المرشد والسلطان.. وأمريكا بينهما 

كثُرت الأسئلة والتكهنات بشأن زيارة سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى طهران، الأسبوع الماضي، وهل أن محادثاته مع المسؤولين الإيرانيين تناولت آلية إعادة إحياء الإتفاق النووي؟ وهل حمل السلطان رسالة من الإدارة الأمريكية علی غرار الرسالة التي حملها سلطان عُمان الراحل قابوس بن سعيد في العام 2012 من الرئيس باراك أوباما إلى الإمام السيد علي الخامنئي؟.

لم أجد وسيلة للإجابة عن بعض هذه الأسئلة أفضل من زيارة “صديقي القديم”؛ وهو مصدر إيراني رفيع المستوی أستعين به في المحطات المهمة. سألته عن المهمة التي حملت السلطان هيثم لشّد الرحال إلى طهران. أجابني أن سلطان عُمان ناقش في طهران ثلاث قضايا رئيسية، وعلی مستويين؛ الأول مع الرئيس ابراهيم رئيسي، والثاني مع المرشد الإيراني الأعلی الإمام الخامنئي. أما القضايا فهي الآتية:

الأولی؛ العلاقات الإيرانية الغربية وتحديداً مع الولايات المتحدة وروسيا ومآلات الاتفاق النووي المتعثر.

الثانية؛ عمليات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ومخاطر هذا المسار علی الأمن والإستقرار في المنطقة.

الثالثة؛ تعزيز العلاقات الإيرانية ـ العربية، من خلال المزيد من التعاون والتنسيق وزيادة الثقة بين إيران والدول العربية، بما يُؤمن مصالح كل دول وشعوب الاقليم ويُعزز الأمن والإستقرار الإقليمي.

إستطرد “صديقي القديم” في الكلام، مُذكّراً بتواجد كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني في اجتماعي السلطان هيثم مع كل من المرشد الأعلى والرئيس الإيراني قائلاً إن تواجد باقري (معاون وزير الخارجية) إلی جانب وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان “يُعطي انطباعاً واضحاً إلی أهمية هذه المباحثات وعلاقتها بالاتفاق النووي”.

وزاد الرجل؛ أن اجتماع السلطان بالرئيس الإيراني تطرق إلی التعاون الثنائي والاتفاقية المشتركة الشاملة المفترض ابرامها بين البلدين، إضافة إلی الجهود المبذولة للإفراج عن الودائع الإيرانية المحتجزة في الغرب وتنفيذ أكثر من صفقة تبادل سجناء وموقوفين بين إيران والغرب.

سؤالي الذي لم أجد إجابة عليه يتصل بقدرة الأمريكيين على إعادة خلق مناخ من الثقة والمصداقية مع الإيرانيين حتی تبتعد طهران عن الدب الروسي، خاصة وأن إيران، ومنذ إنتصار ثورتها، لا تختزن في ذاكرتها إلا صور الهيمنة والتسلط والمراوغة من جانب الولايات المتحدة؟

واستذكر المصدر الإيراني الجهود التي تبذلها الحكومة القطرية في الاتجاه نفسه ولو أنها لا تتقاطع مع الجهود العُمانية، مشيراً إلی أن صفقة تبادل السجناء، ولا سيما مع الأمريكيين، أصبحت جاهزة، أما الأرصدة الإيرانية المُجمدة في الخارج، فهي تأخذ طريقها نحو الحل، ولو أنها تحتاج إلى وقت بسبب تعنت وزارة الخزانة الأمريكية إستناداً إلى قرار صادر عن الكونغرس؛ لكن المصدر الإيراني نفسه رأی ملامح ليونة في الموقف الأمريكي لأسباب داخلية أمريكية من جهة وخارجية تتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني علی وجه الدقة من جهة ثانية.

كانت هذه “الجردة” مهمة لي قبل ان أنتظر من “صديقي” أن يُعرّج علی لقاء السلطان بالمرشد، في ختام زيارة هي الأولی لسلطان عُمان الذي حرص علی أن تكون زيارته غير عادية. في هذا السياق، يؤكد المصدر الإيراني علی احترام المرشد والقيادة الإيرانية لسلطان عُمان وللدور الإيجابي الذي تلعبه بلاده في القضايا الإقليمية ومنها العلاقات العربية ـ الإيرانية؛ ولذلك فإن اللقاء ـ كما قال ـ كان على مرحلتين، الأولى عبارة عن خلوة بين الرجلين؛ والثانية بمشاركة بقية أعضاء الوفدين، وبينهم باقري.

