كيسنجر العائد إلى الصين.. المُشكلة في مَنْ يُدير أميركا!

أن يتكبّد وزير الخارجية الأميركي سابقاً هنري كيسنجر، الذي إحتفل في أيار/مايو الماضي بمرور مئة عام على ولادته، عناء السفر إلى الصين التي تمر بأدنى مرحلة من العلاقات مع الولايات المتحدة، فلا بد أن الأمر يستحق هذا العناء لإعادة تصويب المسارات الديبلوماسية بين أكبر إقتصادين في العالم، وتجنب أن يفضي التنافس بينهما إلى صدام لن يسفر سوى عن نتائج "كارثية" وفق ما كان يُحذّر هو نفسه دائماً.   

وضع كيسنجر قبل 52 عاماً في رحلة سرية إلى بكين أسس الإنفتاح على الصين بزعامة ماو تسي تونغ، ورافق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في رحلته التاريخية إلى البلد الشيوعي الذي رأت إدارته أن الطريق إلى هزيمة الإتحاد السوفياتي، القوة الشيوعية الأخرى التي تخوض معها أميركا حرباً باردة وتنافساً على زعامة العالم، لا بد أنه يمر في بكين.

قبل زيارة كيسنجر المفاجئة الثلاثاء الماضي، تقاطر المسؤولون الأميركيون على بكين، من وزير الخارجية أنطوني بلينكن في أواخر حزيران/يونيو إلى وزيرة الخزانة جانيت يلين في أوائل تموز/يوليو إلى المبعوث الخاص للمناخ جون كيري الأسبوع الماضي. وإلى السياسيين، زار بكين رجال أعمال أميركيون كبار في مقدمهم مؤسس شركة “مايكروسوفت” بيل غيتس وصاحب شركة “تسلا” إيلون ماسك والمدير العام لشركة “آبل” تيم كوك. ومن بين هؤلاء حظي غيتس بمقابلة الرئيس الصيني شي جين بينغ.

الأكثر واقعية من بين المسؤولين الأميركيين هي جانيت يلين، التي خلصت إلى أن “الشعور الذي أعرب عنه الجانبان هو أن العالم كبير بما يكفي كي يستطيع بلدانا الإزدهار والتعاون في مواجهة التحديات العالمية، وأن يكون لديهما علاقات إقتصادية بناءة”.

إدارة بايدن التي كانت على دراية بالزيارة، حرصت على النأي بنفسها عنها، من خلال القول بأن كيسنجر يزور الصين كمواطن أميركي وليس كمبعوث رسمي. ولم تخفِ إستياءها من قدرته على لقاء مسؤولين صينيين رفضوا الإجتماع مع نظرائهم الأميركيين.. وكان المقصود هنا وزير الدفاع الصيني

وإكتسبت زيارة كيري أهمية كبيرة كونها شكّلت معاودة للإتصالات الأميركية-الصينية في مجال مكافحة التغير المناخي، بعد إنقطاع إستمر نحو عام. وتزامن وجوده في بكين مع إرتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة في مختلف أنحاء العالم. والولايات المتحدة والصين ليستا إستثناءً.

أعادت هذه الزيارات بعض الحرارة إلى العلاقات الأميركية-الصينية. لكن بقيت رحلة كيسنجر هي الأكثر دوياً، نظراً إلى دوره التاريخي في صياغة العلاقات بين الجانبين، وظهرت بعض الملامح الكامنة خلف الزيارة من قول شي جين بينغ لـ”صديقه القديم” لدى إستقباله في الفيلا رقم 5 ببكين التي كانت المكان الذي إجتمع به كيسنجر مع رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي عام 1971، إن العلاقات مع الولايات المتحدة وصلت “إلى مفترق” عوض أن تقود إلى “نجاح وإزدهار”. فيما عبّر مسؤول السياسة الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني وانغ يي عن الواقع المتدهور للعلاقات بين البلدين بقوله إن “السياسات الأميركية حيال الصين تتطلب حكمة كيسنجر الديبلوماسية وشجاعة نيكسون السياسية”.

قمة الرمزية في الزيارة، كانت إستهلال كيسنجر لقاءاته في بكين مع وزير الدفاع الصيني الجنرال لي شانغ فو. الرجل يخضع لعقوبات أميركية منذ عام 2018 بسبب دوره في شراء أسلحة روسية من الصين في العام 2017. وهو رفض في أيار/مايو الماضي لقاء نظيره الأميركي لويد أوستن على هامش منتدى شانغري-لا الأمني في سنغافورة.

وقطعت بكين الإتصالات العسكرية مع أميركا على أثر زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركية السابقة الديموقراطية نانسي بيلوسي لتايوان قبل عام من الآن. وتلح إدارة بايدن على ضرورة معاودة الإتصالات العسكرية من أجل تجنب حوادث بالخطأ في منطقة آسيا-المحيط الهادىء، خصوصاً مع إرتفاع التوتر حول تايوان وفي بحر الصين الجنوبي.

