صفحات إيجابية منسيّة من علاقة المسلمين بالفرنجة

لم تكن علاقة المسلمين بالصليبيّين علاقة حروب فقط. شهدت تلك الحقبة من التقارب بينهما ما يكفي للإستنتاج أنّ المسلمين عامّةً لم يرفضوا الصليبيّين بل تعايشوا معهم بوصفهم جزءاً من نسيج بلاد الشام والجزيرة، على عكس الصورة النمطيّة التي تحاول التلاعب بالتاريخ وتزويره.

لننظر في ما نظمه الشاعر محمّد بن نصر القيسراني (و. 1085، ت. 1153)، والذي يُستشهد به في بعض الأحيان وبشعره لإعطاء دروس عن النخوة الإسلاميّة ضدّ الصليبيّين. ففي زيارة له إلى أنطاكية في سنة 1145 وهي بيد الفرنجة، قال القيسراني مُتغزلاً بإمرأة صليبيّة:

 لقد فَتَنَتْني فرنجيّة… نسيمُ العبير بها يَعْبَقُ

ففي ثوبها غُصُنٌ ناعمٌ… وفي تاجها قمرٌ مُشْرِقُ

وإِن تكٌ في عينها زُرْقة… فإِنّ سِنان القنا أَزرقُ.

للتوضيح: القنا هو الرمح، وتشبيهه بالأزرق لا يعني هنا اللّون بل لأنّه ثاقب. ومغزى القصيدة أنّه وقع في غرام إفرنجيّة، جذبه إليها عبيرها، جسدها، ثوبها، شَعرَها ولون عينيها.

ويقول القيسراني في قصيدة أخرى عن الإفرنجيّات في أنطاكية:

واحَرَبا في الثُّغور من بلدٍ… يضحك حُسْناً كأَنه ثَغَرُ

ترى قصوراً كأَنها بِيَعٌ… ناطقة في خِلالها الصُّورُ

هالات طاقاتِهن آهلةٌ… يَبْسِم في كلّ هالةٍ قمرُ

سَوافرٌ كلّما شَعَرْنَ بنا… بَرْقَعهنّ الحَياءُ والخَفَرُ

مِن كلّ وجهٍ كأَنّ صورتَه… بدرٌ، ولكنّ ليلَه شَعَرُ

فهو إِذا ما السُلُوّ حاربَهُ… كان لتلك الضفائِر الظَفَرُ

فيا عَذولي فيهن، دعْ كَلَفي… وانظر إِلى الشمس هل لها طُررُ

وكُنْ مُعيني على ذوي خُدَعٍ… إِن سالم القلبُ حارب النظرُ

سِرْتُ وخَلَّفْتُ في ديارهُمُ… قلباً تمنّيت أَنَّهُ بصرُ

ولم أَزل أَغْبَطُ المُقيمَ بها… للقرب، حتى غَبِطَت مَن أُسِروا.

في هذه القصيدة، يشبّه إبتسامات النساء الإفرنجيّات بهالة القمر، ويجذبه طولهن، وضفائر شعرهن التي هي أمضى من السيف. ويخاطب من يقرأ القصيدة ويعاتبه على هذا الكلام بقوله “دع كلفي”، أي لا تلمني على ولعي بالإفرنجيّات لأنّهن أجمل من الشمس التي ليس لها ضفائر. وينهي كلامه بأنّه يحسد المحظوظ الذي يعيش معهن بما في ذلك الأسير المسلم، وكأنّه يتمنّى الأسر ليبقى بينهن.

من دون شك، الشعر فيه الكثير من المبالغة، لكن فيه أيضاً الكثير من الحقيقة والعواطف التي نعجز عن التعبير عنها بطرق أخرى غير الشعر. وعلينا أيضاً أن نسأل في أي من قصائده يمكن لنا أن نجزم أنّ القيسراني صادق في ما يقول، وفي أيّ منها هو مبالغ أو كاذب؟ إذا قلنا أنّه هنا كاذب، أيمكن أن نسأل هل شعره في مدح عماد الدين زنكي أو السلطان نور الدين على إنجازاتهما وجهادهما ضدّ الفرنجة هو أيضاً كاذب، وأن القيسراني بالغَ لأغراض ومنافع شخصيّة أو ماديّة؟

الفترة التي نسمّيها “الحروب الصليبيّة” شهدت حروباً بين المسلمين والفرنجة، لكنّها شهدت حروباً بين المسلمين أنفسهم أكثر بأشواط من الحروب بينهم وبين الفرنجة. وهي شهدت أيضاً صداقات وعلاقات قوية بين المسلمين والفرنجة. ومن السذاجة أن نُخوّن من قام بها، لأنّنا إذا بحثنا فيها نجد أنّ أعظم أبطال الإسلام إرتبطوا بعلاقات وتحالفات مع الفرنجة

