تحالف “شاي حليب”: البحث عن زيلينسكي بملامح آسيوية (2)
زيلينسكي الصين

تاناتورن جوانجرونجروانجكت Thanathorn Juangroongruangkit، هو ملياردير تايلاندي معارض؛ ورث ثروته عن أبوين ثريين؛ صاحب أكبر شركة تايلاندية لصناعة قطع غيار السيارات The Summit Group؛ يُروّج له مؤخراً على أنه الوجه التقدمي الأبرز في صف معارضة نظام الحكم الانقلابي بتايلاند.

بإنشائه حزب “المستقبل إلى الأمام ـ Future Forward Party” الذي سريعاً ما تم حلّه. كثيراً ما يتم التهليل لمقارنته بوجوه سياسية “شابة” مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، بينما يشتهر هو بلقب “ملياردير العوام The Billionaire Commoner”، في إطار رسم صورة له على أنه السياسي الذي يحاول إعادة ضبط النظام الطبقي الاجتماعي بتايلاند!

يكفي مثال واحد على أحد اعتراضات تاناتورن على الصين لتتضح النقطة. فقد اعترض على تصدير الصين القطارات السريعة إلى تايلاند، مفضلاً استيراد قطار Hyperloop One الأمريكي بدلاً من قطارات الصين السريعة! وهذا “المعارض المستقل” أصدر مثل هذه التصريحات بعد عودته من زيارة لموقع اختبار نموذج Hyperloop الأمريكي، بولاية نيفادا!

لاحقاً، حلّ حزبه بالمركز الثالث في الانتخابات التايلاندية العامة في العام 2019، حاصلاً على 17.3% من الأصوات، دعا بعدها تاناتورن إلى تظاهرات اعتراضاً على نتائج الانتخابات. وهي الانتخابات ذاتها التي حلّ بها ثانياً حزب Pheu Thai، الذي يقوده ملياردير معارض آخر، سبقه إلى صدارة مشهد “المعارضة”.Thanathorn & Thakshin

الأخير هو تاكسين شيناواترا Thaksin Shinawatra، الذي احتل سابقاً منصب رئيس وزراء تايلاند، وأسّس من بعد خروجه من السلطة بسنوات حزب “من أجل التايلانديين Pheu Thai”. يعيش منذ حوالي 10 سنوات في منفاه الاختياري، بإمارة دبي، في الإمارات العربية المتحدة. كان تاكسين قبيل ترؤسه حكومة تايلاند في 2001، يعمل عضواً بالمجلس الاستشاري لشركة إدارة الأصول الأمريكية “مجموعة كارلايل The Carlyle Group”، صاحبة الفضائح المتتالية. فقط ضع تلك الجملة “Carlyle Group Scandal” في خانة البحث بجوجل، وإختر ما يحلو لك من أطباق الوجبة الفاسدة.

ثمة شخصيات سياسية عالمية رفيعة المستوى عملت بمجالس إدارة هذه الشركة الأمريكية الأخطبوطية. أكتفي بالتركيز على أن تاكسين لم يكن رئيس الوزراء التايلاندي الوحيد الذي احتل منصب استشاري بالشركة، فقد تبعه إلى المنصب ذاته، رئيس وزراء أسبق لتايلاند، هو أناند پانياراتشون Anand Panyarachun. بينما تجد في قائمة العاملين السابقين بكارلايل، أسماء آسيوية أخرى، مثل فيدل راموس (رئيس الفيليبين الأسبق)، بالإضافة إلى الكوري بيتر شانج Peter Chung، الذي تم عزله من منصبه بالشركة الأمريكية، بعد فضيحة الإيميلات التي كان يفخر فيها بين أصدقائه بمغامراته الجنسية ونمط حياته الباذخة!

عودة لتاكسين على ذكر الفضائح، فقد كان الرجل أثناء رئاسته للحكومة التايلاندية، صاحب قائمة انجازات رفيعة المستوى. مثل تكريسه قوات مسلحة تايلاندية ضمن Coalition of the willing، لغزو العراق. وازدهرت في عهده تايلاند في مجال غرف التعذيب الخاصة التي تعرف محلياً في تايلاند باسم “المنازل الآمنة Safe Houses“، واشتهرت على المستوى الدولي باسم Rendition Programs، أو كما يحب البعض أن يسميها “قلاع التعذيب Torture Dungeons”.

