“ما عَمْ إفهم عربي..”!

18 كانون الأوّل/ ديسمبر (غداً) هو اليوم العالمي للّغة العربيّة. لقد اعتمدته اليونسكو عام 2012 للاحتفال بهذه اللغة سنويّاً، انطلاقاً من مشروعها الرامي إلى تعزيز تعدّد اللغات وتنوّع الثقافات. وكانت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة قد قرّرت إدخال اللغة العربيّة في العام 1973 ضمن مجموعة اللغات الرسميّة الستّ المعمول بها في المنظّمة الدوليّة.

شاءت الصدف أن يتزامن “عيد اللغة العربيّة” هذه السنة مع همروجة السجالات التي اندلعت على وسائل التواصل الاجتماعي حول “العروبة” و”الهويّة العربيّة” و”انتصارات العرب” و”الثأر العربي من الاستعمار” و.. تعابير على هذه الشاكلة. انطلقت مع فوز المنتخب السعودي على أحد أبرز المنتخبات العالميّة (المنتخب الأرجنتيني). واستمرّت مع المباريات التي خاضتها المنتخبات العربيّة الأخرى المتأهِّلة إلى المونديال القطري. ولم تنتهِ مع تأهّل المنتخب المغربي إلى مرحلة نصف النهائي، حيث واجه المنتخب الفرنسي وخرج عقب فوزٍ صعبٍ للأخير.

طغت تصريحاتٌ مثيرةٌ للسخرية، في الحقيقة، تعليقاً على اللعب المحترف والرائع للمنتخب المغربي الذي تُرفَع له القبعة. فلقد كانت “أسود الأطلس” ندّاً، بكلّ معنى الكلمة، لمنتخب “الديوك الفرنسيّة”. حتّى أنّهم استحقّوا الفوز. لكنّ اعتبار هذا الفوز الكروي انتصاراً قومويّاً عروبيّاً ودينيّاً إسلاميّاً. ونعْته كأحد مظاهر نهضةٍ مزعومة للعروبة والإسلام، بل وانتقاماً من الاستعمار وأوروبا والغرب.. كلّها كانت “اجتهادات” تافهة لا تشبه إلاّ الهلوسات. وتعابير تثير الشفقة لم تُفضِ إلاّ إلى استفزاز شرائح واسعة من الجمهور المتابع للمباريات. بل خلقت، أحياناً، ردود فعلٍ متطرّفة ضدّ العرب والبلدان العربيّة والهويّة العربيّة واللغة العربيّة التي زعموا أنّ حارس المرمى المغربي الأسطوري ياسين بونو لم يرضَ سوى التحدّث بها إلى الصحافيّين الغربيّين (وهو أمر لم يحدث إطلاقاً)!

اللغة، مطلق لغة، ليست قصيدةً شعريّة. أو نثريّةً جميلة. أو مقالاً محبوكاً. ليست اللغة، كذلك، مجرّد أداةِ تجلٍّ للفكر. إنّها صورةٌ عن مجتمعها وناسها. إنّها ثقافة وهويّة. بل إنّ اللغة حياةٌ وروحٌ وحقلُ تجارب. إنّها وسيلة إنتاجٍ علمي ومعرفي وثقافي تصل عبره إلى شعوب اللغات الأخرى. اللغة هي أحدُ أركان أمن الشعوب، ثقافيّاً وفكريّاً

واللافت للانتباه في همروجة استفاقة “الحسّ العربي”، أنّ المغاربة، لاعبين كانوا أو مواطنين عاديّين، لم تُسمَع لهم كلمة، في هذا الإطار. بل ذهب بعضهم للتبرّؤ من كلّ ما يُحكى ويُشاع. ولا سيّما، تلك التصريحات الصادرة عن مواطنين عرب تربط “تأييدهم” للمنتخب المغربي بمدى مجاهرة عناصر هذا المنتخب بهويّتهم العربيّة. فالمواطنون العرب (بخاصّة اللبنانيّين) يتحيّزون، عادةً، لفرقٍ أجنبيّة يعتقدون أنّها الأقوى. وأنّ الربح سيكون، بلا ريب، حليفها. وهُم نادراً ما يتحمّسون لمنتخبٍ عربي. لعدم ثقتهم بقدرته على الفوز. أي أنّ مشاعرهم تأخذ طابعاً عروبيّاً، في حال برهن هذا المنتخب العربي أو ذاك عن قوّة. فقط لا غير. فالناس، يا أصدقاء، يعشقون القوّة. فكيف إذا كانوا ينتمون إلى شعوب الأوهام والانهزامات في أوطانهم!

