جلال الدين السيوطي والتلاعب بتاريخ الإسلام

جلال الدين السيوطي (ت. 1105 م.)، واحد من العلماء السنّة الكبار في العصر الكلاسيكي المتأخّر. ألّف أكثر من ألف عملٍ كما يقال، الكثير منها رسائل قصيرة في أبواب عديدة، أهمّها الحديث، علوم القرآن، التأريخ، الفقه واللغة. وبرغم تبحّره وغزارة إنتاجه، يؤخذ عليه تعاليه على معاصريه، حتى أنه عاش آخر أيام حياته معزولاً. 
يُروى عن جلال الدين السيوطي أنّه زار ذات يومٍ ديوان السلطان المملوكي قايتباي لابساً الطيلسان (شال طويل يغطّي الرأس والكتفين)، فعاتبه السلطان ومن كان حاضراً من العلماء على لباسه، واتّهموه إثر ذلك بالتفاخر والتعالي عليهم. فأجابهم السيوطي بأنّ لبس الطيلسان سنّة نبويّة. ولأنّ العلماء نفوا ذلك، عاد السيوطي إلى بيته وألّف رسالة “الأحاديث الحسان عن لبس الطيلسان”. كما أدّت الحادثة إلى اعتزاله زيارة السلطان، وألّف في ذلك أيضاً رسالة “ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين”. وبغضّ النظر عن صحّة ما يُروى حول هاتين الرسالتين، لكن في ذلك إشارة إلى شخصيّة السيوطي “الاستفزازيّة”، وتلاعبه بالتراث لأجل إرضاء غروره وإفحام خصومه في مواضيع سخيفة!
تعود أهميّة السيوطي كما هو آنفٌ للذّكر إلى بعض أعماله التي عرفت انتشاراً كبيراً وشهرةً واسعةً بعد موته، وليس في حياته، خصوصاً تلك الكتب القصيرة نسبيّاً، والتي تختزل مواضيع ضخمة ومعقّدة، وتجعلها في متناول القارئ المهتمّ بمعرفة الخلاصات دون الرغبة بالإلمام بالمواضيع أو الاهتمام بتعقيداتها. غير أنّ هذه النوعية من الكتابات تساهم في تحديد القارئ، إذ تجعله من جهة غير واعٍ لواقع أنّ ما يقرأه عند السيوطي مثلاً ليس سوى جزءاً صغيراً من حقيقة كبيرة، وأنّ هذا الجزء لا يعبّر بتاتاً عن الكلّ. ومن جهة أخرى، سينقاد القارئ مع السّيوطي إلى نوعٍ من الأصوليّة والتزمّت الفكري، وسيعيد تقييم التاريخ والفكر الديني الإسلامي انطلاقاً من الخلفية التي بنتها له هذه الأصولية، والتي على أساسها سيحدد ما هو صحيح ومستقيم، وما هو خطأ وضلال..
ويعتبر تفسير “الجلالين” (بدأ به جلال الدين المحلّي (ت. 1460) وأكمل السيوطي معظمه) من أهمّ الأمثلة على ما ورد أعلاه؛ فمن دون شكّ، تُعدّ قراءة “الجلالين” أبسط وأقصر من قراءة تفسير الطبري مثلاً (مؤلّف من عشرة أجزاء أو أكثر)، أو من تفسير الرازي (مؤلّف من ثلاثين جزءاً أو أكثر).. لكن الفرق بين التّفسيرين وأمثالهما وبين “الجلالين” هو أنّ من يقرأهما وغيرهما يعي حجم الصعوبات المقرونة بعلم تفسير القرآن، ويدرك مدى تشعّب هذا العلم، كما استحالة الجزم في مواضيع كثيرة، على اعتبار أنّ التفسير هو أوّلاً وأخيراً رأي. في “الجلالين” تحديداً، تختفي هذه الملاحظات، ويصبح التفسير حقيقة لا لبس فيها!
