بعض النقاش حول الحجاب.. عنفٌ مضاعفٌ ضد النساء

لا أريد أن أتناول موضوع الحجاب والمحجبات من الزاوية الدينية، وأثبت لكم انها فريضة واناقش في أدلتها، فليس المجال هو مجال تخصصي، فأنا لم أدرس الأديان ولا استطيع أن افعل هذا لأني سأقضي عمري غارقة بين طيات النصوص والأحاديث والفتاوى.

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما نشهده من جدل في وسائل الإعلام مؤخراً (وبينها موقع 180post) حول موضوع الحجاب، وإظهار المرأة المحجبة بوصفها “إمرأة ضعيفة خاضعة غير فاعلة أو مؤثرة في المجتمع”، وبالتالي وضع وصمة على كل امرأة محجبة، في مقابل المرأة غير المحجبة “التقدمية” و”العصرية” و”الفاعلة”!

نعم أنا محجبة. أمي ليست محجبة. أبي لا يوافق على موضوع الحجاب. أختي الأصغر مني محجبة وأختي الأصغر منها غير محجبة. لم يُفرض الحجاب عليّ من أحدٍ، ولم يَحُل الحجاب بيني وبين نشاطي كصحافية وأستاذة وأم وزوجة وإنسانة مستقلة، مادياً ومعنوياً وإجتماعياً.

وكأي إنسان يُخطئ ويُصيب، لماذا يجب أن أثبت لكم أني لست خاضعة ولست قاصرة ولست مغيبة بسبب حجابي. أصلاً لماذا أكتب نصي هذا؟

أكتب بعد ما قرأت من كم هائل من المقالات والمقاربات التي طالت مؤخراً موضوع الحجاب والمحجبات وكأنهنّ مشكلة المشاكل وسبب كلّ الويلات، الأمر الذي استفزني كإنسان وكإمرأة ليس لأحد الحق أن يناقش موضوع شكلها الخارجي، أقله من الناحية الإجتماعية والثقافية وليس الدينية.

لم يعد الكلام عن الحجاب وجهة نظر فقط؛ إنه تكرار لأفكار تسيء الى المرأة المحجبة، بحجة الدفاع عنها، فلماذا لا يتم النقاش حول الضغط الإجتماعي الذي يمارس على المرأة اللبنانية، ويَفرِض عليها ما هو مؤذٍ لها ولصحتها.

جميعنا يعرف جيداً ما تفعله النساء للحصول على الرضا الاجتماعي لتصبح “مطابقة لمواصفات الموضة” ومفردات “العصرنة”؛ المواصفات التي حدّدها بعض الرجال في منظورهم للمرأة، أمي تقول: “تشعر المرأة بالألم في كل حياتها إلاّ عند طبيب التجميل”، وهذا إن دلّ على شيء فهو تأكيد على أنّ المرأة تعاني وتجهد نفسها وتخضع لعمليات صعبة وخطيرة لتبقى جميلة؛ رشيقة؛ صبية حتى بعد انجاب عدّة أطفال.. عمليات شفط الدهون أو حقن الوجه والشفاه وشدّ الخدود والعيون أليست موضوعاً للنقاش؟ أليست خضوعاً للمجتمع الذكوري! ألا تستحق هذه المسألة لفتة من أصحاب القلم والفكر الذين يتبارون اليوم في تحليل ظاهرة الحجاب باعتبارها ظاهرة غريبة عن الإنسانية ويضعون المحجبة في قفص الضحية أو القاصرة او المغلوبة على أمرها!

لنلقي نظرة على المرأة اللبنانية غير المحجبة، وندخل سوياً في تفاصيل يومياتها، حين تسابق الصباح لتحضّر نفسها للعمل، ساعة كاملة قد تحتاجها لتصفيف شعرها، واختيار ثيابها ووضع الماكياج وانتعال الكعب العالي الذي يعيق حركتها، هذ الجهد الجسدي بالإضافة إلى الثمن المالي الذي تدفعه ألا يستحق فهم أبعاده وتخفيف وطأته عن كاهل النساء؟

للنساء كلّ الحرية أن يَظهرن كما يردن، بحجاب او من دون حجاب، بثياب مرتبة او بملابس النوم، لا أحد له الحق أن يقرر مظهر المرأة واسلوب حياتها، خصوصاً فئة المثقفين الذين يمارسون ذكورية مشابهة لما يسرفون بالكلام عنه بأنه ذكورية ضد المرأة وسيطرة عليها

