قراءة في كتاب حسين جرادي “تذكّروا هذا اليوم إلى الأبد”

بعين الخبير في الشؤون الأميركية والمراقب للمشهد السياسي هناك، يسرد الكاتب والاعلامي الزميل حسين جرادي في كتابه "تذكروا هذا اليوم إلى الأبد" ( الصادر عن دار النهار، 2023)، تفاصيل يوم اقتحام الكونغرس من قبل أنصار دونالد ترامب في السادس من كانون الثاني/يناير 2021.

يغوض الكاتب في خبايا هذا اليوم مُقدماً للقارىء لمحة تفصيلية عن المقتحمين وميولهم الفكرية والسياسية، مُفككاً هوياتهم السياسية ومدى تغلغل نظريات المؤامرة في صلب تفكيرهم، لا سيما الأفراد المنضوين في حركتي QANON وProud Boys وOath Keepers. وهذه الجماعة الأخيرة هي الأخطر والأكثر تنظيماً بحسب الكاتب.

ويُبيّن الكاتب طرق تنظيم هذه الجماعات أو المجموعات وتماهيها مع خطاب ترامب اليميني-الشعبوي، وكيف تضمّ في صفوفها أفراداً غير متجانسين طبقياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً. يُفكّك الكاتب هذه الشخصيات التي اقتيد بعضها إلى المحاكمات، ويُبرز حبها للسلاح وسياسة خرق القوانين وعداءها للمهاجرين والسود الأميركيين وإدمانها على ممارسة العنف وأصوليتها تجاه “الهوية الأميركية”. هذه العناوين كانت الشعارات التي ارتكز عليها حملة ترامب الانتخابية عام 2017.

ويرصد الكاتب جرادي حالة القلق والذعر التي سادت أوساط الإدارة المتنفذّة في الفترة الزمينة الفاصلة بين اقتحام الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني 2021 وحفل تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، في 20 يناير/كانون الثاني. صحيح أنها فترة زمنية قصيرة جداً (19 يوماً) ولكنها كانت حبلى بمئات المراسلات التي جرت بين قادة سياسيين وأمنيين في الادارة الأميركية ووكالاتها الاستخباراتية. أمران مثيران للانتباه حدثا خلال هذه الفترة يستعرضهما جرادي في متن كتابه، استناداً إلى وثائق أبرزتها شخصيات مطلعة على خبايا هذه المرحلة الحسّاسة. الأمر الأول هو المحادثة الهاتفية التي جرت بين رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مايك ميلي، تستفسر خلاله بيلوسي عن الاحتياطات المتاحة لمنع وصول ترامب إلى رموز اطلاق الأسلحة النووية. الأمر الثاني هو الاتصال بين ميلي ونظيره الصيني، الجنرال لي زيوشينغ، من دون علم ترامب. وخلال هذا الاتصال، طمئن ميلي نظيره بأنّ واشنطن لن تهاجم بلاده وإذا قررّت ذلك، فسيبلّغه سلفاً. لحظات الارتياب والقلق عقب مشاهدة العالم لصور تظهر تضعضع الديموقراطية الأميركية، ينقلها الكاتب عن لسان قادة العالم ورؤسائه وعناوين الصحف الأميركية والعالمية التي صدرت إبّان هذا الحدث.

ويُعرّج الكاتب على محطات بدء محاكمة ترامب وكيف تفاعلت مع الانتخابات النصفية للكونغرس (2022) والتي استثمرها سياسياً الجمهوريون، وأفضت إلى نيل الحزب الجمهوري أغلبية محدودة (222 مقعداً من أصل 435). ويستعرض الكتاب بعضاً مما ورد في التقرير النهائي لتحقيق اللجنة النيابية والذي خلص إلى تحميل مسؤولية اقتحام الكونغرس، بما لا يحمل الشكّ، إلى ترامب.

يرصد الكتاب علامات ومؤشرات ظهور “الحالة الترامبية” داخل الحزب الجمهوري، وكيف جذب ترامب أطرافاً هامشية في المجتمع الأميركي وجنّدها في معاركه السياسية والشخصية، وسط دهشة النخب السياسية الحاكمة في الحزبين

بالمناسبة، يقع هذا التقرير في 854 صفحة إذ أنه صدر بعد عقد اللجنة 11 جلسة استماع واستجواب شملت نحو ألف شاهد، بينهم مسؤولون بارزون في إدارة ترامب وفريق عمله وأفراد من عائلته، كذلك ضباط في شرطة الكابيتول بالإضافة إلى مسؤولين تنفيذيين ومئات الموقوفين على خلفية أعمال الشغب التي رافقت يوم 6 يناير/كانون الثاني. واحدة من أبز توصيات اللجنة كانت اقتراح تعديل المادة الثالثة من الدستور الأميركي والتي تُجرّد من المناصب الحكومية أي شخص أقسم بالولاء لدعم دستور الولايات المتحدة ثم شارك في عصيان أو تمرد أو وفّر مساعدة ودعماً لأعداء الدستور. وتهدف هذه المادة، حسب الكاتب، إلى قطع الطريق أمام ترامب للترشح مجدداً للرئاسة.

ما قام به أنصار ترامب من فظائع وانتهاكات واقتحام للمباني الحكومية شكّل في السنوات الأخيرة محط اهتمام العديد من المراكز البحثية التي عكفت على دراسة حالة التراجع المحيطة بالديموقراطية الأميركية، بدءاً من هذا اليوم إلى حاضرنا الراهن، وهذا ما يُسلّط عليه الكاتب حسين جرادي الضوء استناداً إلى تقارير صحفية وأوراق بحثية واستطلاعات رأي. على سبيل المثال لا الحصر، صنّف “المعهد الدولي للديموقراطية والمساعدة الانتخابية”، الولايات المتحدة على قائمة “الديموقراطيات المتراجعة”. وفي مثال آخر، أظهر استطلاع للرأي نشرته “نيويورك تايمز” بالتعاون مع “سيينا كوليج هول” أنّ 71 % من الأميركيين يرون أن ديموقراطية بلادهم في خطر، ولكن 7 % فقط منهم رأوا أن ذلك هو أهمّ مشكلة تواجهها أميركا.

يرصد الكتاب أيضاً علامات ومؤشرات ظهور “الحالة الترامبية” داخل الحزب الجمهوري، وكيف جذب ترامب أطرافاً هامشية في المجتمع الأميركي وجنّدها في معاركه السياسية والشخصية، وسط دهشة النخب السياسية الحاكمة في الحزبين.

ويقدّم الكتاب معلومات مثيرة عن اختمار هذه العوامل اللامرئية في المجتمع الأميركي، مُقدماً دلائل وأحداث تظهر السخط العام، من احتكار السياسة بيد بعض المتنفذين في الادارة الأميركية. ويخلص الكاتب في خاتمة كتابه (393 صفحة)، الى أنّ الولايات المتحدة ستكون أمام اختبار جدّي لتحديد ما إذا كانت البلاد عادت إلى سكة الديموقراطية المعهودة التي تفضي إلى قبول الخاسر بنتيجة الانتخابات. خلاصة أخرى يقدمها جرادي تتمثّل في ضرورة مراجعة الحزبين للشوائب التي تعتري بنيانهما الداخلي والتي تجعل من كلا الحزبين غير جاذبين للأجيال الجديدة. وهذه المراجعة لا تقتصر على الحزب الجمهوري، بحسب جرادي، بل تتعداها لتشمل قواعد الحزب الديموقراطي أيضاً.

إقرأ على موقع 180  مذكرات أمين الجميل: قُضي الأمر.. حافظ الأسد يريد فرنجية!

إنّ قراءة هذا الكتاب والتمحّص بمضمونه يفيد كثيراً خاصةً أننا على مسافة ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية (تشرين الثاني/نوفمبر 2024). الجدير ذكره أنّ ترامب يواجه ما مجموعه 88 تهمة في أربع دعاوى جنائية منفصلة، وهو قد هزم مؤخراً منافسته، نيكي هايلي، في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وبات مرشح الحزب الرسمي لخوض الانتخابات. وبذلك، سينافس مرشح الحزب الديموقراطي، الرئيس الحالي جو بايدن، في مواجهة ستكون قوية في تأثيراتها المستقبلية، ليس على المشهد السياسي المحلي الأميركي فحسب، بل على مجمل المشهد السياسي الدولي. فإذا كانت بعض الدول تتهيّب وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فإنّ بعضها الأخر يتهيأ لذلك.

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  ماذا يريد عرب الأهواز من الحكومة الإيرانية؟