تُخفي الشعوب العربيّة عذاباتها وجراحها باللغة. وعليه، هي بحاجة إلى أبطال تُلبِسهم ثوب القضيّة وأوهام النصر. لذا، جعلها الأبطالُ المغاربة تحلم حلمَ الشعوب التي تتوق للتنفّس فرحاً. والحلم كان قاب قوسيْن أو أدنى. وكذلك الانتصار. لكنّ فرحة العرب بـ”انتصاراتهم” يُلحقونها، دوماً، بأغانٍ وأشعارٍ وكلماتٍ تمجّد العروبة. وأهلها. ولغتهم. فتُقصي نزعتُهم القوميّة القوميّات الأخرى الموزّعة على كامل الأرض التي اعتبروا أنّها “بتتكلّم عربي”. ومسألة اللغة، للإشارة، هي قضيّة حسّاسة في بلدانٍ مثل المغرب والجزائر التي شهدت نضالاتٍ طويلة من أجل اعتراف الدولة باللغة الأمازيغيّة (كلغةٍ رسميّة).

عندما نتحدّث عن اللغة العربيّة، فلا يعني ذلك أنّنا نتوقّف عند دورها بوصفها ظاهرةً ثقافيّة اجتماعيّة ذات علاقة متينة بوضع المجتمع الذي “ينطق” بها، فحسب. بل باعتبارها الرمز الثقافي الذي يختزل الهويّة الاجتماعيّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. إذْ إنّنا، غالباً ما نماهي بين الواجهة اللغويّة لمجتمعٍ ما، وبين وجوده التاريخي. كما يمكن لنا أن نتعرّف في مرآة اللغة إلى رؤى الشعوب للعالم، وبخاصّة إلى تشكُّل ثقافتهم. باعتبار أنّ كلّ انخراطٍ في الوجود يمرّ عبر اللغة. وللّغة العربيّة، بلا شكّ، خصوصيّتها. فهي لا تقف عند مستوى التعبير والأداء. بل تتعدّاه إلى كون التطرّق إلى موضوع اللغة العربيّة وعلاقتها بالإسلام، إنّما يعني الدخول في “منطقةٍ شائكة”. فمقاربة هذه العلاقة تُعتبَر مسّاً بموضوعٍ حسّاس (نكاد نقول محرَّماً). لما له من تعقيداتٍ وإشكاليّاتٍ امتدّت على مدى الحقب الإسلاميّة. وكان عنوانها، على الدوام، المفاضلة بين إسلاميْن: “الإسلام العربي” و”الإسلام غير العربي”.

لقد نفض المونديال، على الأراضي القطريّة العربيّة الإسلاميّة، بعض الغبار عن هذه “المفاضلة الإسلاميّة”. قرأتُ منذ أيّام كلاماً، في هذا المعنى، لأحد المدوّنين المغاربة. يشير فيه إلى “جهلٍ مشرقي” في التاريخ والجغرافيا، معاً. فكتب: “غالبيّة المشرقيّين لم يسمعوا عن المغرب إلاّ في وسائل الإعلام. فالمركزيّة المشرقيّة اللاواعية، التي تشكّلت مع التاريخ، تعتقد أنّ المغرب الكبير هو “مقاطعة ما وراء البحار” تابعة لهم (المشرقيّين) في كلّ شيء وعلى صورتهم! فحين ألتقي مشرقيّاً ونتحدّث عن موضوع الهويّة وأُخبره أنّني لستُ عربيّاً إنّما من عائلة مُعرَّبة، يستنكر. هذا لا يعني نفياً من جانبي للانتماء للعروبة. لكنّني أفهم هذه العروبة بشكلٍ مختلف. أفهمها بدافعٍ إيماني بالهويّة المفتوحة التي نعيشها في تاريخنا. والتي جعلتنا مغاربة أمازيغ وعرباً وأفارقة وأندلسيّين. فنحن حقّاً شعبٌ مفتوح؛ أمازيغي وعربي وإسلامي ومتوسّطي وإفريقي. لدينا إسلامنا الخاصّ. ورموزنا الخاصّة. وعربيّتنا الخاصّة. ولغتنا الخاصّة. نحن مثل الـ couscous بسبع خضراوات (حْنَا بْحَال كُسْكُس بْسِبْع خْضَاري)”. ماذا بعد؟

