بين أميركا وروسيا وإيران.. الصين تقتنص فرصها!

يتوقف قطار الأنفاق عند محطة كييفسكايا. لا أفهم اللغة الروسية، لكن كلمة كييف بارزة جداً في اعلان الوقوف عند المحطة. قبل أن أخرج من القطار وجدت نفسي أمام معرض لوحات مرسومة بدقّة واضحة، تحت أقواس مصممة بإتقان من الحقبة السوفياتية. فجأة، وجدت نفسي أيضاً في ثقب أسود ينقلني بين حاضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحرب بلاده في أوكرانيا، وبين أمس نيكيتا خروشوف الذي أمر ببناء محطة كييفسكايا، وهو الزعيم السوفياتي الذي أهدى إلى الشعب الأوكراني شبه جزيرة القرم في العام 1954 وهو ذات عام بناء المحطة.

في أذنيّ سماعات أميركية تقرأ لي كتاباً بعنوان “overreach” أو “التجاوز”، لأوين ماثيوز، البريطاني المولود لأم أوكرانية والذي عاش لسنوات طويلة في موسكو. استمع إلى “تجاوز” الذي يحكي قصة الحرب الروسية في أوكرانيا بينما اتجاوز اللوحات الفخمة المرسومة خصيصاً للتعبير عن الإندماج الأوكراني في الإتحاد السوفياتي بعد أقل من عقد على إنتهاء الحرب العالمية الثانية، والتمرد اليميني الأوكراني خلالها والذي تجلى بالتحالف بين مقاتلي ستيبان بانديرا وألمانيا النازية. لوحات لعائلات سوفياتية ترفع أوكرانيا عليها رايات وصور الزعيم فلاديمير لينين، وأخرى لعمال ومزارعين يحتفلون مع جنود الجيش الأحمر بالنصر في الحرب. أحدق في فوهة البندقية فكأنها نفق زمني ينتقل بي مجدداً بين حربين وزمنين، واحدة كانت فيها روسيا السوفياتية تخوض إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حرباً عالمية في مواجهة ألمانيا النازية المتحالفة مع إيطاليا ويمين أوكراني، وثانية (اليوم)، تكاد تكون عالمية، تتحالف فيها أميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وأوكرانيا وسائر الغرب، في مواجهة روسيا وما يشبه التوافق الذي لم يرقَ بعد إلى التحالف، بينها وبين الصين وإيران بالدرجة الأولى، وبين دول متعاطفة أخرى لكن ليس إلى حد التشارك تحت راية محور واحد.

على مدى السنوات الماضية، روّج كثر لفكرة المحور الروسي الصيني الإيراني، بل إن البعض ذهب نحو تأليف كتب حول هذه العلاقة التي تعجز حتى الآن التعريفات عن تصنيفها، والتي لا يبدو أن أضلاعها الثلاثة تجتمع على غير الصراع مع أميركا بأشكال متعددة. من هذه الكتب “المحور الثلاثي” لدينا اسفندياري ومستشارة وزير الخارجية الأميركي الإيرانية الأصل اريان طبطبائي. كذلك كتاب “ثلاثة رجال خطيرين: روسيا، الصين وإيران وصعود الحروب غير التقليدية”، و”صعود المعدّلين: روسيا والصين وإيران”.

في البحث عن عنوان المقال، اقترح صديق عبارة “محور أميركا” إذ أن القاسم المشترك بين روسيا والصين وإيران هي واشنطن، وعدا ذلك لا شيء استثنائياً يجمعهم في تحالف استراتيجي، وبالتالي وجب على الثلاثة شكر أميركا لأنها جمعتهم على شيء، بينما فرقتهم المصالح على أشياء كثيرة.

في سوريا، إجتمع الروس والإيرانيون عسكرياً لإفشال مخطط وصفوه بـ”الأميركي” لإسقاط حليفهم المشترك الرئيس السوري بشار الأسد. تفاصيل الدخول الروسي إلى الحرب السورية لم تخلُ من دور إيراني لعبه اللواء قاسم سليماني، قائد قوة القدس السابق الذي اغتالته الولايات المتحدة في غارة بطائرة مُسيّرة بالقرب من مطار بغداد. لكن ما بعد الدخول الروسي شهد تحولاً في توازن المصالح بين البلدين. فالهدف المشترك لم يعرقل علاقة صاعدة بين موسكو وإسرائيل، شهدت تعاونا حتى في الجغرافيا السورية باعتراف الطرفين، بما في ذلك غض طرف روسي عن غارات إسرائيلية متكررة. بل إن تلك مرحلة وُصفت بقصة الحب العجيبة بين بوتين ورئيس الحكومة الإسرائيلية العائد حالياً بنيامين نتنياهو.

تتعامل الصين حتى الآن مع طهران وموسكو تحت سقف العلاقات الدولية وقرارات الحظر والعقوبات، وبما يمكّنها من اقتناص لحظات الحاجات المتبادلة بما يعود عليها بالمنفعة. وفي مساحات مشتركة هناك حالة تزاحم مصالح كبيرة كما في حالة دور كل من موسكو وبكين في آسيا الوسطى والقطب الشمالي، حيث استهدفت الصين المجالات المختلفة للنفوذ الروسي وهو ما أزعج موسكو بشكل متكرر

ولعل أكثر الأسئلة المطروحة حول سوريا خلال السنوات الماضية كان حول مآل التنافس الإيراني الروسي بعد تثبيت حكم الأسد وابعاد شبح السقوط عنه. هذا السؤال عززته تقارير حول تباينات في المصالح في مناسبات مختلفة. لكن العلاقة الإشكالية بين البلدين لم تقتصر على الساحة السورية. فالمفاوضات النووية لم تعكس حقيقة حضور توافق استراتيجي بين روسيا وإيران والصين في مناسبات عديدة، ولعل ما كشفه وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف حول الدور السلبي الروسي في مفاوضات فيينا النووية عام 2015 يعطي مؤشراً واضحاً بهذا الإتجاه.

