منى سكرية: جرفني “الطوفان”.. فصرتُ فلسطينية أكثر

كان بودّي أن يكون تواصلنا المباشر الأول حول كتاب قرأناه وتبادلنا حوله الآراء أو في شغفٍ نتقاسمه معاً وهو الكتابة أو في هموم تُحاصرنا كبشر في هذه البقعة من الأرض، لكنه القدر شاء أن يكون أول الكلام هو العزاء بوفاة شقيقة منى (د. مهى سكرية) ثم السلام.

لا أعرف منى سكرية ولكنني أتخيلها صحافية من قماشة مختلفة. القراءة عندها ليست مجرد هواية، بل وسيلة نضال وأداة تغيير. من خلال الشغف بمطالعة الكتب، اكتسبت معرفة تُمكّنها من الدفاع عن القضايا التي تؤمن بها. كانت تستشهد بالكتب في حياتها وكتاباتها لتعزيز حججها ودعم آرائها. تعتبر الكتب مصدرًا للإلهام والتحفيز، مما يُعزّز من عزيمتها في النضال من أجل العدالة وحقوق الإنسان.

وطالما أعجبني تناولها الدقيق لمراجعة أهم الكتب وتفكيكها للمواضيع والفصول والأبواب لتوفر علينا جهدًا كبيرًا أو تُغرينا بقراءة ما ينبغي قراءته مُكتملًا، وهذه موهبة أو ميزة لا يتمتع بها كثيرون. الأمر يتطلب لغة متينة وعمقًا وصبراً وأناة.

من الواضح أنها تأثرت بالعديد من الكتّاب والمفكرين العروبيين التقدميين الذين تناولوا قضايا الحرية والعدالة والمساواة. قراءاتها للأدب العالمي والعربي زادت من وعيها بمختلف الثقافات والتجارب الإنسانية، مما جعلها أكثر تفهمًا وتعاطفًا مع قضايا الآخرين. الأدب كان دائمًا حافزًا لها للإصرار على تحقيق التغيير الإيجابي في المجتمع.

وإلى جانب نشاطها الصحفي، كانت وما تزال تؤمن منى بأن الثقافة هي أساس التقدم وأن الكتاب هو سلاح قوي في مواجهة الجهل والتخلف.

وبين منى سكّرية وفلسطين حكاية عشق. الأصح كل عائلة سكرية اللبنانية التي قدّمت نماذج مختلفة في السياسة والصحافة والثقافة والطب والقانون إلخ.. لكن هؤلاء يلتقون أولاً وأخيراً عند معنى الإنسان: أول القضايا وآخرها، فكيف الحال إذا حاكينا قضية الإنسان الفلسطيني في نكبته المستمرة منذ 76 عاماً؟

لعل مناسبة هذا الكلام تتجاوز معرض “من يوميات غزة” الذي أقامته الزميلة القديرة منى سكّرية في “ملتقى السفير”، برعاية الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستة، وبدعوة من أكاديمية دار الثقافة في مخيم مار الياس للاجئين الفلسطينيين في بيروت.

لا تدعي منى سكّرية ولا تبالغ في حدود ريشتها أو لوحتها. لا تضع نفسها في مصاف رواد الفن التشكيلي. تواضعها ينسحب على حضورها ونصوصها ومؤلفاتها الكثيرة.. وعباراتها التي تُردّدها بصوت خافت.

ومنى سكّرية عريقة في عالم الصحافة والثقافة منذ مطلع الثمانينيات الماضية. جايلت “السفير” و”الشراع” وصحفاً ومجلات لبنانية وعربية عديدة. قابلت قادة لبنانيين وفلسطينيين وعرباً، كما العديد من رموز قوى التحرر العالمية (زيارة أسمرة وتغطية أخبار الثوار والفقراء هناك). جالت في عواصم عديدة وغطت العديد من الحروب ولا سيما في بلدها لبنان، ولطالما كانت تخاطر بحياتها، طالما هي ممتلئة قناعة راسخة بأحقية هذه القضية التي تناصرها حتى الثمالة.

ابنة بلدة جديدة الفاكهة في البقاع الشمالي. سليلة بيت مناضل تربى كل طفل وطفلة فيه على سماع إذاعة صوت العرب وتداول صور وقصاصات جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة وجميلة بو حيرد ومحمد حسنين هيكل وقادة ورموز من شتى أنحاء العالم أمثال غيفارا وجواهر لال نهرو وتيتو. نعم، بيت تحول إلى مقلع نضالي يُخرّج جيلاً تلو آخر.

