حضارة نتنياهو.. والجيل العربي الجديد

هذه ليست معركة سياسية أو عسكرية أو أمنية وحسب. إنها معركة الوعي أولاً بهدف فضح زيف "حضارة" العدو. عدوٌ هزمَ الوعي والإرادة والروح في شعوبنا قبل أن يهزم الأنظمة العربية المتهالكة.

“هذه ليست معركة إسرائيل فقط بل معركة الحضارة ضد الوحشية”. بهذه الكلمات تفوّه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قبل دقائق قليلة من قصف مستشفى المعمداني.

وفي اليوم الذي إستقبل فيه رئيس الولايات المتحدة جو بايدن والمستشار الألماني أولاف شولتز، قال نتنياهو: “حماس هي النازية الجديدة. حماس هي داعش، وفي بعض الحالات أسوأ من داعش. وكما توحد العالم لهزيمة النازيين، تماما كما اتحد العالم لهزيمة داعش، يجب على العالم أن يقف متحداً خلف إسرائيل لهزيمة حماس”.

قبل أيام من هذه الجريمة، وصف نتنياهو حركة “حماس” بأنها “عدو الحضارة” وذلك أثناء اجتماعه بوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن. كما صرّح تعليقاً على عملية “طوفان الأقصى” بالقول: “سيكون هناك الكثير من الأيام العصيبة أمامنا لكن قوة الحضارة سوف تسود”. وبعد مجزرة المعمداني، حذف نتنياهو تغريدته الآتية: “إنه صراع بين أطفال النور وأطفال الظلام.. بين الإنسانية وقانون الغاب”!

مجزرة مستشفى المعمداني يجب أن تُخلّد في التاريخ على أنها الفيصل ونقطة البداية. بداية العد التنازلي لا لنتياهو وحسب، ولا لإسرائيل فحسب، بل لكل هذه النزعة الاستعلائية القديمة المستجدة تحت مُسمى “الحضارة”

لن أعلّق وجدانياً البتة على مجزرة مستشفى المعمداني “الحضارية”، بل سأكتفي بالتعليق على منطق الحضارة الذي يتفوه به نتنياهو. لن ينفع أي عزاء وأي بكاء. ولن يُعزينا شيء في كل ما حصل ويحصل أو سيحصل. حتى هزيمة إسرائيل نفسها ما عادت تُعزينا في صرخة طفلٍ تَحسّس الوحشة والرّعب والوجع قبل أن يستشهد.

وَحقُّ كلّ وجع غزّة.. أنّ هزيمة إسرائيل ما عادت تُعزّينا. ما يُعزّينا فقط هو هزيمة هذه “الحضارة” التي يتكلم عنها نتنياهو. هزيمة كلّ الدعاية الغربية المزوّرة والمجرمة. هزيمة كل إفرازات التوحش السياسي العالمي. هزيمة كل الانبطاح العربي وغير العربي لقوى الهيمنة الإرهابية المتوحشة. وليس أفضل من فعل التّعرية في مسار إلحاق الهزيمة هذا.

وإسرائيل الإرهابية، إذ تُعرّي كيانها يوماً بعد يوم بفعل مجازر الإبادة الجماعية، وإذ تُعرّي الغرب ودعايته العمياء يوماً بعد يوم بفعل التصفيق لهذه الإبادة أو نسبتها إلى المقاومة، وإذ تفضح المواقف العربية الخجولة والمُخجلة، فإنها يوماً بعد يوم أيضاً، تُعزّز في وعي شعوب المنطقة وكل شعب حيّ الضمير، حقيقة هذا الكيان العنصري الإجرامي ومن يدعمه ومن يركع خيفةً أمامه.

هناك جيلٌ جديدٌ كان يُراد له أن يبني وعيه على فكرة الهزيمة والإستسلام وبالتالي حتمية التطبيع. الأمر بات مختلفاً الآن. حتماً سيتغير وعي هذا الجيل. وهذا الوعي تحديداً هو ما يُرعب الكيان العنصري وحماته. إنه الوعي ـ اللعنة التي ستدفع إسرائيل وأميركا ومن معهما ثمنها، شيئاً فشيئاً. هذا ليس كلاماً من قبيل الخطابة والأمل المزيف. إنه من بنات المنطق السياسي الواقعي.

