طلال سلمان: هل ذهب عمري هدراً؟

لم تكن اللقاءات الطويلة التي أجريناها مع مؤسس جريدة "السفير" طلال سلمان، نهاية العام 2016، مقابلات بالمعني التقليدي الذي نمارسه كصحافيين. كانت هناك أسئلة وأجوبة، هذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن سلمان كان راغباً في قول كلّ شيء. أطلق على الغرفة التي استقبلنا بها على مدى شهور، "غرفة الاعترافات"، وفيها اعترف. ضحك، وبكى. شتم وسخر. فاخر بمواقف، وأعرب عن ندمه على مواقف أخرى. سمّى الأشخاص والأمور بأسمائها. باح بالكثير عن عصر تحتفظ ذاكرته بمحطاته المضيئة، جازماً بأنه انتهى.

عندما تُنشر هذه السطور، لن تضيء شاشة هاتفي حاملة اسم “طلال سلمان“. سيخالف عادته بالاتصال شاكراً، كلّما كُتب عنه أو عن “السفير” نصّ، أو أُعدّ عنه أو عن “السفير” عمل. حتى إذا كان ما كُتب، أو أُعدّ، سلبياً. عرفت ذلك وأنا أواكب تفاعله مع المقالات التي نُشرت عشية قراره إغلاق “السفير” في شهر آذار/مارس 2016. “هل قرأتَ ما كتبه فلان؟” سألتُه وأنا أشير إلى مقال يبدي فيه صاحبه أسفه لأن “السفير” ستتوقف عن الصدور، منتقداً، في استعراضه لتاريخ الجريدة، أداءها خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990). أجاب “قرأته، واتصلت بكاتب المقال شكرته، برغم قراءته الظالمة”.

عادته هذه تعيدنا إلى زمن مضى. زمن كانت فيه للصحافة أصول. زمن عاشه طلال سلمان، وأحبّه برغم كلّ ما قاساه خلاله، فلم ينجح في تقبّل الزمن الجديد. لا يتعلق الأمر بالتطوّرات التقنية، والتي اعترف سلمان بأنّه لم يجتهد ليتعلّمها، فبقي حتى اليوم الأخير يكتب مقالاته على الصفحات البيضاء. يذهب إلى المفاهيم والأفكار والمبادئ التي كبر عليها، وحاول عبر مهنته أن يوصلها للناس، وباتت اليوم مجافية للعصر “بينما كنت أعتقد أنها هي القادرة على أن تفتح باب العصر”. هذا ما جعله يعلن استسلامه مع قراره إغلاق “السفير” في نهاية العام 2016: “لا يمكنني أن أقاوم اغتراب المجتمع عن ذاته. يصعب عليّ أن أقرّ بأن هذا الواقع القائم الآن هو الحقيقة الباقية والخالدة إلى الأبد”.

باب العصر الجديد

عندما خاض طلال سلمان مغامرة إطلاق “السفير” في ربيع العام 1974، بتمويل ليبي، لم يكتفِ بإصدار جريدة. كان يحمل مشروعاً تشكلت هويته بعد سنوات من الخبرة في العمل الصحافي، متدرّجاً من أسفل السلم، من محرّر تحت التمرين، إلى مصحح، إلى محرّر، إلى محقق، إلى سكرتير تحرير، إلى مدير تحرير. هذا مهنياً. أما سياسياً، فقد ساهمت نشأته في منزل والد دركي، يتنقل في إقامته بين المناطق اللبنانية، في إبعاده عن الطائفية. كانت كلمة “متوالي” تلاحقه في المدارس التي تعلّم فيها، بما أنه الشيعي الوحيد فيها. “الآخرون، في سلوكهم معي آنذاك، كانوا أصحاب فضل. كبرت لاطائفياً فعلاً. وكبرت من دون مشاكل. أن تكون غريباً يعني أن تكون مؤدباً، أن تنتبه لتصرفاتك مع الناس. يعني بالمسار الطائفي الذي واجهته، صرت أكره الطائفية. هذا قبل الايديولوجيات. عرفت باكراً أن الطائفية معادية لكرامتي كبني آدم”. أما بعد الايديولوجيات، فلم يكن صعباً عليه، وهو المتعاطف مع القضية الفلسطينية منذ طفولته، أن يختار العروبة باباً لعصر جديد. عروبة عاش سلمان في ظلالها بعض الوقت، منذ شهد على انتخاب أول رئيس، وأول مجلس نواب، لدولة الجزائر بعد إعلان استقلالها في تموز/يوليو 1962.

لا يمكنني أن أقاوم اغتراب المجتمع عن ذاته. يصعب عليّ أن أقرّ بأن هذا الواقع القائم الآن هو الحقيقة الباقية والخالدة إلى الأبد

لم تغير نكسة 1967، ولا قبلها إعلان الانفصال بين مصر وسوريا، من قناعاته. كانت “السفير” تتحضر للولادة في ظلّ ظروف سياسية توحي بالقدرة على النصر. فقد كانت مناخات حرب 1973 لا تزال تخيّم على الوطن العربي، “ورغم فجيعتنا بالإنسحاب المصري من الحرب، إلا أننا  شهدنا نصراً يتحقق، وتأكدنا أنه يمكن لجيشين عربيين أن يشتركا في معركة ضد العدو الصهويني وأن يحققا انتصارات، أي أن هناك قدرة الإمكان”.  ومع الإيمان بهذه القدرة، خاضت “السفير” معركتها إلى جانب المقاومة منذ اليوم الأول لانطلاقها، “خصوصاً أن الوجود الفلسطيني في لبنان كان لا يزال يقدّم وجهه الأفضل، وجه المناضلين المتوجهين إلى فلسطين”.

