الإتفاق النووي عام 2023.. إنتظروا شهادة الوفاة

ناقشنا في مقالة الأسبوع الماضي التحديات التي تواجه الحكومة الإيرانية خلال العام 2023 حيث كانت مسألة إعادة إحياء الإتفاق النووي الموقع عام 2015 إحدی أبرز هذه التحديات الاستراتيجية. دعونا هذا الأسبوع نتحدث عن مالآت هذه المفاوضات وكيف ستكون صورتها في العام الجديد، ذلك أن نهاية الإتفاق النووي ومعه المفاوضات، ستكون له تداعياته علی المشهدين الأمني والسياسي في الاقليم.

عدة أطراف معنية بالمفاوضات النووية: الولايات المتحدة التي انسحبت من الإتفاق عام 2018. الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وألمانيا وفرنسا التي شدّدت على صمود الإتفاق ودعت إيران إلى عدم الانسحاب منه مقابل العمل معها وفق آلية معينة تُستثنى منها الولايات المتحدة. روسيا والصين البلدان العضوان في المجموعة الدولية التي ما زالت موجودة في الإتفاق لكنها تملك موقفاً مغايراً للموقف الأوروبي؛ إضافة إلى الجانب الإيراني الذي يُشكل القطب الأساس المقابل للمجموعة الغربية؛ فيما برزت اطراف إقليمية عارضت الإتفاق في حينه، وهي تريد أن يكون الإتفاق ضامناً لأمنها، أو بعبارة أدق أن تقوم طهران بإعادة صياغة أمنها القومي بما يضمن تموضعها داخل حدودها بعيداً عن نشاطها “المزعزع” للأمن في الشرق الاوسط!

في قراءة استشرافية لمالآت هذا الإتفاق ومصيره، ينبغي رصد مواقف الأطراف المعنية وماذا تريد في نهاية المطاف من هذا الإتفاق؟ وبعبارة أكثر وضوحاً ماذا تريد من إيران ذاتها؟.

الجانب الأمريكي هو أقوی الأطراف ولديه الكلمة الفصل يقابله ضعف في الموقف الأوروبي سواء قبل الحرب الاوكرانية أو خلالها، بسبب هيمنة واشنطن علی قرار حلفائها الغربيين، علماً أن الجانب الأوروبي هو الذي قاد المفاوضات مع الجانب الإيراني بعد تسلم الرئيس جو بايدن دفة البيت الابيض في 21 كانون الثاني/يناير 2021 وإعلانه الرغبة في إحياء الإتفاق النووي الموقع في 2015. لكن من أفشل مفاوضات فيينا على مدى سنتين هو تمسك واشنطن ببحث قضايا وملفات خارج اطار الإتفاق النووي وإمتناعها عن تقديم ضمانات لطهران بشأن إستمرار أي اتفاق يمكن أن يتم التوصل إليه الجانبان مُجدداً.

لا يلوح في الأفق القريب أو البعيد ما يشير إلی حصول تعديل في الموقف الأمريكي يتيح التوصل إلى إتفاق يضمن مصالح الطرفين لا أحدهما فقط، وما يزيد الطين بلة أن الرئيس جو بايدن وحزبه الديموقراطي دخلا في أجواء التحضير لانتخابات العام 2024 الرئاسية.. وهذا الأمر لا يصب حتماً في مصلحة إعادة إحياء المفاوضات النووية ولا الإتفاق النووي

في هذا السياق، تتحدث المعلومات عن وجود انقسام داخل الإدارة الأمريكية بشأن إعادة إحياء الإتفاق النووي. طرفٌ يقوده رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز ومعه روبرت مالي الذي يمسك بالملف الإيراني في الإدارة الأمريكية، مقابل الرئيس جو بايدن الذي يأخذ في الإعتبار ضغوط اللوبي الصهيوني ومنظمة “إيباك” وصقور الجمهوريين الذين باتوا مسيطرين علی مجلس النواب الأمريكي؛ فيما لم يتخذ وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومعه مستشار الامن القومي جيك سوليفان موقفاً واضحاً من هذه المسألة. هذه الأجواء المتناقضة داخل الإدارة جعلت مخرجات المفاوضات مع إيران تتقدم خطوة إلى الأمام وتتراجع خطوتين إلى الوراء؛ وكل ذلك بفعل تأثيرات متعددة مثل الإنتخابات النصفية والحرب الأوكرانية وضغوط اللوبي الصهيوني؛ مما جعل رئيس وكالة المخابرات المركزية وروبرت مالي ينصاعان للطرف الآخر في ممارسة “صراع الإرادات” مع طهران وتكثيف الضغوط عليها لجعلها تتخذ مواقف أكثر ليونة حيال إحياء الإتفاق النووي.

