أمريكا.. دولة الجهاد الأكبر

احتفلت الولايات المتحدة يوم الاثنين 29 أيّار/مايو الفائت بيوم الذكرى (Memorial Day)، أي عيد الشهداء الذين سقطوا في حروب أميركا. تسمية تلك الحروب تتطلب من دون شكّ مجلدات ومجلدات، وهي دليل على ولّع المجتمع الأمريكي بالجهاد، وأنّ أمريكا هي دولة الجهاد الأكبر.

ولع الأمريكيّين بالجهاد قديم. فقد شنّوا، عبر تاريخهم، حروباً ضدّ السكّان الأصليين للبلاد، وضدّ جيرانهم في الشمال والجنوب، وعبر المحيطات ضدّ الكثير من الدول والشعوب، حتّى ضدّ بعضهم البعض. ولهذه الحروب صبغة دينيّة واضحة كونها شُنّت تحت شعار “الله والوطن” (God and Country). ولا يوجد تمييز بين الجنود الذين قتلوا في معارك شاركت فيها أمريكا بصفة قانونيّة أو بصفة غير قانونيّة، وفي معارك مُعلنة أم سريّة. كلّهم شهداء. من قُتلَ من أجل الدفاع عن العالم يتساوى مع من قُتلَ غاصباً. من قُتلَ أثناء معارك مع جنود أعداء يتساوى مع من قَتلَ أبرياء عزّل إنتقاماً أو لهواً. من قُتلَ من أجل مبادئ الحريّة والعدالة يتساوى مع من استباحها وشنّع بها. كلّهم شهداء الجهاد الأكبر.

في أمريكا بلد الجهاد الأكبر، يعشقون الحرب، على الرغم من بعض الاستثناءات القليلة. الحرب في أمريكا هي ثقافة ودين وتربية وتعليم وصناعة وتجارة وسينما وغناء و..، ولا يوجد شيء لا يتمّ فيه، بدرجة أو بأخرى، استذكار الحرب والشهداء والجنود الأحياء الذين “ضحّوا” بأنفسهم أو خاطروا بحياتهم من أجل “حرّيّتنا”. في أمريكا بلد الجهاد الأكبر، يحصل المحاربون على امتيازات كثيرة: قروض مُيسّرة، حسومات، أولويّة في التوظيف، طبابة مستقلّة، إلخ.. ويحصلون أيضاً على إمتيازات رمزيّة كثيرة: مثلاً هم دائماً أوّل من يصعدون للطائرات. تُعرّفنا هذه الإمتيازات وغيرها على حجم إنتشار فضائل الجهاد في المجتمع الأمريكي.

الجهاد في أمريكا ليس مجرد حرب. الجهاد هو ثقافة حرب تُنشر وتَنتشر، وهدفها إقناع الأجيال والمجتمع بأنّ القتال ضروري وأنّ الأعداء متربّصين بالوطن وأنّ التضحية بالنفس هي من الأمور المقدّسة التي لا يعلو عليها شيء والتي عليهم أن يقوموا بها خدمةً للوطن

في الكثير من بلاد العالم، ثمة احتفالات بيوم الشهداء تنظّمها الدولة ويحضرها الساسة والعسكر، ويتجاهلها أغلبها الناس. أمّا في أمريكا، فليس هناك من إحتفال للدولة بيوم الشهداء، بل هناك إحتفالات شعبيّة في كلّ بلدة ومدينة، وهذا أيضاً يعرّفنا بحجم إنتشار ثقافة الجهاد بين شعب أمريكا. يصطفّ الناس ليشاهدوا المسيرات يتقدمها قُدامى المحاربين (Veterans)، ثم المحاربون الحاليّون في زيّهم العسكري وميداليّاتهم التكريميّة، حاملين أعلام الفرق التي انتموا إليها، ويرافقهم بعض العربات العسكريّة. ويليهم فرق موسيقيّة، بعضها من المدارس، وعربات الإطفاء والشرطة. وفي كثير من الحالات، يمشي جمع من الأهل والأطفال في آخر العرض، وكأن لسان حالهم أنّنا على خطاكم نسير. الرمزيّة خارقة، وما أروعها من رمزيّة، وكم هي مريعة.

وعندما يعود الناس إلى بيوتهم، يتحوّل الإحتفال إلى باربيكيو (Barbecue)، ويبدأ شواء الهامبرغر والهوت دوغ في حدائق المنازل (وأحياناً في الحدائق العامّة) وشرب كمّيّات كبيرة من البيرة، ونقاشات من كل صنف ولون، بعضها لا علاقة له برمزيّة التضحية والشهادة، إلاّ إذا أخذنا بالإعتبار الأعداد الهائلة من الثيران والخنازير والدجاج التي ضُحّيَ بها لإنتاج كمّيّات الهامبرغر والهوت دوغ ليأكلها الأمريكيّون في يوم الذكرى.

