سيرة عاموس عوز.. من بيغن إلى بن غوريون! (3)

"قصّة عن الحبّ والظّلام"، سيرة ذاتية للكاتب الإسرائيلي عاموس عوز؛ كتاب روائي يأخذنا بعيدًا إلى طفولة كاتبه في القدس الانتدابيّة؛ يجول بنا في أوروبا الشّرقية في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، ويُطلعنا على القدس أثناء قيام "الدّولة الجديدة" ويُعرّج بنا على متاهات عقده الأسريّة وقصّة انتحار والدته، ومذكّراته في الكيبوتس الذّي عاش فيه.

برغم كثافة الحضور السياسي والاجتماعي في كتاب “قصّة عن الحبّ والظّلام”، والقدرة على الاستعانة به كمرجع توثيقي للسرديّة الإسرائيليّة عن مرحلة قيام الدولة العبرية، إلا أن الكتاب يندرج في خانة السيرة الذاتيّة، ويبقى الحدث الأكثر تأثيرًا على سياق العمل حادثة انتحار والدته، وعلاقة عاموس عوز بوالديه قبل تلك الحادثة، وكيف أثّرت بشكل مباشر على تحديد معالم شخصيّته، وكيف غيّرت طريقة عيشه وتوجّهاته السياسيّة بعدها، وبالتالي نحن عملياً أمام دراسة لذهنيّة اليهودي الجديد سّياسياً وتّاريخياً لكن بما يتواءم مع الرّؤية الصّهيونيّة للذات والموضوع!

عاموس كلاونزر هو اسم الكاتب المولود لأب ليتواني وأمّ أوكرانيّة في القدس الانتدابيّة عام 1939. هاجر والداه إبّان انتشار معاداة السّاميّة وكراهيّة اليهود في أوروبا قبيل الحرب العالميّة الثّانية. كانت عائلته لأبيه في القدس قوميّة يمينيّة من أنصار الصّيهونيّة التّصحيحيّة بزعامة زئيف جابوتينسكي (أحد أشدّ المعارضين لبن غوريون). العديد من أفراد العائلة تأطّروا في حركة “حيروت” التّي أسّسها مناحيم بيغن، حتّى أنّ عمّه الأكبر كان مرّشح الحركة لرئاسة الدّولة بعد قيامها، وقد تأثّر عوز بهذه التّوجّهات في طفولته إلى أن قرّر في مراهقته هجر القدس والعيش في كيبوتس زراعي (مستوطنة حولدا)، وهناك صار ناشطًا صهيونيًّا طلائعيًّا، وتبنّى لاحقًا توجّهًا إشتراكيًّا وصار قريبًا من حزب العمل. هذا التوجّه نحو الاشتراكيّة يبدو إلى حدٍّ بعيد متماهيًا مع توجّهات أسرة أمّه، فجدّه لأمه كان شيوعيًّا، وعلى حسب قول خالة الكاتب “كان شيوعيًّا مسالمًا، شيوعيًّا تولستويًّا يعارض سفك الدماء”.

نلاحظ في كافّة نواحي الرواية أن المجتمع اليهودي كان محافظًا ومغلقًا إلى حدٍّ بعيد، فالحديث عن العواطف كان عذريًّا ومتحفّظًا للغاية، والكلام عن الجسد وتجاربه ارتبط بالالتباس والخوف ومشاعر العار، والعلاقات العاطفيّة مع غير اليهود نادرة وحين تحصل كانت مثار استهجان مجتمعي. أمّا في ما يتعلّق بالمرأة ومكانتها فلم يكن مألوفًا من النّساء برغم تعلّمهن أن يخضن أثناء الحوارات العائليّة في الأمور السّياسيّة مثلًا. دورهنّ يتمحور حول كيفية الإستماع والابتسام وإبداء الإعجاب بآراء رجالهن، وكثيرات كنّ ألمعيّات وذكيّات لكنّ مشاركتهنّ بالحياة العامة كانت تنتهي حين يتزوّجن.

