الأرشيف الفرنسي: رسالة متأخرة من ميتران إلى بشير

تكشف أوراق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي أن باريس تعاملت بحذر شديد مع ترشيح بشير الجميل لرئاسة الجمهورية، غير أنها، وعلى جاري براغماتيتها المعتادة، قررت بعد أن أصبح رئيسا، أن تساعده محليا وعربيا ودوليا. مهمة لم يكتب لها النجاح.

يروي الأباتي بولس نعمان في الجزء الأول من مذكراته الصادرة عام 2009، تفاصيل اجتماع عاصف عُقِدَ بحضوره بين بشير الجميل، وسفير فرنسا في لبنان بول مارك هنري، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وأثناء اشتداد حصار بيروت في صيف 1982. يوثّق نعمان أن هنري أقترح هذا الاجتماع بناءً على مبادرة من رئيس “منظمة التحرير الفلسطينية” ياسر عرفات. أراد من اللقاء إقناع الجميل بالعمل على “التخفيف من وطأة الحصار”، وإعلان بيروت “مدينة مفتوحة”. إلا أنه قوبل برد حاد من قبل الجميل الذي فضّل عن سابق تصور وتصميم التحدث من دون أية لباقة دبلوماسية مع السفير الفرنسي، قائلاً له: “انصرف عني أنت وعرفات”. وبرر بشير تصرفه على هذا النحو بالقول: “هذا السفير، منذ أن وصل إلى لبنان وهو يزعجنا، ولم أر له وجهاً إلا عندما يريد أن يطلب شيئاً لصالح الفلسطينيين”، كما ورد في مذكرات الأباتي نعمان.
من الواضح إذاً أن العلاقة كانت شديدة التوتر بين فرنسا وقائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل، عشية انتخابه رئيساً للجمهورية اللبنانية في 23 آب 1982. كانت الدبلوماسية الفرنسية تعمل على الحؤول دون إلحاق هزيمة مذلة بمنظمة التحرير الفلسطينية المحاصرة في بيروت، وعلى تأمين خروجها بشكل مشرّف من العاصمة اللبنانية، بينما كان بشير الجميل من المطالبين باستسلامها وتسليم سلاحها من دون قيد أو شرط. حسابات باريس تستند إلى سياستها الشرق أوسطية العامة التي كانت تربط بين حل المشكلة اللبنانية ـ الفلسطينية التي انفجرت عام 1975 وبين حل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وفقاً لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.

باريس كانت تدرك أن بشير الجميل يلوم الفرنسيين على عدة أمور: إقامة حوار ثابت مع خصومه السياسيين اللبنانيين، وعلى أننا لم نكن حازمين بما فيه الكفاية مع سوريا، ولأننا توسطنا لإنقاذ المحاربين الفلسطينيين في غرب بيروت، ولعدم دعم ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

في المقابل، تتمحور حسابات الجميل حول إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان من دون انتظار الحل الشامل للصراع في الشرق الأوسط. كذلك، كانت فرنسا تتطلع إلى معالجة المشكلة اللبنانية بما يضمن إعادة السلام والاستقرار وتحقيق المصالحة الوطنية. وهو تحدّ يتطلب وصول شخصية لبنانية توافقية إلى سدة الرئاسة الأولى، قادرة على الحوار مع الجميع. بشير الجميل لم يكن يستوفي شروطاً كهذه، في نظر قسم كبير من اللبنانيين.