وأول ما يتبادر إلى الذهن سؤال: من الذي إستعان بكيسنجر، واشنطن أم بكين؟ من الحفاوة التي أحاط بها القادة الصينيون الزيارة، بدا أنهم يريدون بعث رسالة واضحة لإدارة بايدن: نريد العودة بالعلاقات إلى أصولها، وأن لا مشكلة للصين مع أميركا كبلد، وإنما المشكلة في من يدير أميركا.

وإدارة بايدن التي كانت على دراية بالزيارة، حرصت على النأي بنفسها عنها، من خلال القول بأن كيسنجر يزور الصين كمواطن أميركي وليس كمبعوث رسمي. ولم تخفِ إستياءها من قدرته على لقاء مسؤولين صينيين رفضوا الإجتماع مع نظرائهم الأميركيين.. وكان المقصود هنا وزير الدفاع الصيني.

لا ينفي ذلك، أن واشنطن يهمها أن تعرف ما سمعه الديبلوماسي المخضرم من القادة الصينيين، وهل ثمة فرصة لإحياء التعاون مع بكين في ظرف يواجه فيه العالم تحديات تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم، من الحرب الأوكرانية إلى القبة الحرارية التي تشوي الكرة الأرضية وتشكل لها تهديداً وجودياً، إلى الذكاء الإصطناعي وما بعده.

والدور المتعاظم للصين في الشؤون العالمية يقض مضاجع الإدارة الأميركية. هي تريد علاقات مع الصين، لكن تحت سقف النظام العالمي الذي تقوده واشنطن منذ أكثر من ثلاثة عقود. إن مبادرة الصين إلى أدوار سياسية في العالم باتت مصدر قلق عميق لآحادية أميركا. من الشرق الأوسط الذي يتوسع فيه الحضور الجيوسياسي للصين إلى أوروبا، تبدو أميركا عاجزة عن كبح التمدد الصيني الإقتصادي والسياسي.

إقرأ على موقع 180  اللبنانيون إلى نظام.. الزنادقة والعبيد!

القلق من الدور الصيني يقود بايدن إلى تقسيم العالم على أساس إيديولوجي. وهو يؤمن بقوة أن الغلبة ستكون للأنظمة الديموقراطية على ما يصفه بالأنظمة الإستبدادية. الاقتصادي الأميركي جوزف ستيغليتز، الحائز جائزة نوبل، يُحذّر من أن المنافسة بين الديموقراطيين والجمهوريين الأميركيين على إظهار العداء للصين، يُمكن أن تقوّض العمل الدولي في شأن تغير المناخ والأزمات العالمية الأخرى. ويقول: “لدينا الكثير من الأصدقاء الاستبداديين، لكن ما لا نحبه هو المنافسة الاقتصادية والسياسية”.

وصحيفة “النيويورك تايمز” نبّهت بدورها، من أن “الجهود المبذولة لتهدئة التوترات بين الولايات المتحدة والصين عبر سلسلة من الزيارات الديبلوماسية لبكين، يمكن أن تتعرض للتقويض، في الوقت الذي يمضي البيت الأبيض في خطط فرض قيود جديدة على الإستثمارات الأميركية في الشركات الصينية، على صعيد أجهزة الكومبيوتر السريعة والذكاء الإصطناعي وأشباه المواصلات”.

وبالتزامن مع وجود كيسنجر في بكين، في زيارة حملت الرقم مئة خلال نصف قرن، بدأ النواب الاميركيون تحقيقاً في استثمارات قامت بها أربع شركات أميركية لرأس المال الاستثماري في شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والرقائق الدقيقة والحوسبة الكمية.

وفي إنتقاد لهذا التوجه، يقول المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية مارك سوبل، إنه برغم الخلافات الواسعة، فإن الولايات المتحدة والصين، ليس لديهما خيار إلا الإستمرار في التحدث واحدهما إلى الآخر و”نحن على المركب نفسه، وهذا يعني أن عليهم الحديث والمضي إلى الأمام، سواء كانوا سعداء مع بعضهم البعض، أم لا”.

وفي غمرة التعقيدات التي تهيمن على العلاقات الأميركية-الصينية، أتت زيارة هنري كيسنجر إلى بكين. فهل يُمكن أن تفضي إلى إختراق وتمهد للقاء محتمل بين بايدن وشي جين بينغ في الهند الشهر المقبل على هامش قمة مجموعة العشرين؟

هذا ممكن إذا قرّرت واشنطن سلوك طريق أكثر واقعية في السياسة، وأقرت بأن التعاون، وليس الإحتواء السياسي والإقتصادي والعسكري، هو أفضل طريق للتعامل مع الصين، والبحث معها عن حلول للقضايا الدولية بدءاً من تايوان إلى أوكرانيا إلى غليان الكوكب.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "مباط عال": هكذا يُستقبل شي.. وقبله بايدن في السعودية