يحاول نتنياهو أن يبني صراعه مع العرب على أساس وعي “حضاري” يجتذب من خلاله كلّ “الحضاريين” في المنطقة والعالم. هو لا ينطق بمجرد كلام سياسي حين يتكلم باسم الحضارة. هو يُنظّر لذلك فكرياً. كتب الرجل كتباً وأسهب فيها. بل أنه سبق مقالة صموئيل هنتغتون التي نُشرت في صيف العام 1993 عن “صراع الحضارات”. فقد نشر نتنياهو كتاباً في نيسان/أبريل 1993 تحت عنوان “مكانة تحت الشمس” أدرج فيه على نحو منهجي رؤيته للمشروع الصهيوني في إطار منظومة صراع الحضارات، معتبراً أن هذا المشروع هو جزء من الحضارة الغربية التي تعيش في صراع حضاري مع الحضارة العربية والإسلامية. وعليه، فهو يُنظّر للمشروع الصهيوني بوصفه مشروعاً تحديثياً، ويُنظّر للصراع مع الفلسطينيين والعرب بوصفه صراعاً خارج الإطار السياسي أو الإقليمي. هو حضاري محض.

ونتنياهو هذا، من خلال التأطير الحضاري للصراع، يُعطي لنفسه دوراً خلاصياً لدولة إسرائيل وللشعب اليهودي، ويُقدّم نفسه بوصفه منخرطاً في معركة كبرى ما بين الشرق الإرهابي والغرب المتنور، وهو صراعٌ لا مجال فيه لأي تسوية سياسية (كان قد عارض اتفاقيات أوسلو) ولا لأي لغة مشتركة، بحيث يكون الحل الوحيد هو الحسم بالقوة وإخضاع الآخر بلا هوادة أو رحمة.

يقول نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس” تزخيماً لرؤيته: “استطاع اليهود تأسيس حضارة أجنبية في قلب المنطقة العربية، وفصلوا بين جزئيها الشرقي والغربي، والأسوأ من ذلك كله هو أن الشعب الذي أحدث هذا التحدي الكبير لم يكن عربياً ولا مسلماً، ولذا فعداء العرب الحالي لإسرائيل تعود جذوره إلى عداء سابق قديم وأساسي، وقيام دولة إسرائيل ما كان له إلا أن يُعزّز هذا العداء”.

لا يكتفي نتنياهو بذلك، بل يُخصّص مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين النازية والحركة الوطنية الفلسطينية والهوية القومية العربية، وذلك من منطلق العلاقة الأيديولوجية المشتركة التي تتمثل في ما يسميها “معاداة الحضارة الغربية”.

إقرأ على موقع 180  إلى البعض من أحبتي اللبنانيين.. لسنا في موناكو!

وفق هذا المنطق، يهدف نتنياهو إلى نزع كل صفة إنسانية عن حركات التحرر في منطقتنا بل يضعها في الموقع النقيض بالكامل مع الحضارة الغربية، ومن هنا أمكننا فهم وسم “حماس” بالنازية.

وهكذا، ضمن صراع الحضارات، لا يعود تعبير “الحيوانات البشرية” غريباً عليه. ولا تعود مجزرة مستشفى المعمداني غريبة. ولا يعود تعاطي الإعلام الغربي مُستهجناً. ولا يعود منطق بعض العنصريين العرب المتصهينين مُستغرباً.

هناك جيلٌ جديدٌ كان يُراد له أن يبني وعيه على فكرة الهزيمة والإستسلام وبالتالي حتمية التطبيع. الأمر بات مختلفاً الآن. حتماً سيتغير وعي هذا الجيل. وهذا الوعي تحديداً هو ما يُرعب الكيان العنصري وحماته. إنه الوعي ـ اللعنة التي ستدفع إسرائيل وأميركا ومن معهما ثمنها، شيئاً فشيئاً

هو المنطق العنصري الذي يجمع كل الفوقيين المتعجرفين في هذا العالم في بوتقة واحدة، على النقيض من الحضارة الحقيقية ومن الحداثة ومن التنوير، وهي في اللصيق مع كل منابع الشرّ والإجرام، بل كل منابع التفاهة أيضاً التي أنبتت على وسائل التواصل الاجتماعية أشكالاً “حضارية” تافهة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أو أشكالاً “تنويرية” صامتة كانت حاضرة بقوة قبل السابع من تشرين/أكتوبر.

لقد آن الأوان..

نعم؛ آن أوان التعرية.

إنه الوقت المناسب لكي ننتفض على كل هذا العفن الحضاري.

إن مجزرة مستشفى المعمداني يجب أن تُخلّد في التاريخ على أنها الفيصل ونقطة البداية. بداية العد التنازلي لا لنتياهو وحسب، ولا لإسرائيل فحسب، بل لكل هذه النزعة الاستعلائية القديمة المستجدة تحت مُسمى “الحضارة”.

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  اللبنانيون في مواجهة إكتئابهم الجماعي، هل من طوق نجاة؟