من يُنزل إسرائيل عن سُلّم “خط الطفافات”؟

مُجدداً، تقع المنظومة الحاكمة في أفخاخ العدو الاسرائيلي عن سابق تصور وتصميم. صحيحٌ أن لبنان في التصنيف الدولي الذي يمارس عملياً هو "دولة فاشلة"، وان ما يمكن تحصيله من العدو في ظل هذه المنظومة التي انهكت المقاومة جراء امعانها بالخطيئة المتعمّدة يُعتبَر مكسباً، إلا أن الأصح أن ما يسمى "المجتمع الدولي" بقيادة الولايات المتحدة لن يتردد في الاستثمار على إرتكابات "المنظومة" وصولاً إلى تجريدها من كل ما يستر ما تبقى من عوراتها.

هي قصة قديمة متناسلة، حيث كانت المقاومة منكبة بكل قدراتها على مقارعة الارهابين الاسرائيلي والتكفيري، وكانت وما زالت، المنظومة الحاكمة تسرح وتمرح بكل مقدرات الوطن وتمعن في الفساد. انتصرت المقاومة في ساحات النزال واثبت رجالها انهم “في الميدان ليوث لا يبارون”، وعندما التفتت الى الداخل وجدت هيكل دولة مهشمة تتآكلها الغايات والمطامع والرغبات التي حوّلت لبنان الى أشبه ما يكون بـ”خيمة كراكوز” (بالإذن من عمر الزعني). لكن هذا لا يعفي قيادة المقاومة من مسؤولية عدم التصدي لهذا الخراب بما يحمي ظهرها في مواجهتها المستمرة مع عدوها.

جميعهم يعلم أنه وفقاً للقانون الدولي، ووفقاً للدراسة التقنية والقانونية التي أعدها الجيش اللبناني والمبنية على القانون الدولي وتقنيات الترسيم المعتمدة عالمياً، أن الحد الذي يجب أن تبدأ به المفاوضات مع العدو الاسرائيلي هو الخط ٢٩. وقد تم تدعيم هذا الموقف بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية التي نظرت بقضية مشابهة بين الصومال وكينيا بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر 2021، وبهذا الخط يصبح حقل قانا كاملا للبنان وحقل كاريش متنازع عليه.

ان كل ما طلبه لبنان هو أن ينص الاتفاق على أنه لا يمكن لاسرائيل عرقلة عمل “توتال” أو اي مشغّل آخر في حقل قانا لأي سبب كان، وإن “خط الطفافات” ليس حدودا بحرية نهائية لاسرائيل، وان هذا الترسيم البحري لا يؤثر اطلاقا على الحدود البرية

إن إعادة تكرار هذا الكلام هدفه جعل الرأي العام اللبناني مُدركاً أن ما يطالب به لبنان اليوم هو الحد الأدنى الممكن القبول به، فهو أعطى من خلال قبوله بالاقتراح الأميركي، كامل حقل كاريش إلى اسرائيل، وأبقى جزءاً من حقل قانا تحت سيادتها على أن يكون استثمار النفط والغاز من حق لبنان في هذا الحقل. فاستطاع الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين قلب المعادلة، فبدلا من أن يكون للبنان حق سيادي في كاريش وكامل حقل قانا، أصبح الوضع اليوم أن لإسرائيل حق سيادي في حقل قانا وكامل حقل كاريش. وبعد أن رضي لبنان بهذا الواقع المجحف، اكتشف أن الوسيط الأميركي يخبئ في الاتفاق الخطي افخاخا تعرقل انتاج النفط والغاز من حقل قانا لمصلحة لبنان، وتسلب سيادته على جزء من مياهه الإقليمية، عدا عن إبقاء احتلاله لنقطة رأس الناقورة والنقطة B1 والنفق السياحي.