بالنسبة لي الحجاب جزء من نظام متكامل، أقبله كله أو أرفضه كله، وهذا يرتبط بمدى إلتزامي بنظام عام، بأمور كثيرة لا يمكن تبريرها بالعقل، فلماذا يقف الناس عند سماع النشيد الوطني، ولماذا يقوم الجندي بتحية علم بلاده، أليست هذه التصرفات مُسلّمٌ بها عالمياً وبرمزيتها، لماذا لا يُعتبر الحجاب من ضمن هذه الرموز ويصبح بديهياً؟

ما نراه في بعض الأنظمة السياسية كإيران أو السعودية من فرض إلتزامات على المرأة هو موضوع إنتظام داخلي. ولكل بلد ومؤسسة ومجتمع نظامها الخاص، وعلى الفرد قبول النظام أو رفضه، مثلاً تفرض الكثير من الدول قوانين تمنع المواطن من إظهار معتقداته الدينية في الأماكن الرسمية، مثال آخر تفرض الكثير من الدول ضرائب باهضة على المواطنين، وبالتأكيد لا أحد يحب أن يدفع الضرائب، ولكن هل يمكن البقاء في البلد من دون تسديد المتوجب عليك مالياً؟

مثال آخر، إذا أردت العمل في مؤسسة مرموقة وكان دوامك من الثامنة حتى الخامسة، وعلى افتراض أنك لا تحب الاستيقاظ مبكرا وقيادة سيارتك والإستماع إلى ضجيج الحشود المستعجلة للوصول إلى مقاصدهم، هل يمكن أن تناقش مديرك بأن الدوام من الساعة الثامنة ضار للصحة ومعيق للانتاجية وغيرها من الحجج.. بالتأكيد لا، إما أن أقبل هذا النظام أو أبحث عن عمل يبدأ من الساعة العاشرة مثلاً.

مقاربة موضوع الحجاب والإستقلالية من منظور ديني خاطئ جداً، مثلاً هل يمكن أن تسمح لابنتك بالتدخين قبل الثامنة عشرة، أو لابنك بشرب الكحول قبل الثامنة عشرة، أو الإمتناع عن إكمال دراستهم قبل الثامنة عشرة؟ أو قيادة السيارة أو عدم النوم خارج المنزل والأمثلة كثيرة، فما داموا تحت سن الرشد لا يستطيعون الإّ الإلتزام بالنظام الداخلي للأسرة.. وبعد ذلك لديهم كل الحرية في ممارسة حياتهم.

إقرأ على موقع 180  رحلة ابن جبير من سبتة إلى مكة.. بمعيار الإسلام (1)

البعض من صديقاتي قررن العيش في بيروت بعيداً عن عائلتهن وباستقلالية تامة، هل تعرضن للعنف او القتل؟ حسب معرفتي لم يحصل لهنّ أي مكروه.

وعلى سيرة العنف الأسري، هل يمكن الجزم من خلال التجربة اللبنانية أن النساء اللواتي قتلن على يد أزواجهن كنّ محجبات؟ ما هي نسبة النساء المحجبات اللواتي تعرضن للعنف الأسري مقارنة بغير المحجبات؟

الموضوع مرتبط بشخصية كلّ من المرأة والرجل ونضجهما، فالاعتماد على الآخر مادياً يفرض الخضوع لسلطته، فإذا قررت المرأة أن لا تدرس او لا تعمل فما علاقة قرارها بالحجاب؟ وهل كل النساء غير المحجبات لديهن كامل الحرية والاستقلالية؟ اذا لماذا يوجد عنف أسري في فرنسا وايطاليا واسبانيا بنسب مرتفعة، أليس بسبب ذهنية ذكورية ما لدى شريحة واسعة من الشعب؟

تأتي الانتقادات الأخرى التي تقول إن للرجل الحق في أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة، هذا صحيح ولكن بنفس الوقت للمرأة الحق في وضع الشروط التي تريدها في عقد الزواج، مثلا أن تحصل على الطلاق بمجرد زواج الرجل أو خيانته، كما تستطيع أن تحصر موضوع حضانة الأطفال بها بعد الطلاق. عقد الزواج الاسلامي عقد مدني مفتوح يسمح للطرفين بإملاء شروطهما، وبدل الحملات حول لباس المرأة كان الأفضل ان تكون الحملات توعوية تساعد المرأة على إدراك حقوقها وكيفية الحصول عليها، انطلاقاً من مبدأ صحافة الحلول التي تفرض على الصحافي تقديم الحل أو المشاركة فيه وليس البكاء على الأطلال أمام التحديات التي تعصف بالمجتمع.