من خلال هذا التحليل لكتاب “تاريخ الخلفاء”، يمكن الوقوف على “أجندة” السيوطي وقراءته وتلاعبه بالتاريخ الإسلامي. فهو لا يعطي فقط قراءة نبويّة للتاريخ الإسلامي وحسب، بل إنّ قراءته هي أيضاً قراءة مصريّة سنّيّة متجذّرة بنت واقعها وزمانها وبيئتها، وهي تختلف وتتناقض عن القراءة السوريّة السنيّة أو عن القراءة الشيعيّة
كتاب آخر مهمّ وذائع السّيط للسيوطي: “تاريخ الخلفاء”، وهو دليل آخر على التبسيط الخطير الذي اقترفه كاتبه بحقّ التاريخ الإسلامي المعقّد، عبر إعطاء سرديّة عن طبقة معيّنة من الخلفاء في الإسلام ومدى شرعيّتهم أقلّ ما يمكن وصفها بأنّها طائفيّة، فيها الكثير من التعصبّ والتلاعب. وهي قراءة رجعية، بمعنى أنّها تُسقط واقع وقناعات القرون المتأخّرة على التاريخ الإسلامي، وتقرأه من تلك الزاوية.
ويستوقفنا في “تاريخ الخلفاء” ما يقوله السيوطي في مقدّمته عن الخلافة في الإسلام ومدّتها، حيث يستخدم الأحاديث النبويّة لإعطاء إطار نبوي لتاريخ الإسلام (أي أنّ النبي تنبّأ بما سيحدث بعده). وعلى سبيل المثال، ينقل حديثاً منسوباً للنبي أنّه قال: “الخِلافة ثلاثون عاماً، ثمّ يكون بعد ذلك المُلك”.
من دون شك، يستخدم السيوطي هذا الحديث من أجل التفريق بين ما يُسمّى بفترة “الخلفاء الراشدين”، وبين قيام الدولة الأمويّة واعتمادها نظام التوريث (بينما في الواقع، بدأ التوريث مع أبو بكر الذي اختار عمر خلفاً له، وثمّ مع الحسن بن علي الذي ورث الخلافة عن أبيه وتنازل عنها في ما بعد لمعاوية). وثمة أهداف أخرى لهذا الحديث، منها تفسير انتقال الحكم من نظام أكمل (الخلافة الراشدة والتي لم تكن حقيقةً راشدة) إلى نظام أدنى (دولة الأمويّين، العبّاسيّين، إلخ). ويمكن أن نضيف هدفاً ثالثاً، يتعلّق بالمعضلة المثارة داخل الفكر السنّي التقليدي حول تورّط الكثير من الصحابة والتابعين في النزاعات حول الحكم..
من هنا تختلف قراءة السيوطي لتاريخ الخلفاء عن قراءة أهلّ السنّة في بلاد الشام مثلاً وتعظيم الكثير منهم للأمويّين، أو عن قراءة أهل السّنة في العراق وتعظيمهم للعبّاسيّين، أو أهل السنة في الأندلس وتعظيمهم لخلفائهم، أو تعظيم الإسماعيليّين للفاطميين، إلخ..
لكن أكثر ما يستوقفنا في كتاب “تاريخ الخلفاء” تركيز السيوطي على أنّ عدد الخلفاء في الإسلام هو اثنا عشر خليفة. مثلاً، ينقل عن الإمام مسلم (ت. 875) ـ في صحيحه ـ أن النبي قال: “لا يزال الإسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة”. ويروي عن أحمد بن حنبل (ت. 855) وأبو بكر البزّار (ت. 905)، حديثاً مشابهاً: “عن ابن مسعود أنه سَئل: كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فقال: اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل”.
لندع جانباً التناقض الواضح بين الحديث المذكور عن مدّة الخلافة (ثلاثون سنة شهدت خمسة خلفاء) وهذه الأحاديث أعلاه (لا يتطرّق السيوطي بتاتاً إلى هذا التناقض). والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان السيوطي مقتنعاً بأنّ هذه الأحاديث النبويّة صحيحة، وأنّ النبي أشار إلى إثني عشر خليفة، فما هي شرعيّة الخلفاء الباقين الذين يذكرهم في تاريخه، ولماذا يذكرهم؟
قبل الإجابة، لا بدّ من النظر في ما يقوله السيوطي تفصيلاً عن هذا الموضوع:
“… وقيل: إنّ المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقّ وإن لم تتوالَ أيّامهم، ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير عن أبي الخلد أّنه قال: لا تهلك هذه الأمّة حتّى يكون منها اثنا عشر خليفة كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد صلّى الله عليه وسلم. وعلى هذا فالمراد بقوله “ثم يكون الهرج” أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة، من خروج الدجّال وما بعده، انتهى. 
قلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. هؤلاء ثمانية. ويحتمل أن يضم إليهم المهتدى من العبّاسيّين، لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية. وكذلك الظّاهر، لما أوتيه من العدل. وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي؛ لأنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم”.
رأي السيوطي هذا يعطينا صورة واضحة عن طريقة قراءته لتاريخ وشرعيّة الخلفاء، وعلينا أن نفهمه كتعليق على واقع الخلافة في وقته، وأنّ الخلفاء أصبحوا كالدمى، يُحرّكهم سلاطين الدولة المملوكيّة كما تشاء. الحلّ في رأي السيوطي هو في جعل الخلافة صنفين، كما ذكرت أعلاه: صنف كامل وصنف ناقص. بعبارة أخرى، من بين كلّ الخلفاء في التاريخ الإسلامي (سابقاً وفي زمن السيوطي وبعده)، هناك اثنا عشر خليفة فقط اكتملت/ستكتمل فيهم صفة الخلافة الكاملة وهم: أبو بكر (حكم 632-634)، عمر بن الخطّاب (حكم 634-644)، عثمان بن عفّان (حكم 644-656)، علي بن أبي طالب (حكم 656-661)، الحسن بن علي (حكم 661)، معاوية بن أبي سفيان (حكم 661-680)، عبدالله بن الزبير (حكم 683-692)، عمر بن عبد العزيز (حكم 717-720)، المهتدي بالله (حكم 869-870)، والظاهر بأمر الله (1225-1226)، خليفة رقم 11 (سيأتي)، والمهدي المنتظر (سيأتي، وهو غير المهدي المنتظر عند الشيعة). أمّا البقية، فهم خلفاء بالإسم فقط.
ويمكن الاستنتاج من كلامه أيضاً أنّه كان مقتنعاً بعدم أهليّة الخلفاء العبّاسيّين في مصر للخلافة. إذاً ما هي أهمّيتهم؟ يبدو أنّ السيوطي وجد الحلّ لهذه المعضلة، وكما هي عادته، سيلجأ إلى أحاديث نبويّة تتنبّأ بانتقال الخلافة إلى العبّاسيّين وبقائها معهم إلى يوم القيامة. الحديثان أدناه من الأمثلة على ذلك:
“خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتلقّاه العباس فقال: ألا أبشّرك يا أبا الفضل؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: إنّ الله افتتح بي هذا الأمر، وبذرّيتك يختمه”.
“الخلافة في ولد عمّي وصنو أبي حتّى يسلّموها إلى المسيح”.
لا يمكن توفيق هذا النوع من الأحاديث عن أهليّة العبّاسيّين للخلافة مع الأحاديث التي تحدّد عدد الخلفاء باثني عشر (أو حتّى الأحاديث التي تحدّد مدّة الخلافة بثلاثين سنة) إلاّ إذا استخلصنا أن مقصد السيوطي هو أنّ دور “الخلفاء” العبّاسيّين يقتصر على إبقاء النسل مستمرّاً إلى يوم القيامة، عسى أن يخرج من بينهم الخليفتان الأخيران.
من خلال هذا التحليل لكتاب “تاريخ الخلفاء”، يمكن الوقوف على “أجندة” السيوطي وقراءته وتلاعبه بالتاريخ الإسلامي. فهو لا يعطي فقط قراءة نبويّة للتاريخ الإسلامي وحسب، بل إنّ قراءته هي أيضاً قراءة مصريّة سنّيّة متجذّرة بنت واقعها وزمانها وبيئتها، وهي تختلف وتتناقض عن القراءة السوريّة السنيّة أو عن القراءة الشيعيّة، إلخ.. وبالإمكان القول إن السيوطي يعيد قراءة التاريخ عبر فرض حاضره على الماضي، كما نفعل في يومنا هذا حين نقرأ التاريخ ونعيد سرده وفقاً لأمانينا الحاليّة.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  جولة ماكرون الخليجية.. هوس فرنسي بالإسلام!
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  رحلة ابن جبير من سبتة إلى مكة.. بمعيار الإسلام (1)