محلياً، كان لبنان يعيش حيوية سياسياً “كان هناك أمل. كان هناك أمل بالإصلاح في ظلّ وجود حركة وطنية معافاة إلى حدّ ما، وحركة نقابية مهمة، وحركة طلابية ممتازة، التقوا جميعهم في “السفير”. يعني كان هناك جوّ من النهوض إذا أردنا أن نسميه كذلك لمجموعة من الأسباب، سواء الأسباب المطلبية، أو الأسباب السياسية ذات العلاقة بقضية فلسطين، أو ترسّبات ما تبقى من حرب 73″. يحكي سلمان عن مناخ مشجّع، يعطي أملاً. وقد اعتبرت “السفير” أنها جريدة هؤلاء الناس بمطالبهم، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى القومي العربي. وهذا ما عبّرت عنه بشعارَيْها “صوت الذين لا صوت لهم”، “جريدة لبنان في الوطن العربي، وجريدة الوطن العربي في لبنان”.

الاغتراب عن الذات

ذاك العصر، عشية العام 1974، مختلف عنه عشية العام 2017. الاختلاف ليس شكلياً، بل جذرياً، حتى أن طلال سلمان لم يتردّد في القول “هذا الأمر لا يحزنني فقط. يفجعني. أشعر بأن عمري كلّه راح هدراً”.

نحن نعيش عصراً آخر. عصرٌ باتت فيه عبارة الوطن العربي مادة للسخرية، بينما أنا مؤمن بوجود وطن عربي واحد

قد يكون هذا الشعور انعكس في قرار إقفال الجريدة. إلا أن الهوة بين عصرين كانت أعمق من المسافة بين طبع حروف المانشيت يدوياً وبين إسقاطها جاهزة عبر الكومبيوتر. من عصر الإمكان، انتقل الوطن العربي إلى عصر النهايات “أخبريني عن لبنان، أين السياسة في كلّ ما نعيشه؟ هل هذه الخبريات والقصص والتشنيعات التي يتبادلها السياسيون، سياسة؟ انظري إلى سوريا: حرب، إلى العراق: حرب، إلى اليمن: حرب. هذه المنطقة كلها حروب. العدو الاسرائيلي هو الوحيد المرتاح. مصر غرقانة بفقرها وتعاستها وبتعاسة الحكم الموجود فيها. ليبيا اندثرت. تونس ترتج ولا نعرف إذا كانت ستنجو أم لا. الجزائر مغمى عليها. والمغرب منعزل بنفسه منذ زمن. عصري الذي عشته هو عصر العداء لاسرائيل وليس سقوطه عنها. هذه كانت قضيتك المركزية. هي كانت الشعلة التي تستقطب كلّ العرب. حالياً كلّ عربي غرقان، إما غرقان بدمه وإما غرقان بمشاكله، ولا أحد يفكر بفلسطين نهائياً. نحن نعيش عصراً آخر. عصر باتت فيه عبارة الوطن العربي مادة للسخرية، بينما أنا مؤمن بوجود وطن عربي واحد، ولو كانت الظروف معاكسة حالياً. ظروف تدفع الناس إلى التقوقع. أما بالنسبة لي، فهذا هو الأمل وهذا هو الحلم إذا أردت أن تسميه حلم أنا عشته شخصياً”.

إقرأ على موقع 180  أيّها الناخب اللبناني.. إعرفْ عدوّك!

هل يعني هذا أن “الوطن العربي” الذي آمن به كثيرون من قرّاء الجريدة كان وهماً؟

“لا، لكنه ينتمي إلى عصر آخر. بات يجب أن أقتنع. يوجد خمسون دليلاً حسياً أن عصري انتهى، وعصر “السفير” انتهى، وشعارها كذلك. أنا مؤمن أن الوطن العربي قائم، وقد يرجع في جيل ثان أو ثالث، لكن في هذه اللحظة هو غير موجود. عندما زرت الجزائر في الستينيات الماضية، وبرغم أن أهلها لا يتكلمون العربية، شعرت بأني في بلادي وبين أهلي، أنهم أخوتي، وأن نضالهم رفع لي رأسي. أنا الذي سُجنت في بيروت من أجل الجزائر. اليوم ماذا؟ وُلدت “داعش” ووُلدت “النصرة”. حتى شخصياً، أحفادي يتحدثون الانكليزية في البيت. حفيدتي ابنة الـ22 عاماً، سألتها إن كانت تقرأ “السفير” فقالت لي “أتفرّج عليها”. لا أستطيع أن ألومها. يبدو أن الجريدة لا تخصّها. لا تشعر بأنها تعبّر عنها. إذا خسرت هذا الجيل، كيف يمكن للجريدة أن تعيش؟ لا جريدة قادرة على الاستمرار وكلّ قرّائها أعمارهم تتجاوز الأربعين. الكلّ يقول لك “كبّر الخط” لأنه بات يستعمل النظارات. صدقاً أنا أتلقى اتصالات تطالبني بتكبير الخط فأعرف أن قارئي تجاوز الخمسين. نادراً ما أجد شاباً يحمل جريدة. هذا دليل أن عصري انتهى”.

Print Friendly, PDF & Email
مهى زراقط

كاتبة وصحافية وأكاديمية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "وحدة معايير" أم إنقلاب على الدستور اللبناني؟