المرحلة الثالثة في حرب غزة.. إحتلال دائم!

Avatar18019/01/2024
يحاول الزميل عبد القادر بدوي من أسرة موقع "مدار" الوقوف أكثر على طبيعة ما تسمى "المرحلة الثالثة" التي يدور الحديث عنها في سياق الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى يومنا هذا.. وهذه أبرز ملامح "المرحلة الثالثة" التي تطرق إليها الكاتب. 

ما هي المرحلة الثالثة من الحرب وبماذا تختلف عن المرحلتين الأولى والثانية؟

يوآف زيتون، المحلل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت“، يصف مراحل الحرب الإسرائيلية على القطاع على النحو التالي:

المرحلة الأولى اعتمدت استراتيجية التدمير والقصف الجوي الواسع الذي أحدث تدميراً غير مسبوق في القطاع؛

المرحلة الثانية اتسمت بانطلاق “المناورة البرية” في 27 تشرين الأول/أكتوبر من العام المنصرم، التي تركّزت في مناطق شمال قطاع غزة بهدف “القضاء على البنية التحتية العسكرية لحركة حماس” والعمل في بعض مناطق الوسط والجنوب؛

المرحلة الثالثة ستركز على مناطق وسط وجنوب القطاع، وتتسّم بأنها أقل كثافة من الناحية العسكرية وتواجد الجيش في مناطق شمال القطاع، وتعتمد استراتيجية “العمليات المركّزة” التي تهدف إلى اغتيال وتصفية قيادات حركة حماس السياسية والعسكرية، وسط استمرار العمل بالكثافة العسكرية العالية في وسط وجنوب القطاع (خانيونس والنصيرات والبريج والمغازي وغيرها).

في هذا السياق، أشرنا في مساهمة سابقة تناولت معنى “المناورة البرية متعدّدة الأبعاد” كما يراها عومر دوستري في قطاع غزة، إلى أن المراحل الإسرائيلية للعمل ستكون على النحو التالي:

1) المرحلة الأولى تركّز على منطقة شمال غزة بما في ذلك مدينة غزة من اتجاهات مختلفة؛

2) تطويق دير البلح في وسط وشمال القطاع، ونشر القوات من الشمال (غرباً على الساحل، وشرقاً في المناطق المفتوحة الحدودية مع إسرائيل)؛

3) المرحلة الثالثة تركّز العمل في منطقة وسط – جنوب (خانيونس)؛

4) أمّا المرحلة الرابعة والأخيرة فستركّز على مدينة رفح جنوباً بالقرب من الحدود المصرية (…).

تخفيض القتال أم إعادة احتلال؟

إن الحديث إسرائيلياً عن الانتقال إلى المرحلة الثالثة في الحرب على القطاع دون الحديث عن طبيعة وإنجازات المرحلتين الأولى والثانية العسكرية يُثير الكثير من التساؤلات. وعلى الرغم من ذلك، يُمكن الادّعاء – استناداً إلى طبيعة “العمليات الحربية” الإسرائيلية خلال المئة يوم الماضية – أن المرحلتين الأولى والثانية تُحيلان بالفعل إلى القصف الجوي العنيف قُبيل الدخول البري (المرحلة الأولى)، والهجوم البري العسكري العنيف باستخدام عدد ضخم من القوات (المرحلة الثانية)، على أن تتضمّن المرحلة الثالثة إعادة احتلال قطاع غزة عسكرياً لأسباب تتراوح بين “حاجات إسرائيل الأمنية”، النزعات الاستيطانية لليمين الصهيوني، ناهيك عن هامش المناورة الدولية.

إن إعادة احتلال القطاع عسكرياً تحت شعار “تخفيض القتال” ضمن المرحلة الثالثة (وإن تركّز هذا الأمر حالياً في مناطق شمال القطاع) يُمكن تأطيره في ضوء العوامل والاعتبارات التالية:

  • الاعتبارات الأمنية – العسكرية الإسرائيلية:

إن استمرار إخفاق الجيش في تحقيق الهدف العسكري الإسرائيلي في هذه الحرب، والمتمثّل في “القضاء” على حركة حماس، يفرض على المؤسستين الأمنية والعسكرية اللجوء إلى السيطرة على كامل الأرض في المناطق التي يعمل فيها. ورغم أن الحديث الحالي يدور عن شمال القطاع لاعتبارات عملياتية فهذا الأمر ينطبق على كامل القطاع بعد انتهاء العمل العسكري الكبير. هذه العملية تتضمن التنقّل بين المنازل والأحياء والطرقات بهدف “تطهيرها من المقاتلين ومخازن الأسلحة والصواريخ والأنفاق”، بشكل يُمكنّها من الوصول إلى مرحلة “القضاء التام على قدرات حركة حماس العسكرية” وهو الأمر الذي قد يحتاج إلى أشهر طويلة وربّما إلى سنوات بحسب الكثير من المسؤولين الحاليين والسابقين في المؤسستين الأمنية والعسكرية، في هذا السياق، أكّد هرتسي هليفي- رئيس هيئة أركان الجيش أن الجيش سيقاتل في قطاع غزة طوال العام 2024، مُشيراً إلى أن هذا العام هو عام حرب. كما أشار عضو كابينيت الحرب أرييه درعي رئيس حزب شاس، إلى أن وجهة إسرائيل في المرحلة المقبلة هي البقاء في قطاع غزة بقوات كبيرة لسنوات حتى يتم إزالة التهديدات والقضاء على قيادة حركة حماس (…).