على الصّعيد النّفسي، تُظلّل “عقدة أوديب” علاقة الكاتب بوالدته. ظلّ يحمل ذنب اكتئابها وانتحارها. تحدّث عن الأسى الذّي غلّف روحه بسبب رحيلها المفاجئ دون وداع، وكرهه لنفسه بسبب ذلك، فهي الحنونة التّي أحبّت العصفور ولم تتحمل المتسوّل، وحكى عن الرّغبة التّي راودته في أن يكون مريضًا أو مشلولًا لكي تشفق عليه ولا تتركه. الكاتب وبرغم قوله أنّ ألف عام كان يفصله عن أمّه حتّى في أكثر اللّحظات اقترابًا منها، إلّا أنّه كان معجبًا بها ومؤمنًا بتميّزها عن باقي النّساء، فهي المرأة الوحيدة التّي كانت تتحدّث في محفل الرّجال وتناقشهم وتطرح الأسئلة التّي تُربكهم. يصف عوز نظرات الرّجال المليئة بالإعجاب بأمّه وجمالها الاستثنائي وحضورها الملهم وأسئلتها الآخاذة وذكائها المتوقّد، ويذكر أنّ أحد الكتّاب قال له مرّة إنّها كانت قارئة موهوبة وكانت ستصبح كاتبة رائعة، وكانت تعترض على منهج أبيه القاسي في التّربية.. أوّل حبّ في حياته عندما كان طفلًا توّجه لمعلمته التّي كانت في عمر والدته، والسّيدة التّي أعجبته ومرّ في الرّواية على ذكرها كانت في العمر الذّي انتحرت فيه أمّه تقريبًا، حتّى أن أوّل علاقة جسديّة جمعته بالمرأة عندما كان مراهقًا كانت مع سيّدة ثلاثينيّة في عمرها أيضًا.

يذكر الكاتب أنّ الأطبّاء عجزوا عن فهم حقيقة مرض والدته، لكنهم أدركوا أنّ طبيعته نفسيّة، وبرغم تلميح خالاته وصديقاتها أنّ مرضها واكتئابها كان بسبب علاقات والده المتعدّدة بالنّساء، يقول إنّها لم تنسجم مع بيئة القدس ومع قوميّة أسرة كلاونزر المتطرّفة وبرجوازيتهم وتعاليهم الثّقافي، فقد كانت اشتراكيّة في العمق، يستطيع القارئ أن يستشفّ أنّها في مكان ما تمثّل اليهودي الأوروبي الذّي لم يؤمن يومًا أنّ إسرائيل أرض الخلاص، ظلّت روحها تتوق للهروب من هذا الغيتو الجديد، وهي عند اشتعال والده فرحًا بقيام إسرائيل قالت إنّها لا ترى نشوء دولة بل هاوية. يُذكر أنّها وضعت حدًّا لحياتها في بيت أختها في تل أبيب بعد معاناة طويلة مع الشّقيقة والأرق والاكتئاب، وبعد أربع سنوات من قيام دولة الإحتلال.

ظلال الأب ممتدّة في رحلة حياة الكاتب، يُحدّثنا عن الخصام الذّي جرى بين أبويه حول المدرسة التّي يجب أن يرتادها، ففي حين فضّلت أمّه أن يرتاد المدرسة الاشتراكيّة لأسباب عديدة، رغب أبوه أن يرتاد مدرسة برجوازيّة، ونظرًا لتعذر ذلك نتيجة الأوضاع الأمنيّة، فضّل الأب العلماني وضعه في مدرسة دينيّة محافظة للبنين فقط، فالدّين سيزول مع الوقت ولن يبقى منه إلّا الفولكلور، لكنّ غسيل الدّماغ الاشتراكي جحيم لا رجعة عنه، والمدّ الأحمر سيغرق العالم كلّه، وإذا ذهب عاموس إلى مدارسهم سيحوّلونه إلى بلشفيّ صغير، وينحدر إلى أحد كيبوتساتهم. فاز والده بالنّهاية وذهب إلى المدرسة المتزمّتة. بعد موت والدته وهو في الخامسة عشرة من عمره، غادر المنزل وذهب إلى كيبوتس حولدا، وصار بيته لقرابة ثّلاثين عامًا، وهناك قتل أبيه معنويًّا وأيام طفولته وغيّر شهرته وشكّل أفكاره الجديدة، وتعلّم الزّراعة وأعمال الحظائر والحراسة وحمل السّلاح، وبرغم كرهه للأدباء في تلك الفترة من حياته وللجّو الثّقافي الذّي ساد القدس، إلّا أنّه عاد لاحقًا للقراءة والكتابة وتأليف المقالات والقصائد والقصص.