كما يحاول تايلانديون “خونة” حتى يومنا هذا، محو آثار “إنجازه” العظيم، بخصخصة قطاع الطاقة والكهرباء بتايلاند. هؤلاء “الخونة” أنفسهم، هم من عارضوا محاولاته الكريمة لتوقيع اتفاقية تجارة حرة بين تايلاند وأمريكا، دون تمريرها عبر البرلمان. مما دفع الجيش التايلاندي للانقلاب عليه في 2006، في محاولة لتعطيل مسيرة “إنجازاته” الوطنية الجليلة!Thailand protests & coups

وعلى سيرة الإنجازات، لا بد من التذكير بالثورة “المعارضة السلمية جداً” عامي 2009 – 2010 وقادها معارضون بينهم أنصار تاكسين، مستخدمين ميليشيات “مسالمة” لتساعدهم على تنفيذ أعمال الحرق والتدمير في العاصمة، في حلقة من عقد الثورات الملونة، التي اختاروا لها اللون الأحمر الملائم في تايلاند، تاركين البرتقالي ليكون اللون الرسمي لثورة ميدان الأوكرانية التي تم “تنظيمها” عام 2014. وقد انتهى الأمر بـ”الثورة الحمراء” التايلاندية إلى مواجهات مسلحة “شيقة” بين “الثوار” وقوات الأمن والجيش، اتفق المتابعون خلالها على مشاهدة تشكيلة من إصابات الأعيرة النارية المتنوعة بين الطرفين، ليختلفوا فقط على أعداد الضحايا في النهاية!

على جانب آخر، أذاعت علينا لورا كوينيسبرج، مراسلة قناة BBC، في تشرين الأول/أكتوبر 2014، أثناء تغطيتها لفعاليات منتدى أوسلو للحرية Oslo Freedom Forum، خبراً دالاً. وهو أن أحد النشطاء بالمنتدى، ساعد في تنظيم تظاهرات هونج كونج وقتئذ! مما حدا بموقع BBC News أن يضيف توضيحاً بنهاية الصفحة التي تحوي هذا التقرير المصور، يقول: “قد يكون التقرير، المذاع بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2014، قد أعطى انطباعاً أن تظاهرات الديموقراطية بهونج كونج، تم تخطيطها من قبل نشطاء أجانب. الإشارة إلى التظاهرات كان المقصود منه في الحقيقة هو أن التخطيط لها قد جرى في هونج كونج، بدعم من الخارج”. شكراً “بي. بي. سي” على التقرير والتوضيح، فكلاهما دال.

ونحن نعرف أن منتدى أوسلو للحرية، التابع لوزارة الخارجية النرويجية، يرعاه ويموله بالإضافة للحكومة الرسمية بالنرويج، كيانات مثل، منظمة جون تمبلتون (رجل الأعمال البريطاني/الأمريكي)، منظمة عائلة سيرجي برين (أحد مؤسسي شركة جوجل)، شركة Jigsaw التابعة لجوجل الأمريكية، شركة Core Scientific الأمريكية، تويتر، أمازون، شركة Kingsway Capital البريطانية، بالإضافة إلى Freedom Fund التي تقع مقراتها الرئيسية في العاصمة الإنجليزية لندن، ومدينة نيويورك الأمريكية. وفريدم فاند هذه، يُموّلها هي ذاتها، إلى جانب منظمات وشركات خاصة، جهات حكومية ثلاث هي: الوكالة النرويجية للتعاون الإنمائي، وزارة الداخلية البريطانية بالإضافة إلى وزارة الخارجية الأمريكية.. بالطبع!

إقرأ على موقع 180  ما بعد خيرسون.. القرم أو التسوية؟ 

خمن الإسم الذي ظهر هذا العام ضمن قائمة أبرز الحاضرين لمنتدى أوسلو للحرية الذي أقيم بتايوان في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2022. بالضبط، هو بعينه، تاناتورن .. ملياردير العوام التايلاندي! ناهيك عن التمويل الذي يتلقاه حزبه Future Froward، ضمن عديد المنظمات “الديموقراطية” الأخرى في تايلاند، من مؤسسة الوقف الوطني للديموقراطية The National Endowment for Democracy، الممولة رسمياً من الكونجرس الأمريكي.Thanathorn is Oslo Freedom Forum 2022

عودة الى بانكوك، لم ينسَ متظاهرو تايلاند في 2019 و2022، اللون الأحمر، فقد ظل كثير منهم يرتدون التيشرتات الحمراء، في تكامل مع روح ثورة متظاهري Red Shirts المؤيدين لتاكسين شيناواترا في 2009، لكن تحت لقب “الطلبة المتظاهرون” هذه المرة. لا بأس من الالتفات إلى التزامن المتقن بين موجات التظاهر في هونج كونج في 2014 و2019 من جهة والموجات الحمراء والبرتقالية من جهة ثانية!