حذر فرنسي من بشير

يتعلق الأمر إذاً باعتبارات جعلت الدبلوماسية الفرنسية تتعامل بحذر مع مسألة ترشيح قائد “القوات” لرئاسة الجمهورية. لكن هذا الحذر الفرنسي لم يمنع الجميل من تحقيق طموحه الرئاسي، مدعوماً من الأميركيين والإسرائيليين الذي كانوا يتحكمون بقواعد اللعبة بفعل اجتياحهم للبنان وصولاً إلى بيروت.
لم يكن بوسع الفرنسيين سوى التعامل بواقعية مع هذا التطور. راحوا يراقبون تصرفات الرئيس المنتخب. وبدأوا رويداً رويداً يصغون برضا نسبي على خطابه السياسي الجديد المنفتح.
عملياً، انخرطت الدبلوماسية الفرنسية في عملية تفكير هدفها إعادة هيكلة العلاقة مع بشير بوصفه رئيساً للدولة بعدما كان زعيماً لإحدى المليشيات اللبنانية. أقدمت على خطوات عدة، بينها إعداد تقرير دبلوماسي يحمل رقم 130، بتاريخ 27 آب 1982 (تم الاطلاع عليه في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي في مدينة لاكورنوف شمالي باريس، في إطار إعداد أطروحة دكتوراه للكاتب، عام 2014). هذا التقرير يضع تصوراً حول شروط تطبيع العلاقة مع الرئيس اللبناني الجديد.

فرنسا وحماية الموارنة!

لا تتجاهل فرنسا، بحسب التقرير، التباينات العميقة التي كانت سائدة بين الطرفين بشأن الصراع اللبناني آنذاك. باريس كانت تدرك أن بشير الجميل يلوم الفرنسيين على عدة أمور: “على إقامة حوار ثابت مع خصومه السياسيين اللبنانيين، كما هو الحال مع جميع القوى السياسية في لبنان، وعلى أننا لم نكن حازمين بما فيه الكفاية مع سوريا، ولأننا توسطنا لإنقاذ المحاربين الفلسطينيين في غرب بيروت، ولعدم دعم ترشيحه (لرئاسة الجمهورية)…، وبشكل عام، لإحجامنا عما يعتبره مهمة فرنسا، أي حماية المسيحيين، أي في نظره، الطائفة المارونية (…)”. من شأن هذه التباينات أن تلقي بثقلها على مستقبل العلاقة بين الفرنسيين وبشير الجميل. انطلاقاً من ذلك، لم تكن الدبلوماسية الفرنسية تبالغ في إمكانية بناء علاقة مميزة معه. إلا أنها لم تفرط بالتشاؤم.
بدا سلوك الجميل مشجعاً بعد انتخابه، من وجهة نظر فرنسية. فالتقرير الدبلوماسي يلفت النظر إلى “أن الأهداف التي أعلنها للتو بشير الجميل، والتي تتمثل في (مسائل) الوفاق الوطني، والحرية والأمن لكل سكان لبنان، واستعادة السلامة الإقليمية، وانسحاب القوات الأجنبية، كانت دائماً أهداف فرنسا (في ما يتعلق بلبنان)”. وفي حال تمسك الرئيس المنتخب بهذه التوجهات وترجم كلامه أفعالاً، حينئذٍ “بإمكان فرنسا مساعدة الحكومة اللبنانية الجديدة، نظراً لنفوذها في لبنان، ولصداقاتها الأوروبية والعربية والدولية”، وفق التقرير الدبلوماسي.

مقاربة فرنسية مختلفة

لن تكون المهمة الفرنسية سهلة. النجاح يتطلب خطوات فعلية لترتيب الوضع الداخلي ولإعادة صياغة علاقات بشير الجميل ولبنان مع الخارج، لا سيما مع الجوار العربي.
على صعيد الوضع الداخلي اللبناني، لم تكن باريس موهومة في إمكانية استضافة مؤتمر للمصالحة الوطنية بين الأطراف اللبنانية المتناحرة، لأن “بشير الجميل سيعارض ذلك بحزم على الأرجح”. لكنها في المقابل، لم تكن تنوي التخلي إطلاقاً عن تشجيعها “للحوار بين جميع التيارات اللبنانية”، بحسب التقرير الدبلوماسي نفسه.
على الصعيد الخارجي، كانت فرنسا تتوقع مسبقاً أن عهد الجميل سيواجه مأزقاً. لأن إسرائيل كانت تريد ثمناً لاجتياحها ولمساهمتها في إنهاء وجود “منظمة التحرير الفلسطينية” في لبنان، ولدورها في تسهيل وصول الجميل إلى رئاسة الجمهورية. الأولوية الإسرائيلية تمثلت في توقيع اتفاقية سلام مع هذا البلد، تحصل بموجبها على ضمانات أمنية لحماية حدودها. كذلك، كانت الدبلوماسية الأميركية متناغمة إلى حد بعيد مع السياسة الإسرائيلية وتتشارك معها أهدافها، على عكس الدبلوماسية الفرنسية التي كان تخشى من التداعيات السلبية للاحتلال الإســــــرائيلي وتطرح مقاربة مختلفة لوضع لبنان ولعلاقاته مع الخارج.
هكذا، وفي محاولة لتفادي وقوع بشير الجميل في المأزق، فكّر الفرنسيون في سُبُل مساعدته في المستقبل. كانوا يعتقدون أنه “على المستوى الدولي (يمكنهم) تمكين الجميل من التمايز عن الأميركيين والإسرائيليين”، على حد ما جاء في التقرير الدبلوماسي في آب 1982. بمعنى آخر، اقترحت فرنسا أن تبحث معه “بشأن طريقة التوفيق بين حياد نسبي، أو تحييد لبنان، وبين إبقاء هذا البلد في جامعة الدول العربية، لأن العالم العربي يمثل بالنسبة للبنان (عمقاً) اقتصادياً، ومنطقة لامتداد الجالية اللبنانية (في الخليج والسعودية)”. وكانت الدبلوماسية الفرنسية تدرك أن نجاح هذه الصيغة تتطلب ضمانات دولية. ومن المعروف أنها كانت تقترح آنذاك، رداً على الاجتياح الإسرائيلي، إرسال قوات دولية إلى لبنان بقرار من الأمم المتحدة لتتولى الفصل بين المتحاربين وحفظ السلام والإشراف على انسحاب جميع القوات الأجنبية. بهذا المنحى، و”بواسطة (تلك) القوة المحايدة التي اقترحها رئيس الجمهورية الفرنسية (فرانسوا ميتران) أو من خلال أية مبادرة أخرى، بإمكان فرنسا، وربما مع شركائها الأوروبيين، أن تقدم مساعدتها وضمانتها للحفاظ على الحياد اللبناني الذي يوفّق بين متطلبات أمن إسرائيل والتضامن العربي للبنان، وتأكيد الهوية الوطنية لهذا البلد”.

فتح صفحة جديدة.. ولكن

حتى أن سياسة فرنسا القائمة على الربط بين حل المشكلة اللبنانية وإطلاق مسار سياسي للتوصل إلى حل عادل ودائم لمشكلة الشرق الأوسط، (المسألة الفلسطينية)، “يجب ألا تزعج بشير الجميل”، بحسب التقرير. ذلك أن “إقامة دولة فلسطينية صغيرة من شأنها أن تساهم في تسوية وضع اللاجئين الفلسطينيين الذي قد يبقون في لبنان، حيث لن يكونوا على المستوى القانوني إلا رعايا دولة أجنبية يمكن التحكم بهم دائماً وبسهولة (…)”.
هذه المقترحات تشير إلى أن فرنسا كانت تتطلع إلى ما هو أكثر من مجرد تنظيم خلاف مع رئيس الجمهورية، بشير الجميل. أرادت تطوير العلاقة معه وفتح صفحة جديدة من التعاون، لكن بشروط. فالدبلوماسية الفرنسية بدت وكأنها تنصح الجميل بالاقتراب منها والابتعاد عن الأميركيين والإسرائيليين، بما في ذلك من مصلحة للبنان. كذلك، كانت تشترط عليه أنه “إذا كان يريد علاقات ممتازة مع فرنسا، يجب على بشير الجميل أن يثبت أنه قادر على تجاوز مقامه كـ”زعيم حرب” واكتساب البعد الحقيقي لرئيس الدولة”، وفق خلاصة التقرير الدبلوماسي الذي يختم بالقول: “بإمكاننا مساعدته في هذا الاتجاه”.
في المحصلة، ظلت هذه الأفكار حبراً على ورق. قد تكون الرسالة الفرنسية وصلت لبشير الجميل. لكن اغتياله في 14 أيلول 1982، حال دون خضوعه لذلك الاختبار الفرنسي.

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free