من المشاهد الجميلة ما يصادفنا في المقابر، عندما يقوم النواطير بغرس علم أمريكا أمام قبر كل جندي سابق (بغضّ النظر عمّا إذا كان مات أثناء معركة أم بعد عمر طويل). وهذا المنظر هو أيضاً مخيف لأنّه يُعرفنا على العدد الضخم من الأمريكيّين الذين خدموا في الجيش أو المارينز أو سلاح البحريّة أو الطيران أو ..، ونعرف من خلاله أنّ الجهاد في صلب الهويّة الأمريكيّة.

هل يوم الذكرى هو فعليّاً يوم للإحتفال بالجنود الذين سقطوا في الحروب الماضية، أم هو تمجيد للجهاد وتهيئة الجنود الذين سيسقطون في حروب الحاضر والمستقبل؟

في كلمته أمام خرّيجي أكاديميّة سلاح الجو الأمريكي في كولورادو سبرينغز (Colorado Springs) يوم 1 حزيران/يونيو، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن مخاطباً الخريجين أنّ العالم سينظر إليهم ليوجّهونه ويلهمونه. وأضاف أنّ الخرّيجين سيحتاجون إلى صفات المرونة والإبداع والتحمل والالتزام التي تعلموها خلال أربع سنوات من التدريب في الأكاديمية للتعامل مع التحديات العالمية الحاليّة والمستقبليّة، وذكر تحديداً العدوان الروسي على أوكرانيا، تنافس أمريكا مع الصين، “وجحيماً كاملاً من المشاكل الأخرى”. وأضاف: لا تنسوا أبداً القَسَم المقدّس (…) والمهمة التي تقومون بها هي شيء أكبر بكثير من أي شخص أو رئيس؛ إنها دستورنا، إنها بلدنا، إنّها قيمنا الأمريكية الثابتة”.

كلام بايدن لا يترك أي شكّ أنّ استعداد أمريكا للحرب لا يختلف بتاتاً عن الجهاد، فالبعد الديني فيه حاضر بوضوح. وللمزيد من الأدلّة على حضور الدين في الجيش الأمريكي، نتوقف عند فرقة الشؤون الدينيّة (تأسّست في 29 تمّوز/يوليو 1775، أي منذ حرب الإستقلال)، وتُعرف بفرقة المرشدين الدينيّين (United States Army Chaplain Corps أو USACC). عديد هذه الفرقة حوالي 2700 رجل دين، أكثرهم من الكاثوليك أو الفرق البروتستانتيّة، ويشملون أيضاً رجال دين من أديان عالميّة أخرى (كاليهوديّة، والإسلام، والبوذيّة، والهندوسيّة). مهمّة هؤلاء المرشدين الدينيّين، كما يعرّفها موقع الجيش الأمريكي على الإنترنت، هي الإعتناء بالحاجات الدينيّة للجنود ومساعدتهم على مواجهة التحدّيات الجسديّة والعقليّة والروحيّة التي يواجهونها، وابتكار أساليب وبرامج فعّالة للإرشاد والرعاية الدينيّة.هذا العدد من رجال الدين ليس بقليل، ومهمّتهم تشير بوضوح إلى الجدّية التي يخصّصها الجيش الأمريكي والساسة الأمريكيّين للبعد الديني للجهاد. فمن جهة، يُستخدم الدين لإزالة العقبات العقائديّة أو السيكولوجيّة التي يمكن أن تؤثّر على الجنود واستعدادهم أو تقبّلهم للقتال والحرب. ومن جهة أخرى، استخدام هذا العدد الكبير من رجال الدين يؤكّد أنّ للدين دور فعليّ في تفسير القتال وأهدافه وتصنيف الأعداء وكيفيّة التعامل معهم. أوليس هذا هو الجهاد بعينه؟

أهلاً بكم في أمريكا، دولة الجهاد الأكبر. جهاد في الماضي، وجهاد في الحاضر، وجهاد في المستقبل. جهاد على الأرض، وجهاد تحت الأرض، وجهاد في الجو، وجهاد في الفضاء

في الخلاصة، الجهاد في أمريكا ليس مجرد حرب. الجهاد هو ثقافة حرب تُنشر وتَنتشر، وهدفها إقناع الأجيال والمجتمع بأنّ القتال ضروري وأنّ الأعداء متربّصين بالوطن وأنّ التضحية بالنفس هي من الأمور المقدّسة التي لا يعلو عليها شيء والتي عليهم أن يقوموا بها خدمةً للوطن. وهناك أيضاً جهد مواز يركّز على نشر تلك الثقافة بطرق مبطّنة، وأعني هنا تحديداً المسيرات والإحتفالات والأفلام الهوليووديّة والمسلسلات التلفزيونيّة والتي همّها نشر فضائل الجهاد وقدسيّته لكي يصبح في صلب الذات الأمريكيّة.

إقرأ على موقع 180  حصانة السياسة والدِين خدمةً للإجرام والإستئثار!

أهلاً بكم في أمريكا، دولة الجهاد الأكبر. جهاد في الماضي، وجهاد في الحاضر، وجهاد في المستقبل. جهاد على الأرض، وجهاد تحت الأرض، وجهاد في الجو، وجهاد في الفضاء. وكان الله في عون العالم.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  عن التصوّف الذي سادَ قروناً.. وبادَ في زماننا (7)