جرّبت سكّرية الوظيفة في التلفزيون والاذاعة، لكنها ظلت منحازة إلى الاعلام المكتوب. هو الأثبت والأقوى والأعرق. هو الأصلي و”الباقي تقليد”.

 اقتحمت منذ سنوات تجربة الفن التشكيلي، فكان معرضها الأول في العام 2016، ثمرة تدريب برعاية الفنان حسن يتيم في المركز الثقافي الروسي في بيروت. ستون لوحة عرضتها في الصالة الزجاجية لوزارة السياحة، أرادت لها أن تكون باكورة تأسيس «محترف شهرزاد للخزف التراثي الفلسطيني»، تحية منها إلى فلسطين وإلى أمها شهرزاد التي رحلت وهي لم تكن قد بلغت الخمس سنوات.

في معرضها الثاني، في أيار/مايو 2024، في “ملتقى السفير”، قرّرت منى سكّرية أن تنساب لوحاتها المائية الـ 90 ذات الهوية الطفولية البريئة، على شريط من الغسيل زنّر قاعات الطبقة الأرضية في جريدة “السفير” في بيروت، في مناخ صوتي عابق بالأغاني الوطنية وأكياس من الخيش (حقيبة يد توضع على الكتف) طُبعت عليها صور من معرض لوحات منى سكّرية.. والهدف هو بيع هذه “الجزادين” لمصلحة أطفال فلسطين (عبر صندوق غسان أبو ستة للأطفال، وأكاديمية دار الثقافة في غزة)، كما اللوحات التي غلب عليها اللون الأسود ممزوجاً بعلم فلسطين ودخان الحرائق وجراح المكلومين في أرض غزة هاشم. لوحات متعددة الأبعاد، صوفية بكل معنى الكلمة.

في كلمتها قالت تغريد عبد العال باسم “أكاديمية مخيم مار الياس”: “سيتركنا التاريخ نفتش عن كل الصور التي لم تعد تتحرك (…) كأن الخرائط قد ذبلت بين أيدي الأطفال وفي كتب الجغرافيا، وعندما يضيقون في الزقاق وتفقدهم الأمهات ستدلنا الجبال على لعبتهم الخفية. إنهم يقفزون إلى الوادي الذي سقطت داخله كل اللغات، ليمسكوا المعنى”

أما غسان أبو ستة الطبيب الفلسطيني-البريطاني الذي عمل في مستشفيات غزة تحت القصف الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 قبل أن يُنتخب رئيسا فخريا لجامعة غالسكو في اسكتلنده، فقد اختار أن يدخل بيروت من بوابة جريدة “السفير” ومنى سكرية، فقال: “نحن في معركة ارادات وكل نشاط نقوم به في أي مكان سواء هنا أو في الخارج إنما هو لإيصال صوت شعبنا في غزة، وما يعانيه في ظل حرب الإبادة التي تشنها الحركة الصهيونية عليه.. شعبنا متشبث في أرضه، ولن يتركها مهما طالت حرب الإبادة. هذه الحرب هي الأقسى بحق شعبنا الفلسطيني، لكنه أظهر معجزة في صموده وبقائه وصبره”.

إقرأ على موقع 180  "إكرع" كأسك يا أخي.. إنسَ!

بدورها، وفي تقديمها للمعرض تقول منى سكّرية عن لحظة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بتأثر شديد: “أنا الصحافية منى سكرية، أعترف أنني من صبيحة ذاك اليوم السابع من أكتوبر 2023 جَرَفني الطوفان، وصيّرني إنسانة تصبو أن تنال مقعدًا في صفوف الذين تفوّقوا على كامل المفهوم الإنساني، والقيم الإنسانية. غزة الرافعة والخافضة. غزة الميزان للعدل البشري.. والعدل الإلهي. روحي رسمت انفعالاتي وتفاعلي مع يوميات غزة، فكانت هذه الرسومات التي هي مشاعركم أيضًا”.

وأنا يا منى ليس بوسعي ألا أن أردّد معك ومع كل الشرفاء أنه بهذا الكمّ من الحبّ ستعود فلسطين.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أسئلة عمّان تُدوّي: انتصار "حماس" لمصلحة من؟