هنا تجدر الإشارة إلى أن أخت تاكسين، الملياردير المعارض، وتدعى ينجلوك شيناواترا Yingluck Shinawatra، قد احتلت سابقاً منصب رئيسة وزراء تايلاند من أغسطس/آب 2011 إلى مايو/أيار 2014، حين وقع الانقلاب العسكري الذي أتى بشان-أوشا إلى سدة السلطة. وقد تمت محاكمة بنجلوك في 2015، في فضيحة فساد اشتهرت باسم “فضيحة دعم الأرز”. وفي التفاصيل أن ينجلوك كانت تترأس “لجنة الأرز” الحكومية قبلها، وهي قضية فساد تتعلق ببرنامج دعم مزارعي الأرز بتايلاند، التي تحولت إلى أحد الأسباب الرئيسية للمظاهرات التي اندلعت ضد السلطة في وقتها، وهي القضية التي تمت إدانة ينجلوك بها، وبعد رفضها التنحي عن منصبها، انتهى الأمر بالانقلاب كما أسلفت. مما دفعها في النهاية بعد فترة حكم “مزدهرة”، كانت تصلها خلالها املاءات أخيها الأكبر، إلى الفرار من تايلاند بلا عودة في العام 2017.

في الوقت نفسه، تستعد إبنة أخيها تاكسين، وتدعى”Peatongtarn Shiawatra”، للترشح للانتخابات العامة التايلاندية في 2023! وعلى الجميع تأييدها الآن. فلا مفر من أن نعترف بجدارة هؤلاء المعارضين لأنظمة دولهم الجنوب-شرق أسيوية، بالمطالبة بالمزيد من الحرية، وبالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في دولهم وفي الصين أيضاً، أليس كذلك؟

عودة للرموز التي من المفترض أنها مستوحاة من “إرث” سياسي، ولتكتمل وجبة “العبث السياسي” الخفيفة، يجب أن يتم تحضير مشروب، لكي يسهل ابتلاع المتظاهرين التايلانديين لـ “الساندويتشات” أو طبق “الأرز الدبق”. وهنا يحضر “تحالف شاي حليب Milk Tea Alliance”. وهو حلف معارض يتخطى حدود الدولة الواحدة، ويتركز نشاطه بجنوب شرق آسيا تحديداً، كحركة تضامن ديموقراطي، تجمع نشطاء عبر الانترنت من هونج كونج، تايوان، ميانمار وتايلاند، مهمتها الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان “ضد التعديات.. الصينية”!

كانت الشعلة التي تم تحضير هذا الشاي فوقها، قد بدأت بشرارة من الممثل التايلاندي فاتشيراويت تشيفاري -المشهور أيضاً في الصين- بنشر صورة على حسابه بتويتر، تذكر هونج كونج كدولة مستقلة. وحين أتى رد الفعل المتوقع من قوميين صينيين، سواء أكانوا موجهين أم لا، بمهاجمة ومقاطعة أعمال فاتشيراويت الفنية، كان قد تم الانتهاء من إعداد كوب الشاي بالحليب، المصنوع على الطريقة الجنوب شرق آسيوية. ويبدو المشهد الآن، أنه على كل شخص معارض لنظام حكم في دولة من جيران الصين، أن يُغيّر اسمه إلى اسم آخر.. لنقل “تاناتورن” أو “تاكسين” أو ربما “زيلينسكي” مثلا. ثم يجلس ليأخذ رشفة إجبارية من كوب “شاي حليب”، بعد أن يتناول ساندويتش، ثم طبق أرز دبق، حاملاً لافتة أثناء تظاهره تقول: “لنزعج الصين بمزاج الآن”.

شتان الفارق بين حراك راتسادون الأصلي، الذي استلهم تجارب السعي للحرية من الغرب، ضد مؤسسة ملكية، حتى وإن جرت شيطنتها برغم مقاومتها الخضوع لفرنسا وبريطانيا. وبين حراك راتسادون “المصطنع” الذي يجري صنعه، حثه، وتمويله في وقتنا هذا، وهو المصمم في الغرب أيضاً، لمحاولة حصار الصين بأنظمة غير صديقة لها.

أتفهم ثقل متابعة تحول الصورة عبر السطور من “إرث” ثوري إلى “عبث” سياسي دولي. لكن أرجو أن يكون الهدف قد تحقق، وأن تكون بعض آثار الحيرة قد انقشعت.

باختصار، الأمر يحتاج إلى متظاهر يحمل لافتة مكتوب عليها هذا الإعلان:

مطلوب زيلينكسي بملامح جنوب شرق آسيوية.
على من يجده الاتصال على الرقم الآتي:

1-202-501-4444+

لربما يكون من نصيب المتصل أن يفوز بإحدى الجوائز الثلاث الكبرى:

ساندويتش، طبق أرز دبق، أو.. كوب شاي حليب!

حظ سعيد
โชคดี

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ما بعد خيرسون.. القرم أو التسوية؟