انتخابات اسرائيل: سيناريوهات مفتوحة و”معركة ثالثة” في الأفق

مع توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع للتصويت في الانتخابات العامة المبكرة، يكون قد بدأ العد العكسي النهائي للحسم في المنافسة الشرسة بين حزب "الليكود" الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو وتحالف "أزرق أبيض" بزعامة بيني غانتس، في وقت يبقى المستقبل السياسي للدولة العبرية غير واضح، خصوصاً إذا ما أعادت الصناديق الوضع إلى ما كان عليه في انتخابات نيسان الماضي.

عندما فشل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، زعيم “الليكود”، في تشكيل حكومة ائتلافية في أعقاب الانتخابات السابقة، كانت المرّة الأولى، في تاريخ إسرائيل، التي تصوّت فيها الكنيست على حل نفسها، والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
وتجري انتخابات الكنيست، التي تضم 120 مقعداً، على قاعدة التمثيل النسبي، إذ يصوت الناس للحزب الذي يختارونه عن طريق الاقتراع السري في دائرة انتخابية واحدة على مستوى إسرائيل، وبعد ذلك يحصل كل حزب على عدد من المقاعد تتناسب مع الأصوات التي حصل عليها، والحد الأدنى من الأصوات للفوز بمقعد هو 3.25 في المئة، فيما يتطلب تشكيل الحكومة الحصول على غالبية 61 مقعداً.
ثمة اعتقاد، في ظل ما تكشفه التقديرات السابقة للانتخابات أن نتيجة التصويت اليوم الثلثاء قد تؤدي الى تكرار “سيناريو نيسان”، فوفقاً لأحدث استطلاعات الرأي، فإنّ عشرة أحزاب سياسية من المحتمل أن تتجاوز الحد الأدنى من الأصوات للحصول على معقد، ويتصدرها حزب “الليكود” وتحالف “أزرق أبيض” بمؤشرات تتراوح بين 31 و 33 لكل منهما، مما يعني أنه في حالة الفوز، لن يتمكن على الأرجح أيّ منهما من تشكيل حكومة بمفرده.
خلف هذين المعسكرين تأتي، في استطلاعات الرأي، “القائمة العربية المشتركة” التي تمثل فلسطينيي العام 1948 (10.5 في المئة)، وحزب “إسرائيل بيتنا” القومي بزعامة وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان (9.5 في المئة)، والتحالف اليميني بقيادة آييلت شاكيد (9.5 في المئة)، والأحزاب الارثوذكسية المتطرفة في تحالف ” يهودت هتوراه” (7.5 في المئة)، وحزب “شاس” (7 في المئة)، والاتحاد الديموقراطي اليساري (6 في المئة)، و”حزب العمل”  – يسار الوسط (5.5 في المئة)، وحزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف (4 في المئة).
ومع بعض الفوارق الطفيفة، تكرر هذه التقديرات نتائج الانتخابات في نيسان الماضي، حين فاز كل من “الليكود” و”أزرق أبيض” بـ 35 مقعداً، وهو ما مكّن “الليكود” من تشكيل تحالف حكومي بدعم 65 مقعداً ، لكن ليبرمان سحب حزبه، مجدداً مطالبته بتأدية طلبة المدارس الدينية الخدمة العسكرية، وهو ما يرفضه حزبا “يهودت هتوراه” و”شاس” الحريديين، حليفي نتنياهو في حكومته.
وفي ظل الظروف الحالية ، فإن أقصى ما يمكن لليكود الاعتماد عليه هو 59 تفويضاً للأحزاب اليمينية والدينية، بينما من المتوقع أن تكون أفضل نتيجة ممكنة لـ”أزرق ابيض” 54 تفويضاً.
على هذا الأساس، قد يلجأ نتنياهو إلى كافة الأساليب غير التقليدية من أجل تشكيل ائتلاف هذه المرة، خصوصاً أن مستقبله السياسي بات على المحك.
من ضمن هذه الأساليب، قد ينجح نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية دينية، لكنها لن تكون مستقرة، وقد لا تستمر أكثر من عام أو اثنين على أبعد تقدير.