وبرغم مرور أربعين عاماً على إنتصار الثورة الإيرانية، إلا أن الجانب الأميركي ما زال يراهن على المضي في أساليب الضغط على النظام السياسي الإيراني، وبالتالي لا يلوح في الأفق القريب أو البعيد ما يشير إلی حصول تعديل في الموقف الأمريكي يتيح التوصل إلى إتفاق يضمن مصالح الطرفين لا أحدهما فقط، وما يزيد الطين بلة أن الرئيس جو بايدن وحزبه الديموقراطي دخلا في أجواء التحضير لانتخابات العام 2024 الرئاسية.. وهذا الأمر لا يصب حتماً في مصلحة إعادة إحياء المفاوضات النووية ولا الإتفاق النووي.

أما الجانب الإيراني، فهو يقترب من الإتكال أكثر فأكثر علی إمكانياته الاقتصادية التي وضعها في موازنة العام 2023 ليسدل الستار على أي مردود إقتصادي ومالي كان يُمكن أن يتأتى من الإتفاق النووي؛ ومن يُراجع الموازنة التي قدمها الرئيس إبراهيم رئيسي إلى البرلمان يتبين له اعتمادها على نسبة 50 بالمائة ضرائب ورسوم جديدة أما النصف الآخر فيعتمد علی صادرات المواد البتروكمياوية وبقية السلع والخدمات؛ في الوقت الذي خلت من الإعتماد علی صادرات النفط الخام؛ وهذا يعني أن النظام السياسي في إيران يريد مواجهة جميع الإحتمالات في الوقت الذي يراهن علی إنهاء الإحتجاجات الداخلية من خلال إعادة صياغة الأداء الحكومي لحل مشاكل المواطنين وتعديل ما يمكن تعديله من قوانين وإجراءات تتعلق بالحريات العامة.

من خلال المؤشرات الأولية للقيادة الإيرانية، فإن طهران غير مستعدة للانسجام مع الدول الغربية في تصوراتها الإقليمية والدولية بعدما نجحت في إجتياز التحديات الأمنية؛ إلا أن ذلك لا يعني أنها تجاوزت هذه التحديات بشكل ناجز لكنها تُهيىء نفسها للانخراط في “صراع الإرادات” مع الجانب الأمريكي بشكل خاص والغربي علی وجه العموم.

إقرأ على موقع 180  السلاح يدير السياسة.. من واشنطن إلى طهران

يبقی الجانب الأوروبي الذي لم يبدِ أي مبادرة أو خطوة راجحة لتصحيح المسار وإنما مارس دور “ساعي البريد” بإمتياز لنقل الرسائل بين الجانبين الإيراني والأمريكي دون أن يضيف عليها، وهو ما أخّل بدوره الذي لم يكن غريباً أو مستبعداً نظراً لتطورات الأحداث في أوروبا، ولا سيما بعد 24 شباط/فبراير 2022 تاريخ إندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية.

أما الجانبان الروسي والصيني، فان موقفهما كان وما يزال أقرب ما يكون إلى الموقف الإيراني لاعتبارات تتعلق بموقفهما الاستراتيجي من الولايات المتحدة والتطورات الجيوسياسية الدولية التي أعادت تموضع كل من واشنطن وموسكو وبكين.

أما ما يتعلق بالمواقف الإقليمية، فإن طهران رفضت الحوار مع دول الإقليم بشأن برنامجها النووي كما أنها رفضت حتى الآن التحدث مع المجموعة الغربية بشأن الأمن في الإقليم.

في المحصلة، يواجه الإتفاق النووي حالتين متناقضتين، الأولی متفائلة والثانية متشائمة. وفق الأولی، يتم التوصل إلى إتفاق قبل انتخابات 2024 الأمريكية، وهذا أمر من الصعب تصوره في ظل المناخات الدولية والأمريكية. أما الإحتمال الثاني، فإنه يستند علی الأرقام والوقائع، ويفضي إلى عدم إمكانية التوصل إلى إعادة إحياء الإتفاق النووي في صيغته الموقعة عام 2015. وهذا يعني أن الإتفاق الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب في غرفة العناية المركزة عام 2018 بعد انسحابه منه قد نُقل اليوم الی ثلاجة الموتی وباتت جميع الأطراف مُنشغلة بكتابة شهادة الوفاة.

([email protected])

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ماذا عن "مصر أولاً"، المشروع العروبي، لبنان وحرائق المنطقة؟