك تشتت في المعنى وجعله متروكا في أرض الأفكار السائبة فيدخلها كل متقول ومدع وزاعم؟

أشار إليّ القيادي السياسي العراقي بأن حصته من الكلام قد حانت، فأخذ أطراف الحديث وقال: أنت تعلم أن العراق يعيش منذ عام 2003 حالة استثنائية، فالنظام السابق مزّق النسيج الإجتماعي كما قلت، وحين آل هذا النظام إلى السقوط كانت الدولة قد تحللت، والهوية الوطنية قد تمزقت او كادت، ولا يمكن في هذه الحالة أيضا التغافل عما قام به الأميركيون وحلفاؤهم.

ـ قلت: حالكم بعد عام 2003، ليست أسوأ من حالة الملك فيصل عندما تأسس العراق الحديث عام 1921، والكل في هذه المجالسة الحوارية يدرك أن قسماً من جنوب العراق، وبالتحديد منطقة البصرة، كان يخطط الإنكليز لإلحاقها بالهند، كما أن الموصل بقيت على بساط المجهول حتى 16 كانون الأول/ديسمبر 1925، حين صدر قرار من “عصبة الأمم” بإلحاقها بالعراق، هذا بالإضافة إلى مناطق شمالية اخرى، وبما يعني أن جغرافية العراق لم تكن محسومة حتى منتصف العشرينيات وإلى ما بعده، ومع ذلك، كان ثمة رجال دولة على رأسهم الملك فيصل، اجتمعوا حول فكرة الإيمان بـ”إيجاد” العراق، وأن يكون وطنا وأن تتولاه دولة ذات نظام ليس هو الأمثل، ولكنه الأقل سوءا مما جاء بعده، والدليل إلى ذلك، أن ما تم بناؤه قبل عام 1958، جرى تحطيمه بالتعاقب والتراكم السلبي إلى أن باتت الدولة أشبه بـ”الأرض اليباب” كما هو عنوان القصيدة المشهورة للشاعر الأميركي ت. س. إليوت.

قال محدثي اللواء الركن وشاركه في الرأي القيادي السياسي العراقي: قد تكون على صواب جزئي ولكن نحن اهل العراق أدرى بشعابه، فالتركيبة العراقية معقدة، والمتربصون بالعراق كُثُر، والحزبيات متناحرة، والقوميات مشرئبة الأعناق، وحُكم العراق أشبه بالنوم بين الثعابين.

ـ قلت: هذا ما نقوله في لبنان ما عدا القوميات المشرئبة المستبدلة بالطوائف، ولكم منها نصيب، حين انهارت الدولة اللبنانية سنة 1975، وتمزقت معها الهوية الوطنية بعدما كاد ينعقد نسيجها النظيف في الفترة الشهابية، خرج من يقول إن لبنان “خطأ تاريخي”، وإن لبنان ليس أرضا للحُكم وإنما أرض نزاع، كان ذلك تعبيراً عن العجز في اجتراح الحلول، وكلما استبد العجز بالعقل تكبُر المظنونات الصادرة عن النفس الأمّارة بالسوء التي لا تجيد صنعا ولا تميل إلا نحو إنتاج ثقافة المظنة والإرتياب.

عند هذا الحد قال الصحافي العراقي الكبير: هل ترمي بقولك إن العراقيين يخشى جلهم من جلهم ويرتاب كلهم من كلهم؟

ـ قلت: هذا هو بالضبط مشهدنا اللبناني، وعلى لبنان والعراق السلام.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  لُغتنا..