وفي المفاوضات الأخيرة أيضاً في فيينا، عرقلت مطالب روسية المحادثات النووية، قبل أن يضطر وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان لزيارة موسكو لاستيضاح الالتباسات.

نقطة التحول الحقيقية خلال الأشهر الماضية كانت حرب أوكرانيا التي شهدت للمرة الأولى تطور التناغم الروسي الإيراني بشكل تدريجي، وصل إلى درجة اتهام الولايات المتحدة وحلفائها طهران بتزويد روسيا بداية بالمُسيرات ولاحقاً بالصواريخ. نفت إيران بداية ثم أكدت لاحقاً أنها زوّدت روسيا بعدد محدود من المُسيرات قبل الحرب.

ضلع “التحالف” الثالث، الصين، يبدو الأكثر حذراً بين الاثنين. فهو وإن كان في علاقة تنافسية مع الولايات المتحدة، إلا أن هذا التنافس لا يزال ضمن قواعد اللعبة الأساسية ولم يدخل مساحة الضرب تحت الحزام كما في الحالتين الروسية والإيرانية. بالتالي تتعامل الصين حتى الآن مع طهران وموسكو تحت سقف العلاقات الدولية وقرارات الحظر والعقوبات، وبما يمكّنها من اقتناص لحظات الحاجات المتبادلة بما يعود عليها بالمنفعة. وفي مساحات مشتركة هناك حالة تزاحم مصالح كبيرة كما في حالة دور كل من موسكو وبكين في آسيا الوسطى والقطب الشمالي، حيث استهدفت الصين المجالات المختلفة للنفوذ الروسي وهو ما أزعج موسكو بشكل متكرر.

إقرأ على موقع 180  نحن كائنات جميلة.. ويلزم أن نكون أشراراً

إلا أن سياسات الولايات المتحدة تجاه تايوان قد تدفع الصين تدريجياً للتخلي عن حذرها، وهو ما سيسمح بتعزيز العلاقة بين البلدين باتجاه تحويل التعاون الاستراتيجي إلى تحالف حقيقي، لكن هذا لا يبدو وارداً حتى الآن، في ظل حرص بكين على الحفاظ على علاقاتها الغربية وأسواقها الممتدة من شرق العالم إلى غربه.

ولأن حرص الصين على العلاقات عابر لحدود المحاور كما يتجلى بشكل متكرر، مدّت بالتوازي مع علاقتها مع إيران جسور علاقة مع المملكة العربية السعودية، وانعكس هذا التعاون في التقارير التي نُشرت قبل عام عن مساعدة بكين للرياض في مشروع بناء صواريخ باليستية، وقبل أيام في القمة العربية الصينية في الرياض، التي اثارت عاصفة من ردود الأفعال في طهران بعد تأكيد البيان الختامي على ضرورة التوصل إلى حل سلمي في قضية الجزر الثلاث، وكذلك دعوة إيران للتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضمان سلمية برنامجها النووي.

وإذا وضعنا هذه الواقعة جانباً، فالعلاقة التي لا تبدو حتى الآن أنها ترقى للتحالف بين طهران وبكين، انعكست في التردد الصيني في تطبيق اتفاقية التعاون الشامل الاستراتيجية بين البلدين، والتي تكثر التحليلات حولها وحول أسباب التريث وهل هي بسبب تأخر توقيع الاتفاق النووي، أم لأن الصين تريد ضمانات لاستثماراتها في إيران، وفي كلتا الحالتين لا يغيب التزام بكين بالتعاون مع الغرب في الجانب الاقتصادي، وتجنب العقوبات غير الضرورية أو التي يمكن تجنبها.

في موسكو حيث اغطي الحرب الروسية في أوكرانيا، توجهت إلى خبير اقتصادي ومسؤول حكومي روسي سابق بالسؤال حول إمكانية مساعدة الصين لروسيا لتخطي العقوبات، لا سيما تلك التي تستهدف القطاع التكنولوجي. لا يتردد ألكسندر زوتين بسؤالي في المقابل، “ولماذا تساعدنا الصين؟ لها مصالحها وقد تتعارض مع مصالحنا”، ويضيف، “ربما تقرر ذلك عندما تكون مصالحنا الإستراتيجية واحدة”.

المشهد يحمل بعض السوريالية. في رواية تولستوي الشهيرة “أنا كارنينا”، تعشق البطلة حبيباً على زوجها، ولكن زوجها يقبل بالحبيب في النهاية على مضض لكي يستمر الزواج لأجل طفلهما والطفلة غير الشرعية التي ولدتها من عشيقها. مع ذلك لم يكن ممكناً لهذا الارتباط الاستمرار، ولم تكن العلاقة المحرمة قابلة للتطور. ليست علاقة ايران وروسيا والصين بهذا التعقيد، لكنها تحمل في طياتها بذرة غير مكتملة تعرقل تحولها من علاقة مؤقتة بحكم الظروف، إلى زواج دائم بغض النظر عن أية ظروف، وهنا يصل الحديث عن عالم جديد إلى محطة جديدة يبدو اسم كييف واضحاً فيها أيضاً، لكنها أكبر بكثير من كييفسكايا ولوحاتها لم تكتمل بعد.

(*) بالتزامن مع “جاده إيران“.

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  نحن كائنات جميلة.. ويلزم أن نكون أشراراً