في هذا السياق، يُمكن القول إن تجربة إسرائيل خلال عقود من الاحتلال في الضفة الغربية مكّنتها من تطوير تقنيات تستطيع من خلالها السيطرة على مساحات جغرافية كبيرة من خلال عدد قليل من الجنود. وهي تقوم بذلك من خلال تقنيات مثل:

1) تفتيت الجغرافيا، خلق تباينات إدارية (منطقة عسكرية، منطقة مغلقة، حزام… إلخ)؛

2) تقنيات رقابية (الكاميرات، الطائرات المسيرة، أجهزة التنصّت.. إلخ)؛

3) استخدام العنف المستمر (التدخل العسكري المباشر). وهذا يعني أن بإمكان إسرائيل أن تحلّ الأزمة المتولّدة من تجنيد مئات الآلاف من جنود الاحتياط عبر تسريحهم والإعلان بأنها انتقلت إلى المرحلة الثالثة (وهي باختصار إعادة الاحتلال العسكري) وذلك بالاستناد إلى هذه التقنيات التي طورتها داخل الضفة الغربية. وهذا بالفعل ما حصل مؤخراً في مناطق شمال قطاع غزة حيث تم الإعلان عن تسريح عشرات آلاف جنود الاحتياط مع الاحتفاظ بنقاط عسكرية لاستكمال “المناورة البرية” في تلك المنطقة.

  • الاعتبارات الإيديولوجية والسياسية والشخصية:

لم يعد خافياً على أحد أن مسألة إعادة احتلال قطاع غزة ليست محكومة لاعتبارات إسرائيل الأمنية – العسكرية فقط؛ وإنّما أيضاً لاعتبارات أيديولوجية – سياسية لليمين الصهيوني الذي يُطالب بشكلٍ واضح بضرورة إعادة احتلال القطاع ناهيك عن مطالبات إعادة الاستيطان والعودة إلى الواقع الذي كان قائماً قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع العام 2005. مثلاً، الوزير بتسلئيل سموتريتش رئيس حزب الصهيونية الدينية أكّد أن وجهة إسرائيل البقاء في قطاع غزة، مُضيفاً أن القواعد العسكرية هذه لا يُمكن حمايتها بدون وجود حياة مدنية قاصداً المستوطنات التي تبثّ فيها الحياة بحسب قوله، وهو ما أثبتته تجربة الاستيطان في الضفة الغربية، ناهيك عن كل الحراكات والمبادرات والحملات التي تقودها المجموعات الاستيطانية المطالبة بعودة الاستيطان في قطاع غزة، وهذا من ناحية.

إقرأ على موقع 180  ماذا تبقى من مبررات السعودية للتطبيع؟

من ناحية ثانية، تُشكّل الاعتبارات السياسية والدوافع الشخصية لبنيامين نتنياهو دافعاً إضافياً لإعادة احتلال القطاع للتعويض عن فشل نظريته في التعامل مع قطاع غزة ضمن نظرية “إدارة الصراع” التي شكّل شعار “تقوية حماس وإضعاف السلطة” أحد أبرز مركّباتها خلال سنوات حكمه. هذا الأمر (إعادة احتلال القطاع عسكرياً) يضمن إطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة، وبالتالي، القدرة على الاستمرار في منصبه رئيساً للوزراء طالما أن نهاية الحرب باتت مقترنة بالنسبة له بنهاية مستقبله السياسي ربّما، بالإضافة إلى مواجهة استحقاقات قضائية مركّبة (الفشل الأمني في أحداث هجوم طوفان الأقصى، الفشل في إدارة العمليات العسكرية في الجنوب والشمال ناهيك عن الملفات القضائية ومحاكماته التي تم تأجيلها بسبب الحرب).

من ناحية ثالثة، فإن نتنياهو يُدرك أن بقاءه في منصبه هذا لأطول فترة ممكنة، ربّما حتى نهاية ولايته الحالية على الأقل (التي تبقّى لها قرابة 3 سنوات) يحتاج إلى الحفاظ على تماسك كتلة اليمين السياسية بما في ذلك أحزاب اليمين المتطرّف (حزبا عوتسما يهوديت بقيادة إيتمار بن غفير، والصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش)، وهو ما يجعله عرضةً لابتزازات وضغوط تيار اليمين الصهيونية المتطرف، بما في ذلك رغبة تيار الصهيونية الدينية الداعي لإعادة الاستيطان بعد إعادة احتلال القطاع العسكري والمماطلة في إنهاء الحرب والانسحاب منه عبر خلق “حالة حربية” مستمرة.

  • صورة إسرائيل عالمياً:

مما لا شكّ فيه أن الانتقال للمرحلة الثالثة من الحرب في قطاع غزة ارتبط بالولايات المتحدة في النقاشات الإسرائيلية، من حيث أن تصوير الولايات المتحدة أنها ضغطت على إسرائيل من أجل الانتقال لهذه المرحلة التي ستضمن بحسب ادّعاءاتها التقليل من الخسائر في أرواح المدنيين الفلسطينيين والتركيز على “العمليات المركّزة” لتصفية القيادتين العسكرية والسياسية لحركة حماس في قطاع غزة، ذلك بعد أن ارتكبت إسرائيل مجازر جماعية وإبادة شعب في قطاع غزة، واستهدفت بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث البنية التحتية المدنية في القطاع، نتج عنها استشهاد وإصابة قرابة 100 ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال المدنيين، وهو ما وضع حليفة إسرائيل التي قدّمت دعماً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل غير مسبوق في “حرج أخلاقي”. بالنسبة لإسرائيل، يُشكّل الانتقال إلى المرحلة الثالثة، والتي تعني إعادة الاحتلال كما نُجادل في هذه المساهمة، مخرجاً تُضلّل به الرأي العام الدولي وتُعطي حليفتها مساحات للحديث عن إنهاء الحرب أو تخفيض حدّة الحرب، أمام “الضائقة الأخلاقية” التي باتت تُعاني منها في العالم بعد ارتكاب المجازر والإبادة وعمليات التدمير، والتي تكلّلت بوضع إسرائيل في قفص الاتهام في محكمة العدل الدولية بعد أن تقدّمت دولة جنوب أفريقيا بدعوى قضائية ضدّها لارتكابها “إبادة جماعية” في قطاع غزة بشكلٍ منظم وممنهج. هذا المخرج قد يكون بتحويل القطاع إلى “منطقة حربية” فيها حالة “حربية دائمة” (…).

إن إعادة الاحتلال المُشار إليها في هذه المساهمة هي إحالة إلى أن وجهة إسرائيل هي العودة إلى الاحتلال المباشر مرة أخرى (العودة إلى ما قبل العام 2005) عبر إعادة السيطرة العسكرية على الأرض في القطاع، وقد يكون الحديث إسرائيلياً عن حرب طويلة ومستمرة هو تكتيك من أجل خلق “مسمار جحا” يضمن لها البقاء العسكري في القطاع على مدار فترة طويلة تتمكن خلاله من الوصول إلى تسوية أو صيغة سياسية تشبه ما هو قائم في الضفة.

في الحقيقة، تسعى إسرائيل إلى تضليل الرأي العالم العالمي والإقليمي والمحلي بتحويل قطاع غزة إلى “منطقة حربية” فيها حالة “حرب مستمرّة” لكن بوتيرة قتالية منخفضة تضمنها وتوفرها المرحلة الثالثة المُشار إليها، هذه المرحلة كما أشرنا تعتمد بشكلٍ رئيس على المعلومات الأمنية الاستخبارية لتنفيذ عمليات “الإحباط المركّز”- الاغتيالات وتدمير البنية التحتية العسكرية لحركة حماس، لكنها في الوقت نفسه لا تتحقّق إلّا من خلال السيطرة الأمنية والعسكرية التي تتطلّب تواجداً عسكرياً دائماً، بما يشمل إقامة “حزام عازل” على طول الحدود مع القطاع، نقاط عسكرية ثابتة ونظام حواجز كما أوضحنا سابقاً، وسيطرة إسرائيلية على محور فيلالفي ـ غزة الحدودي مع مصر، ما يعني إعادة احتلال القطاع من جديد، وخلق واقع عسكري – أمني – سياسي شبيه بواقع الضفة الغربية المحتلة منذ أكثر من 20 عاماً.

يبقى القول أن هذا الأمر في نهاية المطاف يُعبّر عن رغبة إسرائيل، بالتالي، لا يُمكن اعتبار تنفيذه أمرًا مُحققاً لا مفرّ منه، ذلك لأن الصورة النهائية للحرب لم تكتمل بعد، وأن هذه الصورة ستُسهم في تشكيلها الكثير من العوامل والمتغيرات والفواعل التي تُعد إسرائيل واحدة منها وبالتأكيد ليست كلّها.

(*) راجع النص كاملاً على موقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) 

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تبحث بالنار.. عن مكان في "إتفاق بكين"