قرار إسرائيلي بتصفية “الفرسان الـ 12”: اللقيس، صالح، عوالي، نهرا.. (116)

في كتابه "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية"، يواصل الكاتب رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه بعنوان "جبهة التشدد" استعراض رؤية الدولة العبرية للمشهد المحيط بها في مطلع القرن الحادي والعشرين.

بعد أن كان الكاتب رونين بيرغمان قد استعرض في مطلع هذا الفصل من الكتاب لحيثيات التحالف الثلاثي (إيران – سوريا – حزب الله) بصفته المظلة الاستراتيجية الكبرى لـ”جبهة التشدد”، يواصل في متن هذا الفصل استعراض القيادات التنفيذية لهذا التحالف ميدانياً، وقد أطلقت عليهم أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية اسم “الفرسان الـ 12” الذين بطبيعة الحال أصبحوا على لائحة الاستهداف للقتل المتعمد. ولم يسلم من لائحة الإغتيال جنرال روسي كانت تتهمه أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية بأنه يساعد سوريا في إنتاج سلاح كيميائي!

يقول رونين بيرغمان، بأنه “كان على رأس المستوى العملياتي لهذه الشبكة ثلاثة رجال: قاسم سليماني من الحرس الثوري الإيراني، عماد مغنية من حزب الله والعميد محمد سليمان من سوريا، كما جرى ضم رمضان عبدالله شلح قائد حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين الذي كان مقره في دمشق الى هذا التحالف وكانت تتم دعوته بين الحين والآخر للمشاركة في بعض النقاشات. ومن ضمن مساعدي هؤلاء القادة بحسب بيرغمان حسان اللقيس من حزب الله، محمد المجذوب مسؤول حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية في لبنان. ولم يكن لحركة “حماس” أي دور رسمي في “جبهة التشدد” هذه – فقد كان الشيخ أحمد ياسين، وهو سني، يحتقر الشيعة الإيرانيين – ولكن خالد مشعل قائد “حماس” خارج فلسطين كان يخالفه الرأي وأعطى أوامره لأحد قادته الميدانيين في دمشق، عز الدين الشيخ خليل، ليكون على صلة قريبة جداً مع أعضاء هذه الجبهة”.

مع شبكة واسعة من الاتصالات وخطوط النقل بدأت “جبهة التشدد” بتأمين مساعدات أكبر وفتاكة أكثر للنضال ضد “إسرائيل”، يضيف بيرغمان، “فمن بيروت دعم حزب الله وسلّح “الإرهابيين” الفلسطينيين ودفع علاوات عن كل “إسرائيلي” يُقتل في تفجير انتحاري. وكان يجري تفكيك الصواريخ في سوريا وإيران ويتم تهريب قطعها براً أو بحراً إلى قطاع غزة حيث يعيد مقاتلو الجهاد الاسلامي تجميعها. وقام المجذوب بتولي نقل صواريخ الحرس الثوري بالطريقة نفسها إلى مقاتلي حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية في لبنان. وتسلّم مشعل وعز الدين الشيخ خليل مساعدة مالية معتبرة من إيران (من دون معرفة الشيخ ياسين) كما تم نقل كل المعرفة المطلوبة لانتاج الصواريخ ذاتياً إلى قطاع غزة”.

في غضون ذلك، كان اللقيس من حزب الله “قد بدأ بانشاء شبكة من الملاجىء وصوامع الصواريخ في جنوب لبنان بامكانها مواجهة أي غزو “إسرائيلي” أو حتى تساعد في شن هجوم، كانت كل تلك الصوامع والملاجىء مموهة بخبرة جيدة لدرجة أن الإستخبارات “الإسرائيلية” لم ترها خلال عملية إنشائها. كما لم تكن “إسرائيل” على بينة كاملة عن كمية الأسلحة القاتلة التي يتم تجميعها. ووفقا لإحدى عمليات التدقيق فإنه مع العام 2003 كان لدى حزب الله أكبر ترسانة امتلكتها مجموعات مسلحة على الإطلاق” يقول بيرغمان.