لدينا أيضاً أمثلة مشابهة من شعر الطبيب والمؤرّخ الحلبي أبو الفوارس حمدان الأثاربي (ت. حوالي 1147)؛ ففي العام 1127 وأثناء تواجده في مزرعة له في قرية معراثا الأثارب (جنوب غرب مدينة حلب وكانت بيد الفرنجة)، مرض صاحب الأثارب وكان اسمه “السير منويل” – أيّ السيّد عمّانوئيل (Emmanuel) – وهو ابن أخت أمير أنطاكية الصليبي. فزاره الأثاربي وعالجه حتى شفي من مرضه. فسأل “السير منويل” الأثاربي أن يطلب ما يشاء. فطلب الأثاربي قرية معربونيّة، فأعطاه إيّاها. فعاتبه استاذه أبو الحسن بن أبي جرادة على مقامه بين الفرنجة برسالة أرسلها له من حلب. فكتب له الأثاربي:

وقائلٌ عائب لي إذْ رأى شَغَفي بقريةٍ… ليسَ سُكناها من الشَرَفِ

ماذا دَعاك إلى هذا؟ فقُلت لَهُ… صُرُوف دهرٍ وصَرْف الدَهر غير خَفِ

بُخْل الوفي وإعْراضَ الرَضي وتَقْـ… صير الصَفي وظِلْم المشرف الحَنَفي

فَإن أقَمْت بِها فالمِسْك مَوطِنهُ… في جِلدةٍ ومَقَرّ الدرِّ في الصَدَفِ.

يقارن حمدان الأثاربي كرم وعدل ولفتة مضيفه الإفرنجي ببخل وإعراض وظلم من آلت إليه الرئاسة في حلب من المسلمين. ويُذكّر أستاذه أنّ المسك نأخذه من جلد الغزلان واللؤلؤ من الصدف، أي طالما الملجأ آمن ومناسب، يمكن للمرء أن يعيش ويزدهر. ويقال أنّه عندما تملّك حمدان الأثاربي على قرية معربونيّة، أحضر إليها عائلته وعمّرها وأسكن فيها فلاحين وعمّالاً مسلمين. وعاش فيها إلى آخر أيام حياته واستفاد من المحاصيل التي كان ينتجها.

والمعروف عن الأثاربي أيضاً أنّ حُكّام حلب كانوا يثقون به ويرسلونه في بعثات سياسيّة حسّاسة إلى القاهرة وبغداد ودمشق، وأنّه ألّف تاريخاً لم يبق منه إلّا بعض المقتطفات القليلة عن تصدّي المسلمين للفرنجة في منطقة حلب وشمال بلاد الشام. وهنا نسأل أيضاً، هل يمكن لنا أن نختزل الأثاربي أو نفرض عليه صورة واحدة، أم علينا أن نتقبّل كلّ جوانب شخصيّته كدليل على تشعّب العلاقات بين المسلمين والفرنجة في ذلك الزمن وصعوبة إختزالها في معادلة واحدة أو صورة واحدة؟

إقرأ على موقع 180  المسرح الإستراتيجي السوري: عقد من الحروب.. ولا ضربة قاضية!

وفي المقلب الآخر، نجد رسالة أرسلها الإمبراطور فريدريك الثاني إلى الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ في سنة 1229، يتحدّث فيها عن الصداقة القويّة التي جمعتهما. كان أوّل لقاء لفخر الدين بفريدريك في سنة 1226، عندما أرسله السلطان الكامل الأيّوبي (حكم 1218-1238) إلى صقلّية من أجل أن يتفاوض مع الإمبراطور على تحالف بينهما. ولا نعرف الكثير عن تفاصيل هذه الزيارة، لكن من شبه المؤكّد أنّهما تناولا العلوم (المعروف عن فريدريك أنّه كان مشغوف بالبيزرة، وهو العلم الذي يعالج أنواع الطيور الجارحة وتربيتها وتمرينها واستخدامها في الصيد وتطبيبها) وكان يحبّ أيضاً الشعر العربي. ونعرف شيئاً آخر عن هذه الزيارة أنّ الإمبرطور قلّد خلالها الأمير فخر الدين وساماً وجعله من فرسان الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة. ومنذ ذلك الوقت، وضع فخر الدين شعار الإمبراطور (ثلاثة أسود مرتّبة بشكل عامودي على خلفيّة صفراء، وهو شعار سلالة الهوهنشتاوفن Hohenstaufen) على بيرقه الأيّوبي الأصفر حتّى مقتله في سنة 1250 أثناء معركة ضدّ حملة الملك لويس التاسع الفاشلة لإحتلال مصر.

