القانون الدولي في خطر… ضرب القنصلية الإيرانية في ميزان القانون الدولي

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، لم تعرف منطقة الشرق الأوسط لحظة من الهدوء. بالعكس، تممدت بقعة زيت الحرب ضد غزة نحو الضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن وأخيراً نحو إيران مع استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، وقرار الرد الإيراني على الضربة الإسرائيلية.

حتى الآن، فشلت جميع الجهود الدولية والعربية والإسلامية ـ طبعاً الخجولة ـ من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق نار في حرب غزة، وآخرها القرار ٢٧٢٨ الذي تمت الموافقة عليه في مجلس الأمن، من دون “فيتو” أميركي، إلا أن إسرائيل وكعادتها رفضت القرار واعتبرته كأنه لم يكن.

في الأول من نيسان/أبريل ٢٠٢٤، حصل تطور جديد ومفاجىء في مسار الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة؛ مع إقدام إسرائيل على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، الأمر الذي يُشكّل خرقاً خطيراً لقواعد القانون الدولي وخاصة لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني.

ما هي اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية؟

هي اتفاقية وُقعت في فيينا عام ١٩٦١ ووظيفتها تحديد الإطار الدبلوماسي وتنظيم العلاقات بين دولتين ذات سيادة، ونصت أيضاً على بعض القواعد الخاصة كالحقوق والواجبات والحصانات والامتيازات التي يتمتع بها أفراد البعثات الدبلوماسية.

وتعتبر اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية من أنجح الاتفاقيات الدولية إلى يومنا هذا نظراً لكونها تضم أغلب دول العالم، وبالتالي، باتت تجمع المُوقعين عليها ضوابط وقواعد تنظم علاقاتهم الدبلوماسية وأهمها المعاملة بالمثل. وبذلك تكون قد شكّلت الحجر الأساس لتنظيم الحياة الدبلوماسية بين الدول بما يضمن احترام الدول المضيفة لأي بعثة دبلوماسية على أراضيها.

كان على المجتمع الدولي عموماً ومجلس الامن خصوصاً أن يتخذ قرارات صارمة في هذا الشأن وذلك مخافة أن يُشرع الفعل الإسرائيلي الأبواب مستقبلاً أمام استهداف البعثات الدبلوماسية من قبل الأطراف المتنازعة أو حتى من قبل غيرهم، ذلك أن الصمت الغربي عن إدانة هكذا فعل يُشكل موافقة ضمنية عليه أو حتى السماح به

هل انتهكت إسرائيل القانون الدولي؟

إن اتفاقية فيينا تؤمن حماية البعثات الدبلوماسية، أفراداً وممتلكات، في زمن السلم، أما في زمن الحرب، فإن الاعتداء على هذه البعثات يُشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني. فهذا الأخير، يُصنف المبعوث الدبلوماسي، أي الشخص المكلف بمهام تمثيل دولته والنظر في حاجات رعايا هذه الدولة المقيمين في نطاق دولة ثانية ويكون هذا الشخص مسجلاً ضمن اللوائح الدبلوماسية لدى وزارة الخارجية للدولة التي يقوم بعمله ضمن نطاقها الجغرافي، على أنه مدني وتعطيه بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لسنة ١٩٤٩ الحماية ذاتها التي يحصل عليها المدني أيضاً. ليس الانسان فقط من يحظى بالحماية، إنما أيضاً الأعيان المادية التابعة للبعثات تحظى بالصفة المدنية وتلزم الأطراف واجب احترام وحماية تلك الأعيان كالمباني وغيرها.

ولكي يضمن القانون الدولي الإنساني واجب حماية الأهداف التي نص على أنها مدنية، تم اعتبار كل عمل مخالف من قبيل جرائم الحرب التي تقوم على إثرها المسؤولية الدولية.

وبما أن إسرائيل في حالة حرب مع كل من إيران وسوريا، فإن قصف القنصلية الإيرانية في دمشق يُشكّل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني وللأعراف والاتفاقيات الدولية التي ترعى عمل البعثات الدبلوماسية، وبذلك يرقى هذا العمل الى مصاف “جريمة الحرب”.

وماذا عن ردود الفعل الدولية؟

شكّلت هذه الضربة تحولاً خطيراً في مسار الحرب التي تقترب من نهاية شهرها السابع في الشرق الأوسط وفتحت باب التصعيد في المنطقة كلها، فسارعت سوريا الى إدانة هذه الجريمة كونها حصلت على أراضيها وشكلت خرقاً لسيادتها. أما على نطاق الأمم، فقد تقدمت روسيا باقتراح بيان إلى مجلس الأمن يُدين استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق ولكنه اصطدم بمعارضة كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وهذه النتيجة كانت متوقعة، إلا أنه كان على المجتمع الدولي عموماً ومجلس الامن خصوصاً أن يتخذ قرارات صارمة في هذا الشأن وذلك مخافة أن يُشرع الفعل الإسرائيلي الأبواب مستقبلاً أمام استهداف البعثات الدبلوماسية من قبل الأطراف المتنازعة أو حتى من قبل غيرهم، ذلك أن الصمت الغربي عن إدانة هكذا فعل يُشكل موافقة ضمنية عليه أو حتى السماح به في بعض الأحيان.

كان الحري بالولايات المتحدة، وخاصة إدارة جو بايدن التي تتشدق دائماً بشعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان، أن تُحرج إيران من خلال تمرير بيان إدانة دولية.. وبعد ذلك تطلب من إيران أن لا ترد.. ولكن طالما أنها لم تفعل ذلك، فتحت الباب أمام أن تختار غيران الطريقة التي تناسبها للرد على الإستهداف الإسرائيلي.

سؤال أخير من خارج هذا السياق؛ ما الفرق بين أن يقول مسؤول لبناني مثل وئام وهاب “المحكمة الدولية وصرمايتي سوا” ويلاقيه رئيس الإمبراطورية الأميركية جو بايدن بممارسة وفق القاعدة نفسها: “القانون الدولي وصرمايتي سوا”؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بين الانفتاح على الحريات الصحفية.. وأحاديث الأحذية!
رواد منذر

باحث لبناني متخصص بالقانون الدولي العام

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  نتنياهو: الكوماندوز، الملك بيبي، مكيافيلي.. و"المطارد" قضائياً