رائحة بيروت خلال الحرب… حيث السياسة مخاطرة قاتلة

Avatar18023/09/2019
في هذا الجزء من مذكراته اللبنانية، يتحدث السفير السوفياتي السابق في لبنان فاسيلي كولوشا عن "رائحة بيروت" خلال السنوات الأخيرة من الحرب اللبنانية، ويبني "نصباً تذكارياً" لأصدقاء ومعارف قضوا بمجرّد أن قرر أحد ما إنهاء حياتهم بمادة "تي أن تي" المشؤومة، متطرقاً، على وجه الخصوص، إلى اغتيال كمال جنبلاط ورشيد كرامي والمفتي حسن خالد واختفاء الإمام موسى الصدر.

كان لبيروت في الثمانينيات ملمحٌ غريب. العديد من الشوارع، لا سيما في الأحياء القديمة، كان تحت الأنقاض. على الأراضي البور تكدّس حطام السيارات المحترقة، فيما كانت واجهات العديد من المتاجر مغطاة حتى النصف بأكياس الرمل.
عند مداخل بعض الشوارع والأزقّة، كان من الضروري المرور بحذر بين الحواجز الأسمنتية. كل المنازل كان يحمل مختلف علامات الحرب – الشرفات المكسورة، والجدران المثقوبة، النوافذ الملصقة. في كل من الأجزاء الإسلامية والمسيحية في المدينة، وعلى جميع المباني في ذروة النمو البشري، كان يمكنك رؤية صور مطبوعة للأموات: أحمد، ميشال، جورج، نبيل…
لم يتغيّر مظهر المدينة فقط، بل صارت لها رائحة مغايرة. خلال عملي في وزارة الخارجية، تمكنتُ من السفر في كافة أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالنسبة إليّ كانت كل عاصمة عربية مرتبطة ليس بمظهرها الخاص فحسب، بل أيضاً برائحتها الفريدة. في بغداد، على سبيل المثال، كانت هناك رائحة غبار أحمر حار. رائحة دمشق كانت من القهوة التركية السوداء ولحم الضأن المشوي. في القاهرة، غازات عوادم السيارات و”استراحة تحت كل شجرة”. كان لبيروت قبل الحرب رائحة فريدة، أو بالأحرى، رائحة القهوة والتوابل وبساتين الصنوبر والنباتات التي تزهر على مدار السنة عند سفوح الجبال.
خلال الحرب، صارت للمدينة رائحة مختلفة، وبسبب جبال القمامة المتعفنة المتراكمة في كل شارع، بدأت رائحتها تشبه رائحة شخص غير مغتسل، غير مهذب… رجل توقف لفترة طويلة عن رعاية نفسه…
اللبنانيون أنفسهم تغيروا أيضاً. استبدلوا حياة البهجة بالقلق على حياتهم وأحبائّم…
في معظم تلك الأيام، كنت أتأثر بطريقة رد اللبنانيين على سؤال الواجب عندما يلتقون: “كيف حالك؟”، فيجيب الجميع، بصرف النظر عن العمر والوضع الاجتماعي “بعدنا طيبين…” (“لا نزال على قيد الحياة”).
وفي الوقت ذاته، ازدهرت التجارة في المدينة، وكانت المطاعم والمقاهي تعمل بنشاط، وعربات الباعة المتجولين مكتظة بالحلي والأدوات المختلفة. في بعض النواحي، استفاد من الحرب تجار السلع الاستهلاكية اللبنانيون، لأنه في غياب الرقابة الجمركية، هُرّبت البضائع الرخيصة من جميع أنحاء العالم إلى البلاد.
أذكر أن كلّ الذين أتوا للعمل في السفارة تقريباً كانوا على عجلة من أمرهم عند أول راتب يتلقونه، للحصول على جهاز تسجيل تلفزيوني في وقت كان هناك عجز كبير في الحصول على أجهزة التسجيل والتلفزيونات اليابانية في اتحادنا (السوفياتي). للمقارنة: في دمشق المجاورة، يمكنكَ أن تتحمل نفقات هذه المشتريات فقط في نهاية رحلة وظيفية مدتها ثلاث أو أربع سنوات.
