جبل عامل.. سيرة تعليمية للدكتور عباس رضا

كرّس الدكتور عباس رضا جل اهتمامه بالتاريخ الشيعي اللبناني. من أطروحة الدكتوراه التي نال عليها درجة جيد جداً بعنوان "تطوُّر المؤسسات الشيعية في لبنان من البنية العائلية إلى البنية الطائفية"، إلى سلسلة كتب تتناول الإمتداد الجغرافي والعائلات والأصول التاريخية والعقيدية وحسينية النبطية، فضلًا عن كتاب بعنوان "علم الاجتماع السياسي" (دراسة في المفاهيم والاتجاهات والمكونات).

يُصرٌّ أبناء جبل عامل من البحّاثة والأكاديميين في الاجتماع السياسي على جعل انطلاقتهم الأولى في التنقيب العلمي والأدبي من خلال التبحر في تاريخ جبل عامل. يُعبّر ذلك عن مُضمرٍ في لا وعيّهم حيال الاضطهاد التاريخي لأبناء جبل عامل على مرّ العهود بدءًا من الأمويين وصولًا إلى العثمانيين والفرنسيين.

“الامتداد الجغرافي لشيعة لبنان وتمركزهم ومراحل تكوّن عائلاتهم”، “الأصول التاريخية والعقيدية لشيعة لبنان”، “حسينية النبطية: مؤسسة دينية وقوة ضغط”. ثلاثة كتب صدرت في آن واحد عن “دار رؤية للدراسات الإستشرافية”، يسعى الباحث الدكتور عباس حسن رضا من خلالها لأن يشرح ويُفسّر ويُفنّد أسرار هذا الجبل العاملي من خلال عرض صور وأدوار وصفحات معينة، أبرزها العوائل الإقطاعية.

وتتميّز الكتب الثلاثة هذه، بأنها عبارة عن بحوث قصيرة تتراوح صفحاتها ما بين المائة والمائتي صفحة وتم تبويبها بمنهجية تعليمية سلسلة للغاية. وتظهر فائدة هذه الأبحاث، وبالأخصّ الأُول منها، بأنها تُقدّم إحاطة عن الشيعة تاريخيًا من حيث العدد والتوّزع والعلاقة بالحاكم، إضافة إلى الإقطاعين السياسي والديني اللذَين سيطرا على جبل عامل لأمد طويل. وكان للشيعة تاريخيًا توّزعهم الممتد شمالًا، إلا أن الحروب والصراعات التاريخية لعبت دورًا عميقًا في انتقال وهجرة الشيعة من الشمال إلى البقاع ومن كسروان وجبيل إلى البقاع والجنوب.

يعرض د. عباس رضا للكثير من الأحداث التاريخية بطريقة مختصرة، وهنا تظهر إيجابية النص البحثي الذي يجعل الاستفادة منه متوفرة لكل من الطلاب والناشئة والجامعيين والمهتمين، وإن باختصاصات بعيدة عن التاريخ.

لا يُطيل الباحث ولا يختصر، وهذه ميزة الكتب الثلاثة، بحيث أن العودة إليها تبدو سهلة جدًا، ويُمكن أن تتحول دروسًا على حلقات لثانويين وجامعيين ومهتمين ومثقفين ناشئة ومتدربين/ خصوصاً أنه اعتمد على توثيق ما يرد في كتب وأبحاث كبار المؤرخين والعلماء والمُختصين، لكن كل ذلك لم يمنعه من المجاهرة بموقفه ورأيه في أي مبحث.

ففي “الامتداد الجغرافي لشيعة لبنان وتمركزهم ومراحل تكوّن عائلاتهم”، يهتم د. عباس رضا بالتفاصيل بحيث يصل عدد صفحاته إلى 100 صفحة تقريبًا، لكنه لا يُحدّث او يُعدّل بعض أبحاثه حيال نواب النبطية الجدد مثلاً برغم غياب النائب الراحل، الأطول نيابة عبد اللطيف الزين مثلًا (من دورة 1962 إلى دورة 2009). ولا يدخل في مسألة “الثنائية الشيعية” وتحكمها بالواقع الجنوبي، ولا يتناول الوضع الاجتماعي لأبناء جبل عامل قبل وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولا يتغافل عن مواجهة الاقطاع السياسي للسيد موسى الصدر الذي قلب بحضوره موازين القوى داخليًا، إذ لا تزال تأثيرات عودته إلى لبنان عام 1959 بارزة إلى يومنا هذا من خلال تكريس وإبراز الوجود الشيعي في لبنان والإقليم.

دخل التشيّع إلى جبل عامل مع بداية القرن الأول الهجري أي عام 14هـ/636 م. وانتشر في فلسطين وامتد مع قبيلة خزاعة خلال الفتح العربي لبلاد الشام. وتوّسع الشيعة إلى أن حكموا ما بين عام 1070 حتى 1109، ووصلوا لأن تقوم دولتهم الممتدة من نهر الكلب جنوبًا حتى عرقة وطرطوس وبانياس شمالًا، وقد عُرفت بدولة “بني عمار”، إلا أن الصليبيين قضوا عليها.

وما يلفت نظر القارىء هو استعمال الكاتب لمصطلحين معاصرين هما “التشيّع الصفوي” و”التشيّع العلوي”، وقد ارتبط تداولهما في العقود الأخيرة بانتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وتمدد نفوذها الإقليمي في عدد من العواصم العربية ومنها لبنان.

ميزة الكتاب أنه يستعرض العوائل الاقطاعية التي حكمت جبل عامل بالتفصيل مع أصولها وتوزعها ومنابتها ومصائرها كآل الأسعد والحسيني والزين وعسيران وبيضون والعبدلله وآل حمادة ومتفرعاتهم والفضل وحرفوش وحيدر وياغي والخليل إلخ..

وأهم ما في الكتاب ـ البحث، محاولة الإضاءة على العلاقة ما بين رجال السياسة ورجال الدين بشكل يفضح فيه الباحث تواطؤ هاتين الطبقتين على الشعب للسيطرة عليه وليُمرر كل منهما مصالحه الدنيوية. فرجل الدين يُغطي ألاعيب السياسي، والسياسي يدعم رجل الدين ويُقدّمه للعامة على أنه واجب الطاعة.. وهكذا نشأت العلاقة الجاذبة بينهما ولا تزال.

ويُسميّ الدكتور عباس رضا رجال الاقطاع بـ”المقاطعجية”، التي تقترب لأن تكون على وزن “قطّاع طرق”. “فكل عائلة “مقاطعجية” تحاول نيل رضا رجال الدين في منطقتها، فالثنائية الزعاماتية تحتاج إلى ثنائية في صفوف رجال الدين” (ص. 63). “لم يكن الاقطاع يقتصر على الزعماء ورجال السياسة من العائلات المقاطعجية، بل كان يضم أيضًا بعض العائلات الدينية، فقد كان هناك رجال دين من الملاكين للأراضي والثروات ومن يراجع تاريخ هذه البلاد يجد الكثير من النماذج على ذلك” (ص. 66).

رضخ رجال الدين للإقطاع السياسي بحيث باتوا أداة في يده في تعبير عن علاقة تبادلية إلى أن جاء السيد موسى الصدر الذي قدّم صورة جديدة لرجل الدين. لذا بغضه التقليد السياسي وحاربه وعمل على إبعاده إلى أن خُطف وغُيّب.

إقرأ على موقع 180  الشيعية السياسية بعيون مسيحية: أسئلة الإختلاف.. واليد الممدودة

هذا التبادل الفاضح للمنافع جعل اليسار يأتي على صهوة التحرر من عنابر الزيت الاقطاعي، ليطرح شعار تحرير شيعة جبل عامل من الاقطاعين الديني والسياسي معًا، ولهذا تميّز جبل عامل بيساريته بشكل بارز في الستينيات والسبعينيات الماضية.

هذا الكتاب العلمي البحثي، تضمن نقدًا حادًا ومؤلمًا لواقع قاسٍ في التاريخ الشيعي إستأثر به الاقطاعان الديني والسياسي في مرحلة ما قبل السيد موسى الصدر باني “الكيانيّة السياسية” للشيعة في لبنان.

الفصول الثلاثة، التي تؤلف الكتاب، الغنية في مصادرها ومراجعها، تتوزع وتتفرع مع خرائط وبيانات تُظهر سعة اطلاع الكاتب في ظلّ مؤلفاته التي ناهزت الثمانية حتى الآن.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى فاضل

صحفية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  طلال سلمان.. علمٌ عربيٌ يفتخر بك سهل البقاع