إقرأ على موقع 180  مشروع تعديل الحكومة يسقط.. ماذا عن "الإنقلاب"؟

اللغة، مطلق لغة، ليست قصيدةً شعريّة. أو نثريّةً جميلة. أو مقالاً محبوكاً. ليست اللغة، كذلك، مجرّد أداةِ تجلٍّ للفكر. إنّها صورةٌ عن مجتمعها وناسها. إنّها ثقافة وهويّة. بل إنّ اللغة حياةٌ وروحٌ وحقلُ تجارب. إنّها وسيلة إنتاجٍ علمي ومعرفي وثقافي تصل عبره إلى شعوب اللغات الأخرى. اللغة هي أحدُ أركان أمن الشعوب، ثقافيّاً وفكريّاً. فهي “آخِرُ ما يبقى للإنسان الذي حُرِم من وطنه”، يقول فريدرش هولدرلين أحد أشهر الشعراء في تاريخ الأدب الألماني في أجمل وصفٍ يُصاغ لماهيّة اللغة! ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بقوّة الشعب الذي يتكلّمها. بقوّته الحضاريّة، إذا جاز التعبير. وبما أنّ الشعوب العربيّة هي شعوبٌ ضعيفة، فإنّها لا تُنتِج سوى ذواتٍ ضعيفة. تتطلّع إلى تقليد كلّ قوي. تنبهر به. إنْ لم نقل تنصهر فيه. أَلَم يقلْ ابن خلدون إنّ غلبة اللغة بغلبة أهلها، ومتحدّثاً بإسهاب عن ولع المغلوب بتقليد الغالب؟ بلى.

نحتذي، في بلداننا العربيّة، بالنماذج الثقافيّة للآخر المتقدّم الغالب. نجعلها النماذج العليا المحتذاة، شعوريّاً ولاشعوريّاً. بما في ذلك لغتنا العربيّة. هي “عقدة الخواجا” كما يسمّيها الكاتب والباحث المصري جابر عصفور. ويعني بها عقدة النقص التي لا يزال يعانيها أبناءُ الأقطار التي تحرّرت من الاستعمار الغربي. ولكنّها لم تتحرّر من عُقد الدونيّة التي خلّفها هذا الاستعمار. وعليه، يستطيع الإنسان أن يتلمّس في مجتمعاتنا، وبسهولة، النظرة السلبيّة والدونيّة تجاه اللغة العربيّة. ويحتلّ المجتمع اللبناني الطليعة في هذه المجتمعات. حيث تشعر، كمراقب، أن ليس هناك أيّ جهدٍ أو مسعىً لتحفيز المرء على تحسّس الحاجة لإتقان لغته الأمّ. وأكثر. لا تُشعِر هذه المجتمعات مستخدِم اللغة العربيّة بمشكلةٍ أو بإحراجٍ أو بعيبٍ من عدم التمكّن منها أو من جهلها حتّى. نعم. وإذا أردنا الذهاب في سوء النيّة أبعد من ذلك، فلا مبالغة في القول إنّ هناك مَن يفاخر بين اللبنانيّين، مثلاً، بنُضُوب معرفته بلغته!

تُخفي الشعوب العربيّة عذاباتها وجراحها باللغة. وعليه، هي بحاجة إلى أبطال يُلبِسونهم ثوب القضيّة وأوهام النصر. لذا، جعلها الأبطالُ المغاربة تحلم حلمَ الشعوب التي تتوق للتنفّس فرحاً. والحلم كان قاب قوسيْن أو أدنى. وكذلك الانتصار. لكنّ فرحة العرب بـ”انتصاراتهم” يُلحقونها، دوماً، بأغانٍ وأشعارٍ وكلماتٍ تمجّد العروبة. وأهلها. ولغتهم

هل لغتنا العربيّة في أزمة؟

يجيب الكاتب والناقد اللبناني الراحل سماح إدريس على هذا السؤال الإشكالي الكبير ويقول: “الأنظمة العربيّة في أزمة. الأحزاب العربيّة في أزمة. التربية العربيّة في أزمة. القراءة العربيّة في أزمة. الشعر العربي في أزمة. المسرح العربي في أزمة. الكتاب العربي في أزمة. القضيّة الفلسطينيّة في أزمة. فلماذا لا تكون اللغة العربيّة في أزمة؟ أهي جزءٌ متعالٍ عن البشر والمجتمع، فلا تخضع لعوامل التراجع أو التكلُّس، لمجرّد أنّها لغة دينٍ مقدّس؟”. لقد تبلّد الذوق العربي وصار في الحضيض. وتحوّلت المجتمعات العربيّة إلى أسواقٍ استهلاكيّة ضخمة، تقتني وتستهلك أيّ شيءٍ وكلّ شيء. بما في ذلك استهلاك اللغات واللهجات الوافدة والوسائل التواصليّة المختلفة.

كلمة أخيرة. يتجاوز عدد لغات العالم الـ 7000 لغة. تقول بعض الدراسات إنّ ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف لغة من أصلها ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين بسبب العولمة. وتذهب توقّعاتٌ أكثر تشاؤماً لمستشرقين إلى التأكيد أنّ اللغات العالميّة ستندثر بالكامل باستثناء الإنجليزيّة والإسبانيّة والصينيّة و.. العربيّة. خبرٌ سار بالطبع، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللغة لا تنطق بذاتها، مهما صمدت. وإنّما بنطق أهلها بها. فإنْ تغيّروا تغيّرت. هل سيتغيّر الواقع العربي؟ إقتضى السؤال.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  محمد الصفدي.. "قصة موت مُعلَن"