باستثناء المراحل الحادة من المواجهة المسلحة، لم تكن هناك مشاكل كبيرة في المواد الغذائية.
بالمقارنة مع الستينيات والسبعينيات، كانت بيروت خالية من السكان: نصف سكانها فقط ظلوا في المدينة قياساً الى مستوى ما قبل الحرب. انتقل الباقون إلى مناطق أكثر هدوءاً أو سافروا إلى الخارج. كانت المدينة تعيش بشكل رئيسي في الصباح وبعد الظهر. يتجوّل الناس في جميع أنحاء المدينة، يعملون، ويتحدثون مع بعضهم البعض، ولكنهم في الوقت ذاته يشغّلون أجهزة استقبال الراديو في كل مكان للاستماع إلى نشرات الأخبار التي يتم تحديثها كل ربع ساعة.
يقرأ المذيعون عرضاً موجزاً للأخبار، ينتهي دائماً بمعلومات عن الوضع في شوارع المدينة: في أي مكان الوضع هادئ وآمن، وفي أي مكان يتم إطلاق النار من قبل القناصة، وأيّ من الأماكن يفضّل عدم الذهاب إليها.
بعد الساعة الرابعة او الخامسة بعد الظهر، تبدأ الحياة في الموت، ويتفرق الجميع، ويعود الناس إلى منازلهم، فيما يخرج رجال العصابات واللصوص إلى الشوارع الخالية.
كانوا يستولون على  السيارات في تلك الساعات! وفي الوقت ذاته ينشلون المحافظ من الرجال والمجوهرات من النساء.
ثمة لحظات مميزة: فقدت سفارتنا وغيرها من المؤسسات السوفياتية خلال سنوات الحرب 29 أو 30 سيارة، بما في ذلك سيارة “مرسيدس” أُرسلت في العام 1975 إلى ممثل شركة “ايروفلوت”، ولكنها سُجلت رسمياً باسمي، ثم باسم السكرتير الأول للسفارة.
في المساء، وكقاعدة عامة، يبدأ إطلاق النار الذي يستمر حتى منتصف الليل.
ولكن لم يكن لإطلاق النار موعد محدد، ولم يكن يقتصر على الأمسيات… بحلول ذلك الوقت، كانت أفلام “الأكشن” قدّمت للمتحاربين دروساً في كيفية حماية أنفسهم. لم يعد أحدٌ ينفّذ أية هجمات أو اعتداءات أمامية كما كانت الحال في المراحل الأولى من الصراع. وعلى ما يبدو، لم تعد هناك حاجة إلى ذلك: لقد قام المسيحيون بإخلاء منطقة سيطرتهم من الوجود الفلسطيني والإسلامي، والمسلمون في مناطق هيمنتهم قضوا على جميع الجيوب المسيحية تقريباً. من كلا الجانبين، كانت عملية فك الارتباط هذه مصحوبة باغتيالات وأعمال عنف جماعية ضد المدنيين. أجد نفسي مجبراً على تكرار نفسي وتذكيركم بأن أكثر الحروب وحشية هي الحروب الأهلية، وأشدها ضراوة هي تلك التي تحمل مشاعر دينية.
مقارنة بالمرحلة الأولى من الصراع، تغيّر الخط الفاصل بين القطاعين المسيحي والإسلامي في بيروت. بناء على ذلك، وعلى كلا الجانبين، أُقيمت السواتر الترابية التي يبلغ طولها ثلاثة أمتار في أخطر الاتجاهات، وفي بعض الأماكن كانت الفجوات بين المباني تُسد عموماً بواسطة حاويات شحن مكدسة مأخوذة من مرفأ بيروت.
للتواصل بين القطاعين، كانت نقطة التفتيش الوحيدة عند المتحف الوطني، وكان لا بد من عبور الشريط المحايد بسرعة منخفضة على طول مسار متعرّج بسبب التلال الأسمنتية والألغام المخفية على جانبي الطريق.
كان نفسه “الخط الأخضر” الشهير الذي لا يمكن أن ينساه سكان بيروت والذين عملوا في تلك السنوات في لبنان. لم تحدث أية محاولة، لا من قبل المسيحيين ولا المسلمين، لتغيير تكوين “الخط الأخضر”. جهز المقاتلون مواقع لإطلاق نار يمكن الاعتماد عليها لأنفسهم، وأعشاش القناصة المجهزة، حيث استمروا في إطلاق جميع أنواع الأسلحة على المناطق السكنية في المدينة، من دون أن يتكبّدوا، في الوقت ذاته، أية خسائر.
علاوة على ذلك، في المراحل النهائية، وفي كثير من الأحيان، إذا اردنا التحدث بصراحة، كانت النقطة الأساسية للعمل العسكري هي كسر معنويات الطرف المعارض عن طريق إلحاق أكبر خسائر ممكنة بين السكان المدنيين.
إنهم، المدنيون المأسوف عليهم في بيروت، والذين دفعوا حياتهم ثمناً للمأزق الذي نشأ في الحرب الأهلية التي لا تنتهي. كان اللبنانيون العاديون هم الذين تحملوا ما بين 90 و 95 في المئة من كلفة الخسائر البشرية، من قتلى وجرحى، علاوة على الذين أصيبوا بتشوهات نتيجة القنص والقصف المدفعي الليلي في الميادين، وانفجارات السيارات الملغومة، والتي كانت تُترك خصيصاً في الأماكن التي يتركز فيها أكبر عدد من الناس.
كم من مرة خرجتُ إلى الشوارع أو الساحات التي ظهرت فيها علامات على مثل هذه الأعمال الهمجية – حطام السيارات أو واجهات المحلات المدمرة أو واجهات المباني المحترقة.
كان الدخان لا يزال يتصاعد من موقع الانفجار خلال عودتي من لقاء مع وزير الإعلام جوزيف هاشم. الموقع كان عبارة عن سوق صغيرة. انفجرت هناك السيارة، وكانت صناديق بائعي الخضار متناثرة، فضلاً عن النوافذ الفارغة في المباني في كل أنحاء المنطقة، وجدار المبنى السكني المتفحّم حتى الطابق التاسع أو العاشر.
أعترف أنني لم أر القتلى والجرحى – بحلول تلك اللحظة كان ثمة وقت لانتشالهم ونقلهم – ولكن كان هناك بالتأكيد الكثير منهم … صحيح أن السياسيين كانوا يموتون أيضاً، لكن لأسباب أخرى – لقد أصبحوا ضحايا لعمليات القتل المستهدف. في لبنان، في ذلك الوقت، كانت السياسة مخاطرة مميتة!
يكفي أن يقرر أحدٌ ما أنك شخصية لا لزوم لها في رقعة الشطرنج اللبناني، فيجعلك في غضون يومين ضيف شرف عند النبي محمد أو ربنا يسوع! عندما أعود بذهني إلى تلك الأوقات، وأجول في ذكرى أصدقائي ومعارفي السابقين، يصبح الأمر صعباً على روحي. هناك الكثير من الأسماء في لائحة الشهداء اللبنانية! الأشخاص الذين كنت أعرفهم شخصياً، وتواصلت معهم عدة مرات في أكثر المواقف المختلفة، والذين لاقيت منهم في بعض الأحيان أكثر من مجرد احترام بسيط، أشعر تجاههم بالأسى.

يكفي أن يقرر أحدٌ ما أنك شخصية لا لزوم لها في رقعة الشطرنج اللبناني، فيجعلك في غضون يومين ضيف شرف عند النبي محمد أو ربنا يسوع!

بعض معارفي اللبنانيين في ذلك الوقت نجحوا في إنهاء أيامهم الدنيوية من خلال التلاشي على سريرهم في المنزل. أذكر، على سبيل المثال، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني نقولا الشاوي، والرئيس اللبناني في الخمسينيات كميل شمعون، والرئيس اللبناني في السبعينيات سليمان فرنجية. لقد كانوا محظوظين مقارنة بأولئك الذين شعرتُ تجاههم بكثير من الحزن في ذكرياتي اللبنانية، ممن ماتوا بشكل مأساوي نتيجة لقتل متعمد ذي طبيعة سياسية.
أول من يمكنني الاستشهاد بهم كمال جنبلاط، الزعيم بلا منازع للميول اليسارية والديمقراطية في المجتمع اللبناني منذ الأربعينيات. كتُب الكثير من المؤلفات عن حياته ونشاطه، بما في ذلك كتاب باللغة الروسية بعنوان “كمال جنبلاط” لإيغور تيموفيف. لذلك، لن أقوم بإعادة سرد السيرة الذاتية، لكنني سأتطرق فقط إلى حلقات التعارف الخاصة مع جنبلاط الكبير. لقد حدث أن اجتمعت مع كمال جنبلاط عندما كنت شاباً، في عام 1964، حين كنت متدرباً في السفارة السوفياتية في بيروت.
ثم ذهبت إلى اجتماعات معه في أوائل السبعينيات، عندما جئت للعمل في السفارة كسكرتير ثانٍ. كنت اترجم اللقاءات بين جنبلاط والسفير سارفار عظيموف.
في تشرين الاول عام 1973، ذهبت أنا وأندريه فدوفين إلى جنبلاط في قلعته في المختارة للحصول على معلومات عاجلة حول مسار الاتصالات السياسية والدبلوماسية المتصلة بالحرب العربية الإسرائيلية. تذكرنا كمال بك، واستقبلنا بلطف ودفء كأشخاص مقربين منه.
وفي 16 آذار 1977، رحل. في طريق عودته من بيروت إلى المختارة، على الطريق الجبلي، تجاوزت سيارتَه سيارة ذات نوافذ ملونة. بعد حوالي كيلومتر واحد، كانت هذه السيارة قد ركنت بالفعل على جانب الطريق: ثلاثة أشخاص خرجوا منها، فطلبوا من جنبلاط وحارسه الشخصي (الذي أيضاً كنت أعرفه) ، وكذلك السائق، الترجل من السيارة وأن يديروا وجوههم الى الشجيرات، وظهرهم الى إلى الطريق.
هل يجب علي أن أتحدث عما حدث في ما بعد؟ لقد أصدر الرئيس السوري حافظ الأسد أمراً بتصفية جنبلاط جسدياً. شخصياً! كمال جنبلاط، في رأي القيادة السورية، طرح برنامجاً راديكالياً للغاية لإصلاح المجتمع اللبناني، وبالتالي دفع المسيحيين اللبنانيين نحو التقارب مع إسرائيل. أعترف الآن أنني اعتقد شخصياً بأن جنبلاط كان يقف إلى اليسار أكثر بكثير مما كان يسمح به الواقع اللبناني في ذلك الوقت.

كان كمال جنبلاط يقف إلى اليسار أكثر بكثير مما كان يسمح به الواقع اللبناني

ولكن، بصرف النظر عن درجة معينة من الصواب في انتقاد الخط السياسي لكمال جنبلاط، لا يمكننا ولا ينبغي لنا تبرير الطرق التي لجأ إليها السوريون كثيراً في لبنان.
هناك شخصية الثانية في “نصبي التذكاري” اللبناني هو الإمام الشيعي موسى الصدر. شخصية كبيرة للغاية، وجذابة للغاية، لدرجة أنني أتساءل في بعض الأحيان ما الذي كانت ستؤول إليه دورة الأحداث في لبنان لو لم يختف الإمام في رمال الصحراء الليبية في 31 آب عام 1978، يوم كان الضيف الرسمي لمعمر القذافي.
في الواقع أن موسى الصدر، وهو متواضع ظاهرياً، ولكنه متمرد بطبيعته، تمكَّن في منتصف سبعينيات القرن الماضي من وضع الطائفة الشيعية اللبنانية في قلب الأحداث، بعدما أصبحت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات الأكثر عدداً في البلاد. كان معقل الشيعة اللبنانيين هو جنوب البلاد ووادي البقاع. وعلى وجه التحديد، أنشأ السيد الصدر “حركة المحرومين”، التي كانت فيما بعد أساساً لإنشاء حركة “أمل”، ثم “حزب الله”.
موضوعياً، اتضح أن مصالح الفلسطينيين والشيعة في جنوب لبنان قد دخلت في صراع: بدأت أنشطة موسى الصدر تعيق المنظمات الفلسطينية، التي حوّلت المدن والقرى اللبنانية الجنوبية إلى قواعد لشن هجمات على إسرائيل.
في المحصلة، حاول الفلسطينيون قطع عقدة التناقضات من خلال التصفية الجسدية لموسى الصدر، التي عُهد بها إلى  أحد القادة الفلسطينيين، وهو أبو إياد، من قبل الزعيم الليبي المتهور والمندفع.
عملياً، لم يتمكن الفلسطينيون من  إزاحة السيد الصدر، وقد اضطروا إلى مغادرة لبنان في عام 1982، وملأت الوحدات العسكرية الشيعية ، “أمل” و”حزب الله”، الفراغ الذي نشأ في الجنوب.
في 31 آب عام 1978، كان موسى الصدر في ليبيا بدعوة من زعيم الثورة الليبية معمر القذافي. وبعد ذلك بأيام قليلة، وصل رجل يحمل جواز سفر باسم السيد الصدر من طرابلس إلى روما. كان هناك شخصان آخران معه يحملان جوازي سفر باسم رفيقي الإمام الذين كانوا معه في تلك الرحلة المشؤومة. عند الوصول إلى روما، بدا وكأن هؤلاء الأشخاص الثلاثة قد تبخروا في الهواء! لا أثر! لكن بالنسبة إلى كل من كان قلقاً على مصير موسى الصدر، كان الوضع واضحاً: كان الإمام ضحية السيد القذافي.
قُتل هو ورفيقيه، ودُفنت جثثهم تحت بعض الكثبان الرملية في الصحراء الليبية. على أي حال، فإن خليفة الإمام، نبيه بري، الذي أصبح صديقا لي، تحدَّث عام 1987 بكل تحديد عن الأيام الأخيرة لموسى الصدر.
في العام 2011 ، تغير الوضع في ليبيا بشكل كبير. يجب أن نتوقع أنه مع سقوط نظام القذافي، سيتم الكشف عن كل ذنوبه إلى العالم الواسع، ويصبح موضوع الإجراءات أكثر دقة. أعتقد أن الدور سوف يأتي إلى قصة اختفاء موسى الصدر. نعم، معمّر نفسه قد مات، ولم يعد أحدٌ يسأل عنه. مات أيضاً أبو إياد الذي “تمكّن منه” الإسرائيليون ذات يوم في تونس. ولكن هناك عبد الله السنوسي، قريب القذافي، رئيس الأجهزة الليبية الخاصة، والذي تم اعتقاله في تشاد في أوائل العام 2012، بالتأكيد سيكون قادراً على معرفة الكثير، بما في ذلك المصير الغامض لموسى الصدر! أعتقد أنه في غضون عامين سيتلاشى حجاب الغموض حول ظروف مقتل الصدر.
الاسم التالي في “النصب التذكاري” اللبناني هو الزعيم المسلم السني اللبناني رشيد كرامي. منذ نهاية الخمسينيات، ترأس ما يقرب من نصف الحكومات في لبنان. شخصية ذات سمعة لا تشوبها شائبة، لم يسرق، ولم يسمح بإساءة استخدام السلطة، ولم يحصر نفسه في إطار المؤامرات الضيقة اللبنانية. كان مؤيداً قوياً لضرورة إجراء إصلاحات في البلاد لصالح منح المزيد من السلطات للمسلمين، لكنه في الوقت ذاته كان يؤيد بشكل أساسي إجراء حوار سلمي مع المسيحيين، ويرفض أساليب العنف.
لقد تذكرني منذ عام 1972، حين عملت كمترجم عدة مرات خلال الاتصالات السوفياتية اللبنانية الرسمية. وعندما وصلت إلى بيروت في عام 1986 كسفير، كان يشغل منصب رئيس الوزراء، وكان يستقبلني دائماً بحرارة وودية، بقدر ما يسمح به إطار البروتوكول.
أعتقد أنه كان على قناعة بضرور إجراء تغييرات في نظام السلطة السياسية في لبنان، وأنَّ ثقله الشخصي في الساحة السياسية في البلاد كان بمثابة حافز لتصفيته الجسدية.
هكذا قتلوه: في الأول من حزيران من العام 1987، طار كرامي ووزير الصحة عبد الله الراسي (صديق حميم) على متن طوافة تابعة للجيش اللبناني من بيروت إلى مدينة طرابلس في شمال لبنان. كلاهما ينحدر من المناطق الشمالية من لبنان، وكانت ممتلكاتهما هناك. وفي نهاية أسبوع العمل، كانوا ينتقلون بانتظام إلى الشمال ليقضوا عطلة نهاية الأسبوع. لذلك كان يوم الجمعة المأساوي. عندما حلقت المروحية على طول الساحل اللبناني من بيروت الى الشمال، ووصلت إلى محاذاة جبيل، في مقصورة المروحية، أي خلف المقعد الخلفي لرشيد كرامي، سُمعت ضربة خفيفة، واندفعت جثة رئيس الوزراء الى الأمام، وتطاير رذاذ الدم وكتل اللحم على عبد الله الراسي …
هبطت الطوافة هبوطاً اضطرارياً، لكنّ رشيد كرامي لم تظهر عليه أياً من علامات الحياة: انفجرت عبوة صغيرة كانت مثبتة على كرسي كان يجلس عليه دائماً عندما يطير إلى طرابلس، فمزقت صدره على مستوى القلب. اظهر التحقيق أن العبوة كانت مثبتة في الجزء الخلفي من الكرسي على مستوى الصدر.
حصل ذلك في قاعدة سلاح الجو اللبناني في أدما، الواقعة في المنطقة المسيحية. تم نقل أمر التفجير من خلال إشارة لاسلكية من المنطقة المسيحية. في العام 1993، خلال محاكمة سمير جعجع، القائد السابق للقوات اللبنانية، إتُهم الاخير بارتكاب جريمة قتل رشيد كرامي بناءً على أمره. لا أستطيع الحكم على ما إذا كان لهذا الاتهام ما يبرره، لكنني متأكد من أن هذا الامر لم يكن ليحدث من دون مشاركة مباشرة من الإسرائيليين. في رأيي، لم يكن لدى المسيحيين اللبنانيين في ذلك الوقت مثل هؤلاء الخبراء الذين يستطيعون تخطيط وتنفيذ مثل هذا القتل المتطور. وفي حقيقة الأمر، فأنّ الأجهزة السرية الإسرائيلية في العام 1987 لم تكن موجودة فعلياً فحسب، بل كانت أيضاً نشطة في المنطقة المسيحية، وهي حقيقة يعرفها حتى من له عقل بطيء.

اغتيال رشيد كرامي لم يكن ليحدث من دون مشاركة مباشرة من الإسرائيليين

حتى الآن أتذكر ذلك المبنى في بلدة زوق مكايل، على الطريق من بيروت الى جونيه، حيث كان مكتب الاتصال الإسرائيلي مع الميليشيات المسيحية في تلك السنوات.
بالمناسبة، فإنّ قوات الأمن الإسرائيلية، استخدمت الطريقة ذاتها في اغتيال أحد القادة الفلسطنيين، محمود الهمشري، في منتصف السبعينيات في باريس حين ثبتت شحنة صغيرة في سماعة جهاز هاتف وتم تفجير العبوة عن بُعد.
أتذكر صديقاً آخر في ذلك الوقت مع نفس الشعور بالحزن. هو أيضاً ضمن “النصب التذكاري اللبناني” – الزعيم الروحي للسنة، المفتي حسن خالد. رغم أنه كان شخصية روحية، إلا أنني كنت أحب زيارته لأنني كنت استمتع بالتحدث إليه.
ما الذي يمكن أن يتحدث فيه السفير الملحد مع المفتي السامي؟ لكننا كنا نجد مواضيع لمحادثة جدية وصادقة، وفي الحقيقة، كنا نتقبل بعضنا البعض. أذكر أنه بعد لقاءاتها، كان الصحافيون يندفعون على المفتي بأسئلة تتعلق بمضمون المحادثة التي جرت بيننا، كان يبتسم دائماً، بمكر، ويقول: “لقد عُقد الاجتماع بمبادرة من السيد السفير، لذلك اسألوه”.
من جهتي، يمكنني أن أؤكد لكم أن هذا الشخص لم يكن يريد سوى الخير للبنان! كان حسن خالد، مثل رشيد كرامي، يؤيد إجراء إصلاحات دستورية في لبنان، ولكن من دون عنف. ومع ذلك، كان ثمة من يختزن ضغينة ضد المفتي. تم تفجير حسن خالد حين كان يستقل سيارة “مرسيدس” مصفحة في الشارع.
كما كان يحصل دائماً في مثل هذه الحالات، تم استخدام سيارة مركونة إلى جانب الطريق، حيث تم وضع 200-300 كيلوغرام من مادة “تي أن تي” المشؤومة. نتيجة لانفجار “المرسيدس” طار جسد المفتي، ثم تعثرت السيارة وتدحرجت أسفل منحدر الشارع…. من فعل هذا؟ من كان منزعجاً من هذا الرجل الرائع؟ ما زلت لا أجد إجابات واضحة ومنطقية على هذه الأسئلة …
لماذا كل هذه الذكريات الحزينة؟ هل لكي أتذكر أولئك الذين التهمتهم تلك الحرب التي لا تشبع؟ نعم لهذا السبب، ولكن بشكل أساسي لإعطاء فكرة واضحة عن الموت في بيروت في الثمانينات الذي تعقّب كل من عاش وعمل هناك. كل ما حدث بعد ذلك في لبنان شعرت به. في بعض الأحيان كنت استمع إلى التحذيرات والتهديدات.
بمجرد إعلان السفير شخصاً غير مرغوب فيه، كان من الطبيعي أن يصبح البقاء في البلاد أمراً غير مرغوب فيه. لكني، مع ذلك، انطلقت من حقيقة أنني أفعل الشيء الصحيح، ليس بروحية التعليمات التي سمعتها عندما تم تعييني من قبل شيفرنادزه فحسب، ولكن أيضاً إنطلاقاً من أفكاري الشخصية عن الخير والشر. عند لقائي باللبنانيين، كنت أؤكّد أن مشاكل البلد ليس لها حل عسكري، وأنه لا يوجد خيار، سواء كان داخلياً أو خارجياً، من شأنه أن يوقف الحرب بلمسة واحدة من عصا سحرية ويفتح الباب أمام حياة سلمية.

Avatar

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free