وطبعاً يجب أن أذكر قضية ختان البنات، لماذا الكلام عن ختان البنات وعدم الكلام عن ختان الذكور، لماذا يتم تسليط الضوء على قضية اجتماعية مرتبطة بالوعي الجمعي لبلد كامل وهو مصر، وربطها بموضوع التدّين، هل يوجد في لبنان ختان للإناث، ألا يوجد في لبنان أشخاص متدينون؟ اذا لماذا لا ينتشر الختان هنا وينتشر في مصر، أعيد لأربط هذه المسألة بالثقافة الشعبية السائدة.

لا إكراه في الدين، والمرأة تستطيع أن لا ترتدي الحجاب، كما تستطيع أن لا تصلي ولا تحج ولا تصوم ولا تزكي وتستطيع ان تفعل العكس ولا أحد له الحق بوصم الآخر أو الحكم عليه. حياتها الدينية شأنها الشخصي

وما يزيد الأمر سوءاً تعميم فكرة أن الاسلام يعتبر المرأة عورة، ومصدر إغواء وإغراء. أليس في منطقتنا العربية لباس خاص بالرجل؟. عباءة وغطاء على الرأس. ملوك وأمراء يجولون في كل الأماكن الرسمية بزيّهم الخاص، لماذا لا يتم الكلام عنهم؟ أليس هذا الغطاء مرتبطاً بثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، لماذا يُحترم هؤلاء ولا تحظى المرأة المحجبة بنفس الإحترام. إذن لماذا على النساء التبرير والشرح ودفع التهم عنهن؟ وليس لهن الحق أن يرتدين حجاباً يمثل جزءاً من هويتهن الاجتماعية والثقافية والريفية قبل أن يكون إعلانا عن هويتهن الدينية؟

الأجدى من التدّخل في مظهر النساء الخارجي هو التوعية حول حقوقهن، وبدل كتابة المعلقات حول شكل المرأة وتنميطه، كان الأجدر والأهم النقاش في واقعها القانوني والحقوقي ولا سيما حقها في اعطاء الجنسية لأطفالها.

أثبتت كثيرٌ من النساء المحجبات قدرتهنّ على تحقيق أحلامهنّ بكل ما فيها من طموحات أو مطالب بسيطة، وعلى الرغم من رفضي القاطع أن تكون المرأة تحت وطأة إثبات أي شيء لأي كان، فإن حريتها فيما تفعل مطلقة. ولولا شعوري بأن الكلام عن الحجاب بدأ يمسني كما يمس كرامة أي امرأة أخرى وكرامة شريحة واسعة من النساء المحجبات، لما أردت الكتابة عن هذا الموضوع، لأنه شخصي لا أبرّره لأي كان.

للنساء كلّ الحرية أن يَظهرن كما يردن، بحجاب او من دون حجاب، بثياب مرتبة او بملابس النوم، لا أحد له الحق أن يقرر مظهر المرأة واسلوب حياتها، خصوصاً فئة المثقفين الذين يمارسون ذكورية مشابهة لما يسرفون بالكلام عنه بأنه ذكورية ضد المرأة وسيطرة عليها.

لا إكراه في الدين، والمرأة تستطيع أن لا ترتدي الحجاب، كما تستطيع أن لا تصلي ولا تحج ولا تصوم ولا تزكي وتستطيع ان تفعل العكس ولا أحد له الحق بوصم الآخر أو الحكم عليه. حياتها الدينية شأنها الشخصي، المشكلة ليست بالحجاب فهو خيار حرْ ومسؤول للمرأة التي ارتضت الإسلام ديناً. المشكلة في سلب المرأة من هذا الحق ليصبح ارتداء الحجاب مادة لمصادرة حرية المرأة. الحياة الدينية شأن شخصي، لماذا هذا التدّخل السافر في حياة النساء؟

Print Friendly, PDF & Email
مايا ياغي

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  أرض لبنان بديل جهنم.. والحرب أسوأ النوايا!