لنحذر “الصندوق السيادي”

لا أحد يُمكنه الجزم ببترولية شواطئنا ومياهنا الإقليمية وبرّنا، من أعماق "قانا" إلى باطن يحمر وسحمر وصولاً إلى سهل الخان في خراج تبنين.

المهندس غسّان قانصو سبق له الفضل في إطلاق هذا النوع من البشارة منذ العام 1968 قبل تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية والمقدرة العلمية على سبر أعماق اليابسة والبحار. كانت سبقته بعثة “إيرفد” الفرنسية فكشفت واقع وجود النفط في أرضنا اللبنانية بجهود الباحث الفرنسي لويس دوبرتريه في العام 1932، ثم عملت مع سلطات الأمر الواقع في حينه (عام 1938)، على إصدار أوّل امتياز للتنقيب عن البترول في لبنان، (حيث ما تزال آثار البئر التي حفروها في منطقة سهل الخان في خراج تبنين ثم أقفلوها بباب حديدي مستدير) قائمة. في تلك المراحل جرت أعمال حفر واستكشاف دلّت على وجود نفط وغاز في أراضي كلٍ من يحمر وسحمر والقاع في البقاع، وفي عدلون جنوب صيدا وتل ذنوب جنوب البقاع الأوسط. أضف إلى ذلك دراسة أجراها الجيولوجي الأميركي جورج رونوراد في العام 1955، ومثلها دراسات شتى لأجانب آخرين، ومعهم مهندسون لبنانيون خبراء في الموضوع، خلُصت جميعها إلى وجود نفط بكميات كبيرة في لبنان. لكن هذه الأعمال جميعها انتهت بسحر ساحر وجرى ردم الآبار التي حُفرت من دون أن يُبرّر أحد للبنانيين السبب!

في العام 2002، ارتأت حكومة الرئيس رفيق الحريري فتح هذه الصفحة من جديد، فاتفقت مع شركة “سبكتروم” الإنكليزية التي أجرت مسحاً ثنائي الأبعاد غطى كامل الساحل اللبناني، وانتهت منه إلى احتمال فعلي لوجود النفط والغاز. هي النتيجة ذاتها التي توصلت إليها في ما بعد شركة “جي آي أس” (GIS) النرويجية، والتي وثّقت أبحاثها بخرائط. بعد ذلك في العام 2013، أجريت دورة التراخيص الأولى وتقدمت 46 شركة عالمية للحصول على الامتيازات، حيث رسا الخيار على كونسورتيوم “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية و”نوفاتيك” الروسية (لم تلبث أن انسحبت مؤخراً بوعد إو إتفاق أن تحل شركة قطرية محلها).

بعد أن باشرت “توتال” عملية الحفر في البلوك رقم (4) في العام 2020، عادت لتوقف التنقيب بعد شهرين، وغادرت مُعلنة أنّ لا غاز في هذه الرقعة، وقررت منفردة تأجيل التنقيب في البلوك رقم (9) الذي كان من المفترض أن يبدأ في أيار/مايو 2020.

الشركات غير اللبنانية لاستثمار الثروة الوطنية وإدارة الأصول، هي الحل. وكل كلام آخر لا يزيد ولا ينقص عن خدعة.. باتت قديمة

الآن، ينبغي أن تكون هذه السيرة قد انتهت وأمسك لبنان قضية ثروته (المفترضة) بيده، من دون هيمنة لا فرنسية ولا سواها. لكن كل ما جرى منذ ما قبل مسيّرات “حزب الله” وحتى انقلاب الأميركي- الإسرائيلي عاموس هوكشتاين من مفاوض ساخر إلى مجتهد مهتمّ، لا يعني أكثر من أن لبنان انتهى أو يكاد من ترسيم حدوده المائية، بعد أن “أذعن” العدو ومن خلفَهُ للحق اللبناني، إنما من دون أن يعني هذا أبداً أننا أصبحنا دولة نفطية. فالافتراض لا يُفضي بالضرورة إلى الحقيقة، ويبقى للواقع بعد اكتشاف حقيقته، أن يحسم الأمر، إذ ليس كل بلد ينجح في ترسيم حدوده المائية، يصبح بلداً نفطياً.

لنفترض اليوم أن ما يأمله اللبناني قد تحقق، وأن أغوار مياهنا الإقليمية، كما أعماق أراضينا، غنية فعلاً بالنفط وبالغاز، وأن البلوك البحري رقم (9) مثلاً يحتوي على كذا مليار متر مكعب من الغاز، وأن البلوك رقم (4) ينام هو الآخر على ثروة غازية، فإلى أين من هذه النقطة؟

لنعد إلى أرض الواقع. نحن لسنا النروج ولا حتى سوريا. دولتنا ينخرها الفساد، ومثلها إداراتنا. وأي ثروة يمكن أن تتحصل، هذا إذا كانت لدينا ثروة وجرى استخراجها من مياهنا أو برّنا، فستجد الفساد بانتظارها لتلحق بأموال خزينتنا وودائعنا المصرفية وبكل ما جرى سلبه ونهبه.. وما يزال، سواء بإساءة استخدام السلطة أو بالتزوير أو بالـ”تشبيح” أو بالسمسرة. وأمامنا أكثر من ثلاثة عقود انقضت تحتوي على ألف دليل ودليل على أن لدينا سرقة ونهب واختلاس وتزوير وغصب.. وليس بيننا مُرتكب واحد.