كان فخر الدين من أعظم وأشجع الأمراء المسلمين في وقته، وكان اليد اليمنى للسلطان الكامل، وكانا أخوين بالرضاعة (رضّعت والدة فخر الدين السلطان الكامل عندما كان طفلاً). وكان أيضاً مبعوثه للتفاوض مع فريدريك عندما أتى الإمبرطور إلى فلسطين في سنة 1228، ونتج عن الإتّفاق تقاسم لمدينة القدس بين الكامل وفريدريك.

يقول فريدريك في رسالته، شعراً:

رَحَلْنا وخَلْفنا القُلوب مُقِيمَة… تَخلّت عَن الأجْسامِ والجنْسِ والنوعِ

وآلَت علَى أن لا تَخُلّ بِوَدّكم… مَدى الدهْر وانسلّت تَنكُب عن طَوْعي.

أي، رفض قلب فريدريك أن يرحل معه في سنة 1229 ويرجع إلى صقلّية، وفضّل البقاء قريباً من الأحباب، لئلّا يخذل الصداقة مع فخر الدين. ويضيف بيتا شعرٍ، أحدهما للمتنبّي:

وقد كنت لو خُيّرت بين فراقكم… وبين حمامي، قلت يدركني نحبي.

إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدرُوا… ألّا تفارقهم فالراحلون هم.

استشهاد الإمبراطور فريدريك الثاني بهذين البيتين وكأنّه يفضّل الموت على فراق الأحبّة. والبيت الأخير هو للمتنبّي أنشده (في حوالي سنة 957) عند رحيله عن حلب وفراقه لبلاط الأمير سيف الدولة، فاستعاره فريدريك وكأنّه يعاتب فخر الدين لأنّه لم يصرّ عليه للبقاء.

عودة فريدريك إلى صقلّية سببها ما كان يُحضّر له من مؤامرة على يد البابا لأنّه رفض محاربة المسلمين ورضي بتقاسم القدس مع الكامل بدل أن يحاول تحريرها بالقتال (وأدّى ذلك إلى الحرم الذي أصدره البابا بحقّ فريدريك). إذاً، ما عبّر عنه فريدريك في رسالته فيه الكثير من المبالغة، لكن فيه أيضاً كثير من العواطف التي تشير إلى عمق الصداقة التي جمعته بالأمير فخر الدين.

واستمرّت العلاقات الطيّبة بين فريدريك والكامل، ومن ثمّ بين فريدريك والسلطان الصالح أيّوب الذي أرسل له في سنة 1245 أحد أهمّ علماء الإسلام في الفقه وعلم المنطق سراج الدين الأُرْمَوي (ت. 1283). وفي سنة 1249، أرسل فريدريك إلى الصالح أيّوب مبعوثاً ليُعلمه بالتحضيرات التي يجريها الملك لويس التاسع لاجتياح مصر. وبعد ذلك، تمتّنت العلاقة بين ابن فريدريك الإمبراطور مانفريد والسلطان الظاهر بيبرس الذي أرسل له في سنة 1261 المؤرّخ الشهير ابن واصل الحموي (ت. 1298)، والذي كان من أمهر علماء المنطق في عصره، وبعد عودته أصبح قاضي قضاة مدينة حماة.

الخلاصة هنا أنّ الفترة التي نسمّيها “الحروب الصليبيّة” شهدت حروباً بين المسلمين والفرنجة، لكنّها شهدت حروباً بين المسلمين أنفسهم أكثر بأشواط من الحروب بينهم وبين الفرنجة. وهي شهدت أيضاً صداقات وعلاقات قوية بين المسلمين والفرنجة. ومن السذاجة أن نُخوّن من قام بها، لأنّنا إذا بحثنا فيها نجد أنّ أعظم أبطال الإسلام (بمن فيهم نور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس) إرتبطوا بعلاقات وتحالفات مع الفرنجة. إذاً، “الحروب الصليبيّة” هي تسمية معاصرة وسياسيّة بامتياز، فيها الكثير من النفاق مع الذات خصوصاً في السيكولوجيّا العربيّة والإسلاميّة الحديثة التي تنشد رموزاً وأبطالاً وتواريخ لإستخدامها في الصراعات الحاليّة. لكن ما يُبنى على كذب ودجل وتلاعب بالرواية التاريخيّة يَسهُل فضحه..

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  قراءة جديدة في الحروب الصليبية: إمبراطورية أم دينية؟