ماذا في التفاصيل؟

ينص الاتفاق على أن جزءاً من حقل قانا الواقع جنوب الخط 23 هو تحت السيادة الاسرائيلية، إلا أن حق استثمار النفط والغاز من كامل هذا الحقل يعود للبنان، وإذا أرادت اسرائيل المطالبة بتعويض ما، فتم الاتفاق على أن هذا التعويض تدفعه شركة “توتال” الفرنسية من أرباحها وليس من حصة لبنان المحددة بموجب الاتفاقية مع “توتال” الموقعة في العام 2018.

كما ينص الاتفاق على أن المسافة الممتدة من الشاطئ في الناقورة حتى 5 كلم في عمق البحر غرباً، تبقى كما هي عليه، أي أن لبنان لا يتنازل عن نقطة رأس الناقورة ولا عن الخط  23 في الجزء الممتد لهذه المسافة، وإن اسرائيل لا تتنازل عن “خط الطفافات” في هذه المنطقة ايضا، على أن يؤجل البحث في هذا النزاع إلى وقت آخر. إلا أن الصيغة الأميركية المكتوبة أتت مفخخة لناحية إمكانية عرقلة اسرائيل عمل شركة “توتال” في حقل قانا في المستقبل، وان اسرائيل تنوي من خلال هذا الابهام جعل “خط الطفافات” حدودا دولية بحرية معترفا بها لها، وابقاء احتلالها لنقطة رأس الناقورة والنفق السياحي الى الابد.

ان كل ما طلبه لبنان هو أن ينص الاتفاق على أنه لا يمكن لاسرائيل عرقلة عمل “توتال” أو اي مشغّل آخر في حقل قانا لأي سبب كان، وإن “خط الطفافات” ليس حدودا بحرية نهائية لاسرائيل، وان هذا الترسيم البحري لا يؤثر اطلاقا على الحدود البرية.

إلا أن الرد الاسرائيلي الرافض للتعديلات اللبنانية يكشف النية المبيتة لاسرائيل بحرمان لبنان من انتاج النفط من حقل قانا، حيث تجدر الإشارة إلى أنه ثمة سابقة في العرقلة امتدت أكثر من ١٠ سنوات بين قبرص واسرائيل في حقل افروديت، وهما دولتان صديقتان.

ماذا لو كانت مرت هذه الاتفاقية بصيغتها الأخيرة؟

لو مرّت، لكانت اسرائيل بدأت بإنتاج النفط والغاز وضخه من حقل كاريش وتصديره إلى اوروبا، ولبنان ينتظر ابرام اتفاقيتين لا يضمن حصولهما حتى يضمن حقوقه. الاتفاقية الاولى بين اسرائيل وشركة “توتال” على قيمة التعويض واعطاء الأذونات للعمل في حقل قانا الذي يمتد إلى جنوب الخط ٢٣، والاتفاقية الثانية هي لحل النزاع عند “خط الطفافات” الأمر الذي لن يحصل لأن اسرائيل جعلت هذا الخط تحت سيطرتها منذ العام 2000، فهل هي تريد أن تفاوض مجدداً للسيطرة عليه ـ وهي حاصلة على ما تريد ـ أم تريد للتوصل إلى اتفاق خطي مع لبنان؟.

إقرأ على موقع 180  سليم الحص.. الزهد رئيساً

للدلالة على ذلك، لنقرأ سوية ما ورد في إفتتاحية صحيفة “هآرتس” اليوم (الجمعة):

“ما دامت المصالح الأمنية الإسرائيلية مُصانة، وهذا ما تُجمع عليه كل الطواقم المهنية، فإن السلام على الحدود الشمالية، وخصوصاً في حوض شرق المتوسط، أثمن بكثير من قطعة صغيرة من الأرض البحرية، وأهم من كل الأموال النظرية من الحقول التي لن يربح أحد منها شيئاً في حال وقعت الحرب. إذاً، ينبغي ألاّ يخضع يائير لبيد لضغوط بنيامين نتنياهو، وأن يمضي قدماً نحو الاتفاق”!

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  سليم الحص.. الزهد رئيساً