ما الحل؟

السياسي اللبناني الجهبذ الشاطر يدلنا على الطريق السهل-الممتنع لإنقاذ الثروة وتخصيصها للناس وللوطن: الصندوق السيادي، هذا “الاختراع” الذي يحاول بيعنا إياه على أنه سفينة نوح العصر الحالي وبساط الريح الذي سينقلنا من بلاد الفقر والفاقة والعوز إلى جنّات نعيم الثراء والنفط والغاز.

لكن، لو نتوقف لحظة ونتساءل: هل إن ابتكار “الصندوق السيادي” يحل المشكلة حقاً طالما أن الفاسدين ما زالوا هم إياهم هناك، في قيادة السفينة، لم يرحلوا ولم يُسجنوا ولم يُشنقوا ولم يهربوا؟

ومن يؤكد أن الصندوق السيادي هو الحرز الأمين الذي يضمن عدم ضياع ثروة اللبنانيين وتناتشها بين سياسييه؟

أليس أن “صندوقهم السيادي” الذي يُبشّرون به هو التوأم غير المتطابق لـ”صندوق العملات الأجنبية” في مصرف لبنان، والذي غدا، كما يعرف الجميع، بقية ألواح خشبية رخيصة مقفلة على خواء.. بعد سرقة ونهب محتوياته من قبل السياسيين الفاسدين أنفسهم؟

إقرأ على موقع 180  مفاوضات الحدود البحرية: "غموض بنّاء" و"مياه هائجة"!

سيقول بعضهم: أنظروا إلى تجربة دولة النروج. لقد أقامت صندوقاً سيادياً لثروتها من النفط والغاز، وهي في مقدمة الدول المرتاحة المكتفية، وشعبها لا يشكو من أي نقص في المال والمواد الاستهلاكية ولا الضرورية ولا الكمالية ولا الترفيهية.

كل هذا صحيح. لكننا لسنا النروج، ولا سياسيونا مثل سياسيي النروج، وسبق أن لقّبنا بلدنا بسويسرا الشرق قبل أن “يأكله” سياسيونا.

هل يعني هذا أن لا حلّ أمامنا، وأن ثروتنا المفترضة ستذهب، كما كل ثرواتنا الوطنية، إلى جيوبهم وحسابات أولادهم وأخوتهم وغوريللاتهم؟

لا. هناك حل.

لا الدولة بالطبع، فهي كائن وهمي غير موجود عندنا بمعناه المتعارف عليه عالمياً. ولا الصندوق السيادي، لأنهم كما هو بديهي، سوف يسرقونه بفسادهم وإجرامهم وتوظيف محاسيبهم أجرائهم فيه لينهبوه.

الحل هو بتسليم عملية استخراج وتسويق الثروة الوطنية وإدارة الأصول لشركات استثمار عالمية موثوق بها ومشهود لها، وهي متوفرة وكثيرة ومأمونة أكثر بألف مرة، على الرغم من أنها ليست ملائكية بالطبع ولا هي آتية للتوّ من المدينة الفاضلة. إلا أنها ستعطينا من حقنا الوطني، أكثر باضعاف مما سنناله من أي شركة وطنية أو خلافها مما جرى ذكره. إضافة إلى أن القضاء الدولي، في حال الإضطرار للجوء إليه، سيكون أكثر عدالة معنا من قضائنا المحلي الذي تبيّن بما لا يقبل أي شكّ أنه قاصر وعاجز ومعطّل وينهشه الفساد.

هذا السياسي لن يُعدم وسيلة في ارتداء أزياء القداسة واعتمار تيجان العدل والوطنية وإدارة الأصول بكل الإخلاص والوطنية، كما كان دأبه في الزعم على امتداد العقود الأخيرة التي أوصلت الوطن والمواطن إلى هذا الدرك الأسفل

إن الكيفية التي تُدار بها الثروة العامة هي نقطة اختلاف حاسمة يتم بموجبها التمييز بين البلدان الناجحة والبلدان الفاشلة. ومهما كانت الثروة العامة هائلة، فمن الممكن أن تتحول إلى لعنة حين تُغري المسؤولين السياسيين (الفاسدين) بالانخراط في أنشطة غير مشروعة وزبائنية في ظل الفساد والحوكمة السيئة. وحتى صندوق النقد الدولي، وهو جهة غير ذات مصلحة مباشرة في مساندة هذا السياسي أو ذاك، يرى أن المؤسسات المملوكة من الدولة غالباً ما يشوبها سوء الإدارة. لذا تكون أقل إنتاجية من الشركات الخاصة بنحو الثلث.

لذا علينا أن نكون في غاية الحذر. فالسياسي اللبناني الذي بات فساده مضرب مثل في العالم، بحيث أن كثيراً من المساعدات باتت تصل، ليس إلى الدولة اللبنانية لسوء سمعتها وصيتها، بل إلى جمعيات ينبغي أنها نزيهة لا تتوخى الربح، على الرغم من أنها “خرّجت وتُخرّج” أثرياء لا يقلون فساداً عن السياسيين. هذا السياسي لن يُعدم وسيلة في ارتداء أزياء القداسة واعتمار تيجان العدل والوطنية وإدارة الأصول بكل الإخلاص والوطنية، كما كان دأبه في الزعم على امتداد العقود الأخيرة التي أوصلت الوطن والمواطن إلى هذا الدرك الأسفل.

الشركات غير اللبنانية لاستثمار الثروة الوطنية وإدارة الأصول، هي الحل. وكل كلام آخر لا يزيد ولا ينقص عن خدعة.. باتت قديمة.

Print Friendly, PDF & Email
محمود محمد بري

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "تميّز" كورونا الوبائي: بشر في القفص وحيوانات تسرح