حراكُ الجامعات الأميركية.. مهمٌ ولكن!

ما نراه اليوم من توحش بحق الفلسطينيين من قبل الكيان الصهيوني الاستعماري العنصري وداعميه ما هو إلا أحد شروط وجوده على الأرض العربية ونتيجة حتمية لبقائه، وعلى الجيل الجديد أن يدرك هذه الحقيقة ويعمل على مواجهته.

لا شك أن الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها جامعات الولايات المتحدة الأميركية قد احتلت حيزاً كبيراً في فضاء الرأي العام العالمي والعربي بعد أن انتقل التضامن الجماهيري الخجول نسبياً مع الشعب الفلسطيني من الشارع إلى قلب المؤسسات الجامعية. فدعم واشنطن للكيان المحتل في خضم حرب الإبادة الجماعية الممتدة التي يشنها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، أدى إلى انتقال التضامن من الفضاء العام بقيادة منظمات ومجموعات مدنية مناصرة للقضية الفلسطينية إلى داخل جامعات النخبة على وجه الخصوص، ليمتدّ تباعاً إلى الكليات الحكومية والخاصة على حد سواء. وما زالت هذه الرقعة من الاحتجاج آخذة بالتمدد متجاوزة الحدود الجغرافية الأميركية، لتصل إلى بعض الجامعات الأوروبية.

بداية، طالبت الاحتجاجات والاعتصامات التضامنية بوقف الحرب وبمُسميات جريئة ومتنوعة؛ “أوقفوا المذبحة الآن”، “أوقفوا الإبادة الجماعية”، “أوقفوا التطهير العرقي”.. وما لبث أن تطور الخطاب التضامني ليشمل جملة مطالب متعلقة بقراءة جديدة قديمة، لدور هذه الجامعات وعلاقاتها الأكاديمية والاقتصادية والمالية مع دولة إسرائيل ـ الحديث هنا عن رأس المال المعرفي والمالي والتكنولوجي والبشري ـ، فصار الطلاب ضمن بناهم التمثيلية في الجامعات ـ وهذه خاصية لجامعات النخب الأميركية ـ يطالبون بمقاطعة أكاديمية في شتى المجالات العلمية والبحثية، بالاضافة إلى المطالبة بإيقاف التمويل وسحب الاستثمارات مع دولة الاحتلال.

ما تشهده الجامعات الأميركية، اليوم، ليس بجديد، بل شهدت فترة حرب فيتنام (1955- 1973) حراكاً شعبياً وطلابياً أكبر وأعنف في أواخر ستينيات القرن الماضي كما كان له دوافعه الداخلية بدءاً من مناهضة حرب فيتنام وصولاً إلى خوفهم من تجنيدهم للمشاركة فيها، مروراً بحجم الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأميركي. على الرغم من ذلك، فإن تلك الاحتجاجات لم تُغيّر من طبيعة السياسة الخارجية الأميركية بوصفها سياسة إمبريالية عدوانية توسعية.

من الضروري أن نلحظ أن احتجاجات اليوم ما زالت تعتمد بشكل أساس في قواها المنظِّمة على نواة صلبة من الفلسطينيين والعرب من أبناء المهاجرين. وإذا لم يتم تبني هذه الاحتجاجات لتطال كافة أطياف الشعب الأميركي، فإن عملية محاصرتها وإجهاضها قد تكون حتمية، بحكم أن صناعة الرأي العام الغربي بشكل عام وليس الأميركي فقط، تتم من خلال شركات عملاقة

أما احتجاجات اليوم فمنطلقها خارجي (حرب غزة)، وعلى الرغم من طابعها السلمي، إلا أن الهجمة المضادة التي قوبلت بها من قبل إدارات الجامعات الخاضعة لهيمنة اللوبي الصهيوني أكبر بكثير من حجم الاحتجاجات ذاتها وعلى مستويات عدة:

أولاً؛ حملة إعلامية شرسة بلغت حد اتهام المحتجين بالإرهاب ومعاداة السامية مصيدة الاتهام الأخطر، وذلك لوضع المحتجين في موقع المُدان وتصبح قضيتهم الأولى هي الدفاع عن النفس، في مسعى واضح لإجهاض مطالبهم وخطوة استباقية ترهيبية لردع إمكانية توسع رقعة الاحتجاج.

ثانياً؛ استخدام العنف ضد الطلاب وأساتذة الجامعات خلال فض الاحتجاجات لينكشف من جديد زيف القيم التي يتغنّى بها الغرب الليبرالي بخاصة عندما يتعلق الأمر بدولة إسرائيل.

ثالثاً؛ حجم الاعتقالات الكبير وفقاً للصحافة الأميركية، مقارنة بالطبيعة السلمية للاحتجاجات المُطالِبة بوقف الدعم الأميركي للمذبحة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

رابعاً؛ عمليات طرد تعسفية لبعض الطلاب الناشطين في حركة الاحتجاج قبل أيام من اعتلائهم منصة التخرج.

خامساً؛ تماهي الشرطة مع مجموعات تابعة للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة عند اقتحامها تجمعات المعتصمين والعمل على استفزازهم والاعتداء عليهم بالضرب في محاولة فاشلة لاستدراجهم إلى العنف.

وعليه، يجب ألا نتسرع في تعليق آمال كبيرة على هذه الاحتجاجات، برغم أهميتها، ذلك أن قدرتها الاحتجاجية على إضعاف التمويل الضخم وغير المشروط للكيان المحتل من قبل الولايات المتحدة تكاد تكون شبه معدومة ما دامت في إطارها الجامعي.

ومن الضروري أن نلحظ أن احتجاجات اليوم ما زالت تعتمد بشكل أساس في قواها المنظِّمة على نواة صلبة من الفلسطينيين والعرب من أبناء المهاجرين. وإذا لم يتم تبني هذه الاحتجاجات لتطال كافة أطياف الشعب الأميركي، فإن عملية محاصرتها وإجهاضها قد تكون حتمية، بحكم أن صناعة الرأي العام الغربي بشكل عام وليس الأميركي فقط، تتم من خلال شركات عملاقة تعمل على صياغة الوعي الجمعي القاعدي والتحكم به، عبر استخدامها كافة أساليب القوة الناعمة من إعلام ودور نشر وفنون، ناهيك بالكنيسة الإنجيلية البروتستانتية بصفتها من الركائز البنيوية للحركة الصهيونية ودورها المهيمن على الوعي الجمعي في هذه المجتمعات. بالتالي، فإن إمكانية محو الآثار الناجمة عن الاحتجاجات الطلابية في بنية الوعي الجمعي للمجتمعات الغربية على المدى البعيد أقوى بكثير من الديناميكية الأخلاقية المُحرّكة للاحتجاجات الطلابية اليوم.

وما نشهده من متغيرات في بعض مواقف الحكومات الأوروبية ما هو إلا نتيجة طبيعية للإبادة المستمرة منذ ثمانية أشهر بحق الشعب الفلسطيني على يد الحركة الصهيونية، كما المناكفات والتباينات التي نشهدها اليوم بين واشنطن وتل أبيب، ما هي إلا تعبيراً عن حاجة ملحة للطرفين نظراً لطبيعة الاستحقاقات التي تنتظرهما، بالتالي من غير الصائب ربط تلك المتغيرات كنتائج مباشرة للإحتجاجات السلمية الطلابية. معنى ذلك أن التأثير المباشر لهذه الإحتجاجات الطلابية لن يخرج عن إطاره الداخلي الذي نشأ فيه.

إقرأ على موقع 180  لا أحد يفاوض بإسم فلسطين إلا أبناء فلسطين

إن معركة التضامن وحرية التعبير التي تقودها الحركة الطلابية العالمية اليوم على إيقاع المذبحة الجارية بحق الشعب الفلسطيني لن تُحقّق أهدافها إلا إذا أوجدت لنفسها إطاراً سياسياً يُنظّم عملية انتقالها من موقع اعتراضي مطلبي نحو موقع الفاعل في مواجهة الهيمنة السياسية والفكرية واللغوية التي باتت تطال وبشكل فاضح بُنية وعيهم وحريتهم وتدفع بالإنسانية جمعاء نحو الهاوية.

لقد كشفت الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة أن الحركة الصهيونية تُمثّل أحد أكثر الأذرع الاستعمارية توحشاً في العالم.. ومواجهتها لا يجب أن تقتصر على الفلسطينيين بحكم موقعهم الجغرافي علماً أنهم يُقدّمون أسمى التضحيات، بل أصبحت ضرورة أممية تولد من قراءة تكاملية موحَدة بين خط الاشتباك في مؤسسات النخبة في عالم الشمال والجنوب على حد سواء، وبين القوى الكامنة من مساحات الانتظام العمالي في دول عالم الشمال. أما القوى المفترض بها أن تقوم بعملية تنظيم المواجهة هذه، فهي في صمت وعجز مُبِين، فالأحزاب اليسارية في الغرب، ليست أفضل حالاً من معظم الأحزاب اليسارية العربية، فكلاهما يبحث عن موقعٍ على موائد الإصلاح البرجوازي.

Print Friendly, PDF & Email
نشأت زبداوي

باحث فلسطيني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هل انتصرت "حماس" فعلاً؟