تصدي الأردن للرد الإيراني لا يُفسد في الود قضية مع طهران!

لا شك أن الرد الإيراني على إسرائيل ليل 13-14 الجاري، إثر استهداف الأخيرة للقنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/أبريل، أسّس لمعادلات جديدة في المنطقة، لكن ثمة علامة فارقة سجّلها الأردن من خلال مشاركته بعملية اعتراض الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية التي أطلقت على الكيان العبري، الأمر الذي طرح تساؤلات عدة حول هذه المشاركة.

فور انتهاء الهجوم الإيراني على إسرائيل، الذي تمكّنت وسائط الدفاع الأميركية والبريطانية والفرنسية المتواجدة في المنطقة، إضافة إلى وسائط الدفاع الأردنية وربما الخليجية، من إسقاط القسم الأكبر من صواريخه ومُسيّراته، سارع الأردن إلى تبرير مشاركته بذريعة الحفاظ على سيادته ورفض استباحة مجاله الجوي، بصرف النظر عن هوية مُطلقي تلك الصواريخ والمُسيّرات، أو من تستهدف.

وحسب أكثر من رواية رسمية أردنية، فإن تفعيل منظومة الدفاعات الجوية أو إعطاء المصادقة للولايات المتحدة على العمل في سماء الأردن، لا يستهدف الدفاع عن إسرائيل، بل أولاً وقبل أي شيء آخر، الدفاع عن المملكة الأردنية نفسها، مثلها مثل أي دولة تحترم سيادتها، ويأخذون على طهران أنها لم تُعلم أو تطلب موافقة هذه الدول، التي كانت مُسيّراتها وصواريخها تمر في سمائها.

واللافت للإنتباه أن الأردن أكثر بلد عربي تفاعل رأيه العام مع الصواريخ الإيرانية إيجاباً، كمثل تعامله مع الصواريخ التي أطلقها صدام حسين ضد إسرائيل في مطلع العام 1991. لذلك، وجد الأردن الرسمي نفسه، في موضع حرج، أمام أبنائه الذين يناصرون القضية الفلسطينية بقوة، ويعتبرون أنفسهم “أم الصبي”، وأنهم المعنيون الأوائل بما تؤول إليه الأحداث في فلسطين عموماً، وفي الضفة الغربية خصوصاً، وما يُحاك للأخيرة من مخططات تهجير تُشكّل تهديداً وجودياً للمملكة الهاشمية. إضافة إلى خشية أردنية من أي نشاط أو تغلغل لقوى “محور المقاومة” إلى داخل أراضيه، وتحويلها إلى قاعدة انطلاق للمقاومة ضد إسرائيل من الجهة الشرقية، خصوصاً بعد كشف مسؤول في “كتائب حزب الله العراقي” عن خطط لإنشاء ميليشيا أردنية قوامها 12 ألف عنصر مسلّح تكون تابعة لـ”محور المقاومة” الذي تقوده إيران. كما أفادت مصادر أردنية أن عمّان “تمكنت من احباط مخطط للتسلّل إلى الأردن عبر القوافل العراقية التي تنقل المساعدات إلى الفلسطينيين”.

في هذا الصدد، تقول مديرة مشروع الدراسات الإعلامية الإيرانية في معهد أبحاث وإعلام الشرق الأوسط ( (MEMRI) Middle East Media and Research Institute، إيليت سافيون، بأنه ثمة خطة كبرى لإيران تهدف إلى “إسقاط نظام الأردن. بمجرّد حصولها على أقصى فائدة على الجبهة اللبنانية عبر الحزب (حزب الله). وهي ستمتنع عن إشعال حرب شاملة مع إسرائيل، لأنّها لم تحاصر إسرائيل بالكامل بعد، ولأنّها تتجنّب التورّط في حرب إقليمية”.

ثمة تفهّم إيراني للموقف الأردني بدليل استمرار التواصل بين البلدين سواء عبر الممثلين الديبلوماسيين في كلا العاصمتين أو بالمباشر بين الحكومتين، في ظل حرص متبادل على تفادي افتعال مشاكل يُمكن أن تؤثر سلباً على مسار التطبيع الثنائي بين البلدين

من جهته، ينفي الخبير العسكري الاستراتيجي فايز الدويري، كُلّ ما يُشاع من هذا القبيل، ويقول “ليست هناك أيّة نيّة ظاهرة على الأقل، لزج الأردن في محور المقاومة”، ويضيف “أن مشكلة الأردن محصورة فقط بعصابات تهريب المخدرات الناشطة عند الحدود الأردنية السورية”.

ويقول الدويري لموقعنا “إن ما قامت به القوات الجوية الأردنية يقع في خانة حماية السيادة الأردنية، ويُعتبر تصرفاً متوازناً لا سيما إذا تم التعامل بالطريقة نفسها مع أي ردّ إسرائيلي محتمل على إيران أو سواها من دول المنطقة”، ثم يستدرك اللواء الدويري، ويشير إلى “احتمال أن تستخدم إسرائيل الأجواء الأردنية أثناء ردّها على الضربة الإيرانية من دون أن تتمكن وسائط دفاع المملكة من اعتراضها إذا استخدمت تل أبيب طائرات أف 35، كون هذه الطائرات شبحيّة بالكامل، ولا تستطيع الرادارات اكتشافها. وإذا ما استخدمت أيضاً صواريخ أريحا 3 من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهي صواريخ باليستية، مسارها خارج الغلاف الأرضي في طبقات الأتموسفير، وهنا كذلك تكون خارج الامكانيات الأردنية، وبالتالي، الردّ الأردني يرتبط بطبيعة الوسائل التي سوف يستخدمها الاحتلال”.

ويختم الدويري حديثه لـ180 بوست، بالقول إن موقف الأردن “كان واضحاً بأنه لن يسمح باختراق غلافه الجوي من أيّ من طرفي الصراع”، مع تأكيده على أن القضية الفلسطينية “تعني كل أبناء المملكة المؤلفين من ثلاثة أثلاث، ثلث أردني، ثلث فلسطيني وثلث من التزاوج”.

في المحصلة، ثمة تفهّم إيراني للموقف الأردني بدليل استمرار التواصل بين البلدين سواء عبر الممثلين الديبلوماسيين في كلا العاصمتين أو بالمباشر بين الحكومتين، في ظل حرص متبادل على تفادي افتعال مشاكل يُمكن أن تؤثر سلباً على مسار التطبيع الثنائي بين البلدين. والدليل أنه برغم كل ما يُشاع حول تصرف الأردن الأخير، اجتمع وزيرا خارجية البلدين، حسين أمير عبد اللهيان وأيمن الصفدي على هامش إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي مؤخراً.

ولا تخفي طهران سعيها الدائم لتوطيد العلاقة مع عمّان، وتفعيل الأطر الاقتصادية والسياحية بينهما، لا سيما السياحة الدينية، كون مرقد الصحابي جعفر بن أبي طالب، الملقب بـ(جعفر الطيار)، الذي يعني الشيعة كثيراً، موجود في الأردن. فيما الأخير يصعب عليه ملاقاة إيران ـ بالاندفاعة نفسها ـ لارتباطه باتفاقات عسكرية وأمنية مع أكثر من دولة غربية على خصومة مع الجمهورية الإسلامية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، هذا فضلاً عن معاهدة السلام التي تربطه بالكيان العبري.

إقرأ على موقع 180  لماذا "تتخوف" تل أبيب من "تصعيد حمساوي" بعد الأضحى؟

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  عبدالناصر في غزة.. لحظة تُولّد ثورة!