بطبيعة الحال لم يكن جديداً على “إسرائيل” أن يكون لديها أعداء على الحدود أو في الأراضي المحتلة، يقول بيرغمان، “ولكنها الآن كانت محاطة بقوة موحدة وعلى تنسيق عال: حزب الله في لبنان، الجهاد الاسلامي في الاراضي المحتلة، وسوريا الى الشمال؛ وكل هؤلاء يجري تمويلهم بالمال الإيراني ودعمهم بالأسلحة الإيرانية”.

وكان الجهاز “الإسرائيلي” المسؤول عن جمع المعلومات ومواجهة التهديد الخارجي هو “الموساد”، ويقول بيرغمان إن جهود هذا الجهاز “كانت بعيدة كل البعد عن ملائمة ذلك، والسبب في ذلك يعود بصورة كبيرة إلى أنه لم يكيّف نفسه مع متطلبات العصر، لجهة عدم قدرة الموساد على اختراق المنظمات الجهادية وافتقاره للقدرات التكنولوجية في عالم بات الجميع لديهم هواتف خليوية وانظمة تشفير، كما ان سلسلة الاخفاقات العملياتية التي كان في مقدمتها المحاولة الفاشلة لقتل خالد مشعل في عمان، كل ذلك كان مؤشراً إلى أن الموساد بات عقيماً وغير فاعل، وكانت إيران عدواً أكثر تطوراً من أي من الدول العربية التي حاول الموساد اختراقها، وقد أسّس بشار الأسد دائرة أمنية بتدابير صارمة في سوريا ايضاً”.

ويضيف بيرغمان، “حاول الموساد احباط مشاريع خطيرة لاعضاء “جبهة التشدد”. ومثالاً على ذلك، كان اناتولي كونتسيفيتش، الجنرال المخضرم في الصناعات العسكرية الروسية يساعد سوريا على انتاج سلاح كيميائي فتاك وهو غاز الأعصاب “في اكس”(nerve agent VX)، وقد جرى تجاهل كل الاحتجاجات الرسمية التي قدمتها “إسرائيل” (إلى روسيا)، وهكذا في أبريل/نيسان 2002 قُتِل كونتسيفيتش بظروف غامضة في رحلة جوية بين حلب وموسكو. ولكن ذلك لم يكن سوى نجاحاً معزولاً (يلمح الكاتب هنا إلى مسؤولية الموساد عن قتل الضابط الروسي)، اذ لم يكن هناك استراتيجية ثابتة ومستمرة ضد “جبهة التشدد” وبقي “الإسرائيليون” غافلين عن العديد من مخططات وأعمال أعدائهم. ومقارنة مع نجاحات الشين بيت وأمان في الأراضي المحتلة فقد كان الموساد يعتبر الحلقة الأضعف في عالم الإستخبارات الإسرائيلية”. وكان رئيس الحكومة أرييل شارون غاضباً من هذا الجهاز، ووفقاً لما كان يريده فان الموساد كان غافياً وعديم التأثير وكثير التردد في تحمل المخاطر. وبعد الاخفاقات العملياتية الأخيرة، فقد كانت مقاربة رئيس الموساد افرايم هالفي تماماً عكس مقاربات شارون الذي كان دائماً يريد أن يكون المبادر في الهجوم، وكما يشرح المساعد العسكري لشارون دوف ويسغلاس “في وقت كانت إسرائيل تجد نفسها في واحدة من أصعب معاركها طوال حياتها، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لم نستطع أن نفهم لماذا كان الموساد ببساطة غير موجود، فمع هالفي تم تطوير الجانب الدبلوماسي بصورة لا متناهية ولكن الجانب العملياتي كان وكأنه مجرد ملحق له، مجرد منديل مستهلك”.

يتابع بيرغمان، “تقاطعت تلك الفترة مع ذروة الإنتفاضة الفلسطينية الثانية. وكانت الأهداف الأساسية كما معظم الأهداف الطارئة على لائحة التصفية تتصمن أولئك الذين يُشجعون “الإرهاب” الفلسطيني. وكان حزب الله قد أنشأ، برعاية إيرانية، الوحدة 1800 لتقديم الدعم المالي والتدريب للمزيد من الهجمات الانتحارية لمجموعة إرهابية إسمها “التنظيم” (وهي مجموعة تم تأسيسها برعاية حركة فتح التي يترأسها عرفات). كما دعمت حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية الإرهاب الانتحاري لعناصرها في الضفة الغربية وغزة بالمال والتدريب والارشاد. وبغياب أي مبادرات من الموساد لردم الهوة، يقول رئيس جهاز أمان “أمان” حينها أهارون زئيفي فاركاش قوله “لم يكن الموساد شريكاً عملياتياً لنا. ومن جهة اخرى، كنا نحن في أمان قد حدّدنا خمسين فلسطينياً في الضفة الغربية يتلقون الدعم والتمويل من الوحدة 1800 في حزب الله، وكان هؤلاء يجهدون لإنتاج هجمات إرهابية، وقررنا أن نوجه عدداً من الضربات لأهداف في حزب الله كي نشرح لقادته أن هناك ثمناً عليهم دفعه مقابل أفعالهم”. وبالفعل، حدد العقيد رونين كوهين، رئيس مكافحة الإرهاب في جهاز أمان، لائحة أهداف أطلق عليها إسما مُشفراً “الفرسان الـ12″، وتضمنت “عملاء” للوحدة 1800 في حزب الله إضافة إلى عدد من الأسماء من حركتي حماس والجهاد الاسلامي”.

إقرأ على موقع 180  خريطة طريق عربية لإطلاق مفاوضات السلام في الشرق الأوسط

أحد الأسماء على تلك اللائحة “هو قيس عبيد الذي سبق أن كان عميلاً لجهاز الشين بيت وانشق عنه ليلتحق بالوحدة 1800 في حزب الله”، يقول رونين بيرغمان. ويضيف “دبّر عبيد عملية اختطاف ضابط الإحتياط في الجيش “الإسرائيلي” من دبي (العقيد ألحنان تننباوم)، فقد كان الأخير في دبي غارقاً في الديون بسبب إدمانه على ألعاب الميسر وقد وعده عبيد بإخراجه من ضائقته المالية، فمضى إلى كمين حيث تم تخديره ووضعه في صندوق ليتم نقله لاحقاً بالبريد الدبلوماسي من السفارة الإيرانية في دبي إلى بيروت. وقد أفشى هذا الضابط خلال التحقيق معه بالكثير من الأسرار العسكرية لحزب الله والسوريين. بعد ذلك، راح قيس عبيد، الذي كان يعرف الكثير من العرب الإسرائيليين ويتكلم العربية بطلاقة، يُجنّد مفجرين انتحاريين”، حسب بيرغمان.

وكان عبيد، بحسب بيرغمان أيضاً، “مواطنا “إسرائيليا”، وكانت هناك قاعدة غير مكتوبة في عالم وكالات الإستخبارات “الإسرائيلية” تمنع قتل “الإسرائيليين”، ولكن تحت التهديد الخطير الذي كان يُمثله “الإرهاب” الانتحاري، تمت تنحية هذه القاعدة. ومع ذلك لم تتضمن لائحة “فرسان” كوهين مسؤولين كبار في حزب الله مثل عماد مغنية ونائبيه أو الأمين العام حسن نصرالله “كنا نخاف أن يتسبب ذلك بإطلاق حرب شاملة”، يقول عضو في خلية استهداف عبيد. وخلال لقاء ضم كوهين وأهارون زئيفي فاركاش وأرييل شارون لشرح العملية حاججوه بالقول “انه في حين ان الشين بيت كان يقوم بعمل ممتاز في تصفية ارهابيين رفيعي المستوى في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا يقوم احد بفعل اي شيء ضد رؤساء المنظمات التي تقدم الدعم لهم من خارج الحدود الإسرائيلية”.

أول هدف تم إختياره “هو رمزي نهرا، تاجر مخدرات وعميل “إسرائيلي” غيّر ولاءه بعدما انسحبت “إسرائيل” من جنوب لبنان وكان أحد زملاء قيس عبيد في خطف الضابط “الإسرائيلي”. وفي السادس من ديسمبر/كانون الأول عام 2002، وبينما كان نهرا متجهاً إلى بلدته ابل السقي في جنوب لبنان مع ابن اخيه ايلي عيسى، وعند وصولهما الى مدخل القرية، انفجرت عبوة ضخمة كانت مموهة على شكل صخرة قرب سيارتهما فقتلا”.

الهدف الثاني، يقول بيرغمان، “هو علي حسين صالح المسجل لدى وزارة الداخلية اللبنانية كسائق لدى السفارة الإيرانية في بيروت ولكنه كان “عميلاً” في الوحدة 1800 التابعة لحزب الله. في الثاني من أغسطس/آب عام 2003 كان صالح في سيارته من طراز “بي ام دبليو” الفاخرة التي تحمل لوحة دبلوماسية في طريقه إلى العمل في مقر قيادة الوحدة 1800 في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعند الساعة 8:32 صباحا انفجرت عبوة ضخمة كانت مزروعة تحت مقعد السيارة ما ادى الى انشطارها إلى نصفين وقُذفت إلى أكثر من خمسين قدماً (حوالي 15 متراً) من الحفرة التي خلّفها الانفجار في الطريق. وبحسب تقرير لجهاز أمان، “تسبب الانفجار بانشطار جسد صالح إلى نصفين، واحد في كل نصف من السيارة”. وبعد وفاة صالح لم يعلن حزب الله ماهية مهمته قبل مقتله، وقال تلفزيون المنار التابع لحزب الله “يعرب حزب الله عن حزنه الشديد لوفاة واحد من اعظم المجاهدين”.

ويواصل بيرغمان سرد عمليات اغتيال لائحة “الفرسان الـ12” قائلاً “في 12 يوليو/تموز عام 2004 وبينما كان غالب عوالي، الذي حلّ محل علي صالح في الوحدة 1800، يغادر منزله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت ويركب سيارته المرسيدس ويدير محركها، وبعد ثوانٍ قليلة، انفجرت السيارة فـأصيب اصابات حرجة قبل نقله إلى المستشفى حيث أعلنت وفاته عند وصوله. وقد تولت مجموعة غير معروفة في بيان كان الأول والأخير لها مسؤوليتها عن عملية القتل هذه وأطلقت على نفسها إسم “جُند الشام”، وقالت المجموعة السنية في بيانها “لقد أعدمنا واحداً من رموز العمالة، الشيعي غالب عوالي”.

لم يكن لدى حزب الله أي شك أن هذا البيان مجرد تضليل “إسرائيلي”، وأن “إسرائيل” تقف خلف اغتيال غالب عوالي، وقد قال حسن نصرالله في حفل التأبين المهيب الذي أقيم لعوالي إن الراحل كان ينتمي إلى وحدة خاصة كرّست نفسها لدعم نضال الفلسطينيين، وأضاف “إنه شهيد في طريقنا إلى فلسطين”. وحمّل، وهو يقف قرب نعش عوالي الملفوف بالعلم الاصفر لحزب الله، مسؤولية العملية إلى رئيس جهاز أمان أهارون زئيفي فاركاش”.

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "كامل" و"عامل".. سيرة إنسان ومؤسسة