أما الاحتمال الثاني، فهو تفكيك تحالف “ازرق أبيض” عبر إغراء بيني غانتس بمنصب وزير الدفاع أو حتى التناوب في رئاسة الوزراء. ومع أنّ هذا الخيار ليس الأكثر ترجيحاً، إلا أنه الأكثر استقراراً، إذ سينتج ائتلافاً حكومياً قادراً على الصمود أربعة أعوام، مع العلم بأنّ أيًاً من الطرفين لم يعرب عن استعداده لذلك.
ثمة خيار آخر ممكن من الناحية النظرية، وإن كانت فرصه الواقعية ضئيلة، وهو الذهاب إلى تشكيل حكومة “وحدة وطنية”، وفق ما يطالب به أفيغدور ليبرمان، تضم “إسرائيل بيتنا” و”الليكود” و”أزرق أبيض”، وبالتالي استبعاد الأحزاب الدينية المتشددة.
وبالرغم من أن الكثير من المراقبين يستبعدون سيناريو من هذا القبيل، إلا أن ثمة إجماعاً على الدور الجديد الذي بات ليبرمان يتمتع به في ظل تصاعد شعبيته، التي ستترجم في حصد مزيد من المقاعد، وهو دور “صانع الملوك”.
ومن غير المستبعد أن يقدم نتنياهو وليبرمان على التحالف مجدداً، خاصة إذا كان البديل هو الذهاب إلى انتخابات ثالثة في غضون أقل من عام، مع العلم بأن نتنياهو ألمح إلى استعداده لمنح ليبرمان أية حقيبة وزارية يريدها.
مع ذلك، فإنّ ليبرمان نفسه يستبعد هذا الخيار، فقد تحدّث عشية الانتخابات عن “صورة مقلقة” حين أشار إلى أن نتتياهو قد يتمكن من تشكيل ائتلاف حكومي، بالتحالف مع الحريديين والخلاصيين (الصهيونية الدينية)، تحظى بتأييد 61-62 عضواً في الكنيست.
وفي وقت تذهب التقديرات إلى احتمال أن يتمكن نتنياهو من تشكيل تحالفه الحكومي، وإن ظلت الحكومة المقبلة في رمال السياسة الاسرائيلية المتحركة، فإنّ ذلك يعني أن غانتس لن يتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة، وذلك لعدة أسباب، بالنظر إلى غياب الشركاء المحتملين، فمن جهة أولى يستبعد ضم “القائمة المشتركة” إلى الائتلاف الحكومي (وهو واقع معروف تاريخياً)، وذلك وفق ما أكد غانتس نفسه، بالنظر إلى “الخلافات القومية – السياسية”؛ ومن جهة ثانية، يستبعد أن يؤدي أيّ تحالف محتمل بين “ازرق ابيض” و”إسرائيل بيتنا” إلى الحصول على غالبية 61 صوتاً، فأقصى ما يمكن أن يحققه تحالف من هذا القبيل هو 54 مقعداً في أفضل الأحوال؛ ومن جهة ثالثة، يستبعد أن يدخل غانتس في تحالف مع الأحزاب الدينية التي ترفض الانضمام إلى حكومة ليست يمينية، وفي الوقت ذاته يرفض معظم قادة “ازرق ابيض” تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب الدينية.
برغم ما سبق، فإنّ مفاجآت تبقى محتملة في الانتخابات الإسرائيلية، بما يؤدي إلى تغيير الكثير من المعادلات التي تفترضها استطلاعات الرأي، والكلمة السر في ذلك هي نسبة تصويت “العلمانيين” وبخاصة في منطقة تل أبيب، الى جانب ارتفاع نسبة التصويت في المناطق العربية، بين المواطنين العرب، مع العلم بأن نتنياهو يسعى بدوره الى زيادة نسبة تصويت الناخبين اليمينيين في المقابل.
وبين كل هذه الخيارات تبقى احتمالية الذهاب إلى انتخابات ثالثة قائمة، وهو ما عبّر عنه حرفياً الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في آخر رسالة للجمهور الاسرائيلي قبل الانتخابات، حين أشار إلى الخيارات المتاحة في حال فشل المكلف بتشكيل الحكومة بمهمته، اذ سيمثل أمامه احتمالان: إما تكليف أي عضو كنيست آخر بتشكيل الحكومة، باستثناء عضو الكنيست الذي مُنح الفرصة ولم ينجح، وأمّا إبلاغ رئيس الكنيست بعدم وجود إمكانية لتشكيل الحكومة، وبالتالي لا مفر من الذهاب إلى معركة انتخابية ثالثة.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course