إقرأ على موقع 180  ثلاث ملاحظات على خطاب نصرالله: الترسيم، الحراك والرئاسة!

يتحدّث الكاتب عاموس عوز عن محاولته هو وأبيه زراعة الحوض وتأسيس نموذج كيبوتس في القدس، وكيف كانت تؤول مساعيهم للفشل برغم قيام أبيه بالتّلاعب وإحضار شتول زراعيّة يانعة مسبقًا وبرغم ذلك تتحّول الأثلام إلى مستنقع وحل، ويبدو أنّ الكاتب يرمي إلى نظهير ميوله الإشتراكيّة التّي نضجت لاحقًا، فالطّلائعي الإشتراكي المسفوع المقدام هو اليهودي الجديد الذّي سيُحقّق أحلام الدّولة النّاشئة، وسينفض عنه أمراض المهجر وعقدة الملاحقة. وفي هذا السّياق، يُطلعنا الكاتب على دهاليز السّياسة وصراعات الأقطاب داخل المجتمع الصّهيوني نفسه، ويخبرنا أنّ مناحيم بيغن (مؤسّس حركة “حيروت”) كان معبوده عندما كان صغيرًا وأنّه أحاطه بالشّموخ والمجد ورأى أنّه سيُعيد مجد الشّعب اليهودي حتّى أنّه تفاجأ من قصر قامته عندما شاهده في الاجتماع الأسبوعي للحركة في القدس، وكيف تأثّر بآراء أسرة أبيه ورفاقه الذّين كرهوا بن غوريون الذّي يريد بناء الدّولة بإحسان الأمم ورأوا فيه ككلّ أعداء اليسار سبب كلّ مصائب الشّعب الصّهيوني. عاموس عوز الذّي شعر في شبابه أنّ بن غوريون كان ديكتاتورًا، أعجب به لاحقًا عندما التقى به وأحبّ طباعه العفويّة وبساطته وزهده وطاقته السّحريّة، ورأى أنّه فلّاح حالم كشخصيّة قادمة من التّوراة، قد يخطىء ويصيب لكنّه حقًّا أراد قيام إسرائيل.

بالعودة إلى محاولة زراعة الحوض، لا أستطيع إلّا أن أرى أنّ هذا الكيبوتس ليس سوى دولة إسرائيل نفسها، التّي ستبقى محاولات بنائها مؤقّتة، وهي إن أينعت ستذبل ولو بعد حين، فلا الشّمس شمس بنائيها لتسفعهم ولا الأرض أرضهم ليجيدوا سقايتها.

-حاز الكتاب (765 صفحة) على شهرة عالميّة، وتُرجم إلى 28 لغة (بينها العربية عن “دار الجمل”) وبيعت منه أكثر من مليون نسخة حول العالم، وهو ثاني كتب الكاتب المترجمة للعربيّة، وتمّ تحويله في العام 2015 إلى فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه من تأليف وإخراج وتمثيل ناتالي بورتمان.

(*) الجزء الأول: “قصّة عن الحبّ والظلام”.. سردية صهيونيّة لتصدير المظلومية 
(**) الجزء الثاني: “قصّة عن الحبّ والظلام”: ماذا عن “اليهودي الجديد” وأزمة الهويّة؟ 

Print Friendly, PDF & Email
حوراء دهيني

كاتبة لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  الأردن؛ أخطر  من "مؤامرة" وأقل من انقلاب