السلطان ـ يضيف “صديقي” ـ “كان مُهتماً لسماع وجهة نظر القيادة الإيرانية بعدما نقل وجهة نظر الإدارة الأمريكية بشأن رغبتها في إعادة إحياء الإتفاق النووي كما تم التوقيع عليه عام 2015؛ أو الذهاب للتوقيع علی اتفاق بديل علی قاعدة “خطوة.. خطوة” مع أهمية وقف طهران تعاونها العسكري مع موسكو”.

الإمام الخامنئي ـ يضيف المصدر الإيراني ـ “تكلم بوضوح وشفافية عن الثقة المفقودة بالأمريكيين؛ كما إنعدام الثقة بالوعود التي يُقدمونها؛ مشيراً في ذلك إلى الثقة التي منحتها طهران للرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما والمرونة التي أبداها المفاوض الإيراني للتوصل إلى الإتفاق النووي لكن إدارة دونالد ترامب تنصلت في ما بعد من كل ذلك وضربت الإتفاق عرض الحائط لتنسحب منه وتفرض عقوبات غير مبررة علی إيران”.

وينقل المصدر عن المرشد الإيراني رغبة إيران في إقامة أفضل العلاقات مع المجتمع الدولي والإقليمي تستند إلی الاحترام المتبادل وعدم التدخل بشؤون الغير شريطة أن يفي الآخرون بالتزاماتهم قبل مطالبة إيران بتنفيذ التزاماتها. وفي ما يخص العلاقة مع روسيا والصين، فإن طهران تعتقد أنها تسير بالاتجاه الصحيح بعدما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرضت عقوبات ظالمة في الوقت الذي تنصلت الدول الأوروبية من التزاماتها بتفعيل الآلية المالية للتعامل الاقتصادي مع إيران.

وأكد المرشد لضيفه أن إيران لم ولن ترغب بالدخول كطرف في الحرب الأوكرانية من دون أن ينفي وجود اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة يجري تنفيذها مع روسيا.

وتعليقاً علی المعلومات التي تحدثت عن إمكان إحياء الاتفاق النووي، قال “صديقي” إن الملف النووي الإيراني “أصبح أمراً واقعاً لدی جميع الأطراف المعنية التي توصلت إلى قناعة مفادها أن البرنامج النووي سواء كان مع الاتفاق أو بدونه فإن إيران أصبحت تملك الدورة الكاملة للتقنية النووية وأي اعتداء عليها سيدفعها للتفكير باتجاهات أخری لصون مصالحها؛ لكن المشكلة عند الجانب الغربي ـ كما يقول المصدر الإيراني رفيع المستوی ـ إذ كيف يمكن إبعاد إيران عن روسيا والصين وتحديداً عن التقنية العسكرية الروسية التي بدأت بالتدفق إلى إيران ومنها طائرات “سوخوي 35″؟

إقرأ على موقع 180  المالكي و«حلم» رئاسة الحكومة.. لا مانع من "حلّ الحشد الشعبي"!

تركت “صديقي القديم” وأنا أفكر في مالآت هذه الأفكار التي تولد حالة عسر هضم عند من يتمسك بالمقاربة الأمريكية. ولعل سؤالي الذي لم أجد إجابة عليه يتصل بقدرة الأمريكيين على إعادة خلق مناخ من الثقة والمصداقية مع الإيرانيين حتی تبتعد طهران عن الدب الروسي، خاصة وأن إيران، ومنذ إنتصار ثورتها، لا تختزن في ذاكرتها إلا صور الهيمنة والتسلط والمراوغة من جانب الولايات المتحدة؟.

سؤال جوهري ومن الصعب أن يرضی الإيرانيون بأجوبة غير مقنعة بعد كل هذه السنوات العجاف التي عاشوها وجهاً لوجه في الميدان.. كما في السياسة.

([email protected]

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  أنظروا إلى المتوسط.. العرب في قوارب الموت