عنف المُتسلط.. والوجدان الغزاوي المُتراكم

منذ العام 48، تاريخ النكبة الفلسطينية، تُنتهك حقوق شعب عربي بفعل احتلال أرضه وتهجيره وصولًا إلى محاولة إبادته كما يجري منذ أكثر من شهرين على أرض غزة، في مشهد تاريخي، لم نشهد مثيلًا له في عالمنا العربي.

صحيح أن جيش الإحتلال انسحب من قطاع غزة في العام 2005، إلى أنه لم يتوقف منذ ذلك التاريخ عن تنفيذ اعتداء تلو الآخر ضد الشعب الفلسطيني، قبل أن يبدأ مسلسل الحروب ضد  منطقة هي من بين الأكثر كثافة ديموغرافيًا في العالم، وذلك بدءًا من العام 2008 حتى يومنا هذا.

ثمة عنف مرئي يتعرض له أهل القطاع من بطش وقتل وتدمير وتجويع وفرض شروط التنقل من مكان إلى آخر، وحرمانهم من أدنى حقوق المواطنة، وهي ممارسات تشكل جزءاً من نظام سياسة الفصل العنصري والجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، غير أن هناك نوعًا آخر من العنف يُعرّف بالعنف الرمزي، وهو عنفٌ خفيٌ ناعمٌ ومستترٌ وغير محسوس حتى بالنسبة لضحاياه، تناوله عالم الإجتماع الفرنسي بيير بورديو، ويتمظهر هذا العنف بممارسات شتى منها استيلاب الطاقات وأسرها في نفوس الناس من خلال سياسة التهميش والصد والتسويغ لقيم اجتماعية وثقافية تشبه عقيدة وأيديولوجية المحتل وفرض اللغة العبرية على كل شيء من مال وطوابع ومعاملات رسمية!

ومن زاوية أخرى، لطالما تم تصوير غزة بأنها مجرد بؤرة للبؤس والعنف ونمو الفطريات السامة، وجاء حدث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حيث راحت ماكينة سياسية إعلامية ضخمة تعمل ليل نهار لدعشنة حماس وأهل قطاع غزة وتصويرهم بأنهم لا ينتمون إلى الحضارة ولا إلى البشرية!

عمليًا كانت غزة كبش الفداء وكبش المحرقة، فقد أراد المتسلط أن يصب على أهل غزة جحيم غضبه، كونهم الفئة الأضعف، وكون المعتدي يواجه أقصى مراحل القصور أيضًا، فقد مارس على أهل غزة ميكانيزم “الإسقاط الدفاعي” لتضليل ذاك القصور، حيث صوّرهم بأنهم “فئة شريرة” وكأنهم يقيمون في جزيرة منعزلة ومتخلفة أو في غابة تسكنها الوحوش المفترسة التي يجب حرقها والتخلص منها. وفرّغ عليهم شحنات غضبه التي تجلّت في نوع الإنتهاكات اللاإنسانية التي شاهدها كل العالم من قتل وإبادة متواصلة وكل ذلك على قاعدة “سمو قدر المُتسلط وانحطاط شأن المقهور” لتغذية نرجسية هذا المُتسلط، على حد تعريف عالم النفس مصطفى حجازي للمجتمعات المقهورة التي يحجب عنها أي خطوة نحو الأمام. وكله من أجل كيان يعاني صراعاً نتيجة التفكك في “أسطورة وجوده”.. أي وجوده بالوكالة أو بالواسطة.

هل يوجد ما هو أفظع مما يحدث في غزة تلك البقعة الجغرافية الصغيرة (365 كلم2) إذ يواجه أهلها كل أنواع وآلات القتل بصدور عارية، وهل ننسى مشهد نزوح أهلها مترجلين من الشمال إلى جنوب القطاع بحقيبة حملوها على الظهر تاركين وراءهم حطام الدار وذاكرة الأحياء والأزقة الضيقة، وهل ننسى مشهد رجالها يساقون في العراء في شوارع غزة وبالقرب من شواطئها؟

وفي علم الفيزياء فإن كل طاقة تتحول إلى قوة وعلى قاعدة عالم الفيزياء لافوازيه الشهيرة: “لا شيء يخلق من العدم. لا شيء يضيع. كل شيء يتحول”، وأبرز الطاقات تلك العائمة منها والمنتشرة أو المخزنة التي ما أن تتراكم حتى تنطلق وتنفجر نتيجة المحفزات والاستثارات الخارجية أو الداخلية فينتج عنها إما ذلك الإبداع الكامن أو الإنسان الثائر الذي لا يلين، كما هو حال أهل غزة في هذه الأيام لا بل في كل أيامهم.

وكما هو معلوم فإن الطاقة هي أساس كل فعل وحركة، وكثيرًا ما تتحول هذه الطاقة عند الإنسان إلى قوة متحدية لكل الصعوبات وفي حالات أخرى تتحول إلى قوة فوق الطبيعة وخاصة إذا ما أعيقت، وتكون مرشحة دائمًا للإتساع وللعدوى في آن معًا كما الحال في غزة المحاصرة.

أما في الحالات الطبيعية فتبقى هذه الطاقة في حالة من التأرجح ما بين قوى الحياة وقوى الموت إلى أن تصطدم بحدث بارز لتنطلق بفعل ذلك شحنات من الغضب. وهل يوجد ما هو أفظع مما يحدث في غزة تلك البقعة الجغرافية الصغيرة (365 كلم2) إذ يواجه أهلها كل أنواع وآلات القتل بصدور عارية، وهل ننسى مشهد نزوح أهلها مترجلين من الشمال إلى جنوب القطاع بحقيبة حملوها على الظهر تاركين وراءهم حطام الدار وذاكرة الأحياء والأزقة الضيقة، وهل ننسى مشهد الرجال يساقون في العراء في شوارع غزة وبالقرب من شواطئها؟

كان الغزاوي هو الوالد والأخ والمسعف والطبيب والضحية في آن معًا ومضمد الجراح والمصور لنقل الصورة وعمليات الإبادة. نصب خيمته بيده من بقايا شوادر ممزقة، تعلم كيف يصنع المخبز ليحصل على رغيف الخبز. وقف بالطابور ليحصل على نقطة مياه. كل تلك المعاناة كانت تحفر في عمق الوجدان الغزاوي حتى انفجر في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وبرغم هول الدمار والقتل لم نرصد موقفًا لإنسان أو إنسانة في غزة ينتقد المقاومين، بل وجدناهم شعبا معتدا بنفسه يواجه مصيره بوعي وثبات وإيمان وقدرة على احتمال كل الدمار والمجازر وهذا ما ظهر في تعبير الغزيين من أجيال مختلفة محتسبين كل ما يقع عليهم وقد ظهر ذلك في العديد من الاجابات على أسئلة الصحافيين من الناجين في غزة أو النازحين وهم من أهل وذوي الشهداء والجرحى وممن خسروا ديارهم وكل ما يملكون حول مصدر طاقة التحمل لديهم برغم هول الأحداث العنفية والمتسارعة في آن، وكانت الإجابة دائما “إن الله ينصر من كان حسبه”، مُرددين تلك الآية الكريمة “حسبنا الله ونعم الوكيل”، وهي تختصر الإيمان العميق لديهم حيث مكامن القوة والطاقة الكبيرتين.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل الغارقة في مستنقع غزة.. هل تُغامر مع لبنان؟

وكأن بالمتابع يقف أمام هذا المشهد متسائلًا عن مصدر كل تلك الطاقة والقدرة على التحمل ومشككًا أحيانًا بما يملك، متماهيًا معهم مستمدًا من صلابتهم ومنتظرًا المزيد، مسلمًا في تحقيق